الأحد، 16 يونيو 2019

فضيلة الفاروق «أنهكها» الحبّ

فضيلة الفاروق

هل يمكننا الحديث عن الحبّ، في هذا الزّمن العربي المتعثّر! ثم كيف يمكن لكاتب أن يُقدّم الحبّ لقارئ أنهكته مشاهد العبثية، وقصص القسوة، القادمة من الشّرق والغرب في آن! هي مهمّة ليست سهلة، لكن فضيلة الفاروق جازفت، عكس التّيار، لتقول أشياء حميمة عن نفسها، لتنفض الغبار عن مغامرة كتابية شخصية، عن هوس وعن تجارب تبدو، للوهلة الأولى، ناجحة، وأخرى ظلّت حبيسة صناديق الوهم، وتخرج في نهاية المخاض بمجموعة شعرية، حملت عنوان «منهكة بحبّك يا ابن دمي»(منشورات لزهاري لبتر).

في المجموعة نفسها، لا يتوقّع القارئ أن يجد قصائدًا «وردية»، تُحاكي أنماط العشق الكلاسيكية، وغوايات الليالي الملاح، ولن يجد فيها نصوصًا متكلّفة في لغتها، أو في صوّرها، فالشاعرة راهنت على «العادي» لقول حالاتها، تماهت مع اليومي واتكأت على مزاجات، تتحوّل، بحسب تحوّل الشّريك، لتوقّع نصوصا تتقاطع بالضرورة مع تجارب آخريات، أثقلهن الانتظار وعدم وضوح الرّؤية في حيواتهن العاطفية.

«أنهض من قبر منسي في قمم الأوراس»، هكذا تكتب فضيلة الفاروق، كفاتحة لرحلتها في البحث والحفاظ عن حبّ متلوّن، متعدّد، مُتشظّ وغير مُهادن، حبّ صاخب تارة، وهادئ تارة أخرى، فقد علّمها «حبّها» أن تقبّل العيش المقسّم نصفين، المشتّت هنا وهناك، لتختصّر الشّاعرة نفسها في نصّ يُعرّفها، مع الحدّ الأدنى من الكلمات والخسارات، وتكتب في «أنا باختصار»:

«عشت بين أُميّن

بين أبين

بين مدينتين

بين لغتين

بين خسارتين

بين بلدين

بين قارتين

بين ديانتين

وأخيرًا بين رجلين

أرادت الحياة أن تعطيني أكثر من غيري

فشطرتني نصفين».

وتنشطر الشّاعرة أيضا نصفين في علاقاتها، نصف يحرّكه الحبّ، ونصف ثانٍ تحرّكه «تبعات الحبّ»، لتقسم عقلها، في النّهاية أيضا نصفين، الأول يعيش على نوستالجيا الأرض الأولى، أرض الميلاد والطّفولة، والثاني في المنفى، حيث تتمدّد متتاليات حكاياتها، ليعيدها منفاها، في كلّ حين، إلى بلدها الأول، الذي ليس يشبهه سوى حبيبها.

«إنك جميل مثل بلادي

فائق الرّوعة مثل بلادي

منسي مثل بلادي

ومظلوم مثلها أيضا».

هذا التّرحال، بين «الهُنا» و«الهناك»، بين الذّات والآخر، بين المنشأ والمنفى، بين الحبّ واللاحبّ، سيضع الشّاعرة في مواجهة الأسئلة الأكثر حميمية، سيصدمها سؤال البدايات، من حيث لا تدري، وتتمتم: «من أنا؟»، ويستاءل القارئ معها: فعلا، من هي هذه الشّاعرة التي أمسكت بالجمر وعجزت عن الإمساك بالحبّ؟ من هي هذه المتوحّدة في دير العشق؟ وتردّ بنفسها:

«أشبه أمي في حظّها العاثر

أشبه أبي في غضبه اللا مفهوم

أشبه أعمامي في بعض غرورهم

أشبه أخوالي في تمردهم المبالغ فيه

أشبه جدتي لأبي في جرأتها

أشبه جدتي لأمي في سكونها المخيف»، هذا الموزايك الإثنولوجي، والتعدّد العائلي، سيقود الشّاعرة نفسها إلى قناعة واحدة حين تقول، بخيبة عميقة: «لست شيئا مما حلمت أن أكونه».

غلاف المجموعة

تكتب فضيلة الفاروق الشّعر «بلا خطوط حمر في الحبّ»، تحاور نفسها، وتعاتبها وتشفق عليها، ثم تصبّ كلّ غضبها على حبيب لم يفهم كلماتها له، مرّ أمامها ولم يراها، ثم تصالحه، وتخاصمه، في دوائر حياتية غير منتهية، فهي لم تستطع التحرّر منه، وهو عالق في ذهنها مثل «سؤال عويص»، تتمناه قريبًا منها وعصيًا:

«فلا أمل للذين يتغزلون بعيني، وساقي، ونهديّ

بالحصول عليّ

أنا امرأة حرّة.. وجدّ عصية

وما يلزمني حتما

رجل حرّ، وجدّ عصيّ

لا رجلا تتعثر به النساء

كما يتعثّر سِكّير بمتسولات الرصيف».

فضيلة الفاروق لا تتخندق في حيز «حبّ واحد»، بل تعيش اللحظة بجنونها، وبعمقها الإنساني، تتحرّر من تلعثمها في مواجهة رجل في منتصف العمر، وتجاري سذاجات مراهق في الرّابعة عشر، يتصل بها ليخاطبها بدون خجل: أحبّك! هكذا هي صاحبة «اكتشاف الشّهوة»، في كلّ صفاتها في مجموعة «منهكة بحبّك يا ابن دمي»، التي جعلت منها مقدمة لحياة مُبسترة من الحسرات، متنزهة من كل أشكال العبودية المختارة، فهي تختصر قناعاتها في مقطع واحد ومكثّف:

«فليس عدلا

أن تولد في قبر

وتعيش في قبر

وتدفن في قبر حين تموت!».

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …