الأحد، 16 يونيو 2019

سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 – (ج1)

سامية بن عكوش

إنّ طبيعة الأسئلة التي يطرحها أيّ مجتمع أمام مشكل ما، ليكن مشكل البطالة مثلاً، تحدّد أوّلا طبيعة فهم هذا المجتمع  للمشكل، أي البنية العقلية للمجتمع. وثانيا مدى إمكانية هذا المجتمع في إيجاد الحلول لمشاكله، فإذا أخطأ المجتمع طرح الأسئلة المنوطة به في أيّ مرحلة تاريخية، زاغ عن طريق التنمية المستقيم، وتخبّط في دائرة الأجوبة الخاطئة لأسئلة في الأصل خاطئة.

والأسئلة الصّحيحة التي تواجهنا في جزائر 2015: لماذا لم نحقّق التنمية الكافية في فترة البحبوحة المالية في سنوات خلت؟ كيف نحوّل مشاكلنا الاقتصادية إلى فرص تنمية؟ أما الأسئلة الخاطئة التي تزيدنا تيهًا وضلالاً: من فعل بنا ذلك؟

إنّ السّؤال الحضاريّ الذي يجب أن يشغل مفكّرينا وساستنا وعمالنا: لماذا لم نُحقّق التّنمية في الجوهر واكتفينا بها في العرض؟ ونقصد بالجوهر تغيير الذّهنيات والأفكار وطريقة العمل في كلّ المجالات، أما العرض فهو تمظهرات إضافية وليست أساسية للجوهر، مثل الطّريق السيّار شرق – غرب ومشروع مليون وحدة سكنية، إلخ.

إنّ استقراءا للخطاب السياسيّ الجزائريّ هذه الأيام، يتوقّف عند خطابين متعارضين. أولّهما خطاب تطمينيّ من الحكومة؛ وثانيهما خطاب انتقاديّ من المعارضة للحكومة. لازالت الحكومة مستمرة في خطاب تبريريّ، يتّخذ حلولا ظرفية كالتّقشف وزيادة الضّرائب وتقليص الغلاف الماليّ للتجهيز. بينما لا تزال المعارضة مُصرّة على إثبات فشل الحكومة في كلّ مناسبة إعلامية. وبين خطاب تبريريّ وآخر هجوميّ، غابت الاستراتيجيات الواضحة والأهداف المحدّدة والمدّة الزمنية. وبدل اندماج الكلّ في وضعية تسمى وضعية الخطر، علّها تسمح بتفجّر عبقرية الجزائريين لمجاوزة الوضعية الخطرة، لأنّ الخطر وحده الكفيل بإحياء غريزة الصّراع من أجل البقاء في الإنسان كما في الأمم؛ فإنّ الرّأي العام الجزائريّ ومعه المعارضة وأحزاب الموالاة انشغلوا باليوميّ والعرضيّ، مثلما حدث هذه الأيام من لغط إعلاميّ كبير حول إقالة الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة لرئيس المخابرات محمد مدين، المدعو توفيق، فسقطت الأغلبية عن وضعية الخطر المنوطة بوضعنا الوجوديّ الحرج، إلى سرديات ألف ليلة وليلة من حكاية بوتفليقة وتوفيق، وأسهم الإعلام في سقوط المجتمع في القيل والقال والروايات ونقيضها، ومعهم العشرات من الخبراء السّاردين، من مبشّرين بمجتمع مدنيّ يلوح في الأفق برحيل الجنرال توفيق، ومن متوجّسين مما يحصل في قصر المرادية.

لماذا لم نُحقّق التّنمية في الجوهر واكتفينا بها في العرض؟

إنّ صورة الجزائر، هذه الأيام، وهي تغرق في السّرد الأسطوريّ أشبه بسفينة توشك على الغرق، والركاب على متن السّفينة ينصرفون إلى حكاية القبطان الذي يضاجع زوجة صديقه كلّ ليلة. والجامع بين الصورتين تركيز الاهتمام على الأشخاص لا الأفكار. إنّ العقول الصّغيرة تركّز اهتمامها على الأشخاص، بينما ترتقي العقول الكبيرة إلى التركيز على الأفكار.

إنّ خطابا سياسيا يركّز على الأشخاص لتبرير أحداث داخلية، نابع من عقلية ترسّخت منذ الاستقلال، فمنذ الاستقلال ركّز النّظام الجزائريّ على صناعة شخصيات كاريزمية لرئاسة البلاد، لهذا اتّسمت العلاقة بين فترات الحكم المتوالية بالقطائع على مستوى المشاريع؛ فبمجرد نهاية الفترة الرّئاسية لرئيس ما تذهب معها الأفكار والمشاريع التي قيد التطبيق. وقد تمظهر التركيز على الأشخاص لا الأفكار في طبيعة الأسئلة التي واجهت بها الجزائر مشاكلها. فوحدها الأسئلة تكشف نمط التّفكير السّائد في مجتمع ما. وغالبا ما ركّز الخطاب السياسيّ الجزائريّ على سؤال: من فعل بنا ذلك؟ أمام أيّ مشكل واجه الجزائر. وغالبا ما حمّل مسؤولونا فرنسا تبعات كلّ إخفاقاتنا. ومع الانفتاح الدّيمقراطي الذي حملته فترة التسعينيات، أصبحت المعارضة تجيد سؤالا واحدًا أمام أيّ انسداد سياسيّ تمرّ به البلاد، من فعل بنا ذلك؟ وإجابتها واحدة: السّلطة وبالضبط شخصية الرّئيس هي المسؤولة عن هذا الوضع الحرج أو ذاك. وشهدنا في فترة التحضير لرئاسيات 2014 تراشقًا للتّهم بين المعارضة والموالاة، سؤاله: من سبّب الأزمة؟ وجوابه: الرّئيس هو السّبب من وجهة نظر المعارضة، والمعارضة الضّعيفة هي السبّب من وجهة نظر أحزاب الموالاة. ومع الحملة الانتخابية لرئاسيات 2014 بلغ تركيز الخطاب السياسيّ للمعارضة والموالاة على أحوال الرّئيس مبلغًا عظيمًا. وانقضت الحملة الانتخابية لرئاسيات 2014 بالحديث عن الأيدي والأرجل بدل الحديث عن الأفكار والتصوّرات والمشاريع.

حديث عن الأيدي والأرجل بدل الحديث عن الأفكار والتصوّرات

إنّ السّؤال: «من فعل بي ذلك؟» هو سؤال نرجسيّ يرفض به المجتمع أو الإنسان مُجابهة ذاته ومعاينة قصوره واعتلاله، وهو ما يسمى في علم النّفس «الإنكار». ويستبدل المجتمع النّرجسيّ أو الإنسان النّرجسيّ موضوع مشاكله الحقيقية بموضوع بديل، يعزّز انكفاءه وإنكاره لواقعه، مثلما أضحى الخطر الخارجيّ موضوعا بديلا لاكه سياسيونا في الماضي ولازالوا يلوكونه هذه الأيام، والبلد في مرحلة تاريخية حاسمة.

إنّ سؤال: «من فعل بنا ذلك؟» أضحى سلوكًا متداولاً في تعامل المسؤولين مع جلّ مشاكل الجزائر، فغالبا ما يُجابهون خلّلا في شركة أو أيّ موقع اجتماعيّ بإقالة المدير أو المسؤول عن المشروع. لماذا؟ لأنّهم يبحثون دائما عن فرد يحمّلونه مسؤولية فشل ما، ولا يدرسون بعمق وموضوعية أسباب الفشل. والأدهى أنّ هذه العقلية أصبحت تسيّر حتى الرياضة عندنا. فبعد فشلنا في كأس العالم 2010، تساءل المسؤولون عن الرياضة: من المسؤول عن فشلنا؟ فوجدوا الإجابة في شخص سعدان، الذي أضحى سببًا لكلّ مآسينا الكروية، بينما كان بالأمس القريب بطلا وطنيًا، يحمل على الأكتاف وتعلّق صوره على الجدران وفي المحلّات. إنّ مجتمعا يصنع زعماء ظرفيين، يحمّلهم مزّية نجاح ما، ثمّ يهوي بهم أرضا لما يجابه فشلا ما، إنّما هو مجتمع يتصوّر التنمية صنيعة شخصيات كاريزمية واحدية، ومثل هذه العقلية الواحدية تسأل السّؤال ذاته: من فعل بي ذلك؟ في كلّ وضعية فشل تتعرّض لها. ويشكّل هذا السّؤال النّرجسيّ خطرًا على المجتمع الجزائريّ، إن مضى قدما في ترسيخه تفكيرًا وقولا وسلوكًا، لأنّه سيتسبّب في تضخيم ذاته وزرع الاتّكالية والاستسلامية في سلوكاته، ويعزله عن مواجهة صريحة مع ذاته. وهذا ما يزيده تيهًا وتخبّطا، على كلّ المستويات.. ( يُتبع)

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم …

الثقافة بصيغة الجمع

  تتعرّض المفاهيم في مجالات الفكر المختلفة للانكماش بعد الاتّساع. لنأخذ مثلاً مفهوم البلاغة، الذي …