الخميس، 17 أكتوبر 2019

فصل من رواية «حضرة الجنرال» لكمال قرور

كمال قرور

 

في الأيام القليلة القادمة، ستصدر رواية كمال قرور الجديدة، بعنوان «حضرة الجنرال»(عن دار الوطن اليوم)، والتي أراد لها عنوانًا ثانويًا هو: التخريبة الرّسمية للزّعيم المفدى ذياب الزّغبي كما رواها غارسيا ماركيز، والرّواية ذاتها هي الثّالثة في تجربة كمال قرور الأدبية، بعد كلّ من «سيد الخراب»(2010) و«التراس»(2008)، الحاصلة على «جائزة مالك حداد». وتنفرد مجلة «نفحة» بنشر فصل من رواية قرور الأخيرة.

«إيه.. غارسيا ماركيز!

كاتبٌ شهيرٌ

ومتألّق أنت..!

ومهووس بكتابة سير أشهر ديكتاتوريات أمريكا اللاتينية..

وأنا فارس وجنرال وديكتاتور «أوليغارشي» محلّي، منسي، يبحث عن قلم يمنحه أضواء الشّهرة.

لقاؤنا هنا في هذا المشفى ليس صدفة. هو موعد من مواعيد القدر التي كثيرًا ما فاجأني بها، والأكيد أن هذا آخر المواعيد غير الرّسمية.

يا لسخرية الأيام! أنت على فراش المرض والشيخوخة والخرف، ووراءك ملايين القراء المعجبين والمحبين، يطلبون لك الرحمة.

وأنا متهالك على كرسي متحرك، أعاني مثلك الخرف و«الزهايمر» والقرف واللعنات وطعنات قاتلة، وجّهها إلى جسدي النحيف المرتعش، في لحظة واحدة، يتامى الحقد السياسي الأعمى، وكأنها طعنة رجل واحد، بلا شفقة ولا رحمة. وبأمر من الجازية، المرأة التي أحببتها طوال حياتي، ورسمت «عيد الحب» في «امبراطهوريتي» باسمها ثم أطلقت عليها في لحظة تهورٍ رصاصة قاتلة.

كم أحببت تملّكها مثلما تملكت فرسي الأسطورية «الهامر«.

وتملكت «الامبراطهورية» قرنا كاملا.

نعم، في لحظة غضب وببرودة ووحشية، وبكل جبن أطلقت على الجازية حبيبتي الرصاصة الوحيدة التي احتفظت بها في مسدسي طوال حياتي، للحظة استثنائية.

يا لها من جريمة حمقاء..

كانت الرّصاصة هدية من أحمد بن قاسم الحجري «أفوقاي»، العالم الأندلسي الغريب الأطوار، الذي جاءني حافي القدمين من القرن السادس عشر بمشروعه الغريب لتطوير صناعة البارود والمدافع والسفن الحربية والتجارية، فرفضته دون مناقشة أو خوض في حيثياته وتفاصيله واستشرافه.

»…سقوط الأندلس، محاكم التفتيش، طاقة البخار، كريستوف كولومبس، اكتشاف أمريكا، السفن البخارية، البارود، المدافع، البروتيستانية الاصلاحية، احياء العلوم والفلسفة، الاستعمار»…

لم أستوعب النقلة النوعية المقترحة لنهضة «الامبراطهورية» التي جاء يبشربها مشروعه..

كانت هوة سحيقة ومخيفة لا تشجع على القفز والمغامرة. ياللجنون..«كيف أترك ما بيدي وأتبع ما في الغار»؟«حمامة في اليد ولا زوج فوق الشجرة«.

بكل صدق وموضوعية، مشروعه العجيب كان يتناقض مع مشروعي «القومجي» الطموح من الرمل وإلى الرمل. لهذا السبب، تجاهلته ورفضت تبنيه، لأني بكل صدق لم أجد فيه نفسي، أنا سيد السيف والفروسية وسيد النار والغبار.

كأنه عرّاف تنبأ بخطر قادم، سيعصف بحكمي، ويقتلع أحلامي. فكان علي أن أغلق الأبواب والنوافذ، وأعلي أسوار «الامبراطهورية»، وأغلق الأفق وأطبّق نظام السّجن الكبير بكل تفاصيله لفرض الأمن والنظام والانضباط، وأخوّف الشعب في كل خطبي، بمناسبة وبغير مناسبة بخطر الغول القادم: «بعّو»..«بعّو» يتربص بدولتنا. «بعّو» لايحب لنا الخير. «بعّو» يتآمر على الوحدة الوطنية. «بعّو» عدونا التاريخي الشرير. حتى ارتبط اسم «بعّو» بشخصي وبامبراطهوريتي، فأصبحوا يطلقون عليّ اسم «الجنرال بعّو» وعلى «امبراطهوريتي» «امبراطهورية بعّو«.

أكدت ذلك تقارير المخبرين والعيون والبصّاصين المتكررة والمتطابقة من خلال تجسسهم على تهامس وتغامز المواطنين فيما بينهم وبما يكتبونه من «غرافيتي»، احتجاجا على جدران المراحيض. وفي كل الحالات، – ومهما يقال – فإنّي استثمرت نسبة «بعّو» إلى شخصي وإلى «امبراطهوريتي» بما تثيره من خوف ورعب في قلوب أبناء «شعبي» طيلة حكمي، وجنيت منه الكثير. وهكذا أنا دائما قنّاص فرص ماهر.

قاوم أيّها المبدع، وأكتب سيرتي الرّسمية للأجيال لتعرف حقيقة المأساة..

الديموقراطية أو «الديموخراطية»، «خرطي» كبير، ليست خيرا دائما والديكتاتورية ليست شرا دائما.

الديكتاتورية مشروع أمّة ومرحلة يستدعيها الشعب بنفسه وتستجيب للتطور التاريخي لبعض الشعوب.. ودونها لن يتقدم التاريخ ولن تتمطط الجغرافيا.

أوباما وبوتين وميركل لن يقدروا على حكم «شعبي»، وأنا لا أقدر على حكم شعوبهم. هذه هي الحقيقة المسكوت عنها.

هناك شعوب قابلة للديموقراطية، ومن رحمها يولد الحكام الديموقراطيون.

وهناك شعوب قابلة للديكتاتورية ومن رحمها يولد الديكتاتوريون.

اكتب.. اكتب.. يا ماركيز!

السيرة الرسمية لحضرة الجنرال «بعّو» ذياب الزغبي..

فارس الفرسان، القائد الملهم، زعيم الأمة المفدّى، السلطان الأعظم، الفاتح الكبير، حامل أوسمة الشرف، المجاهد الأكبر، رجل الاجماع…

أنا آخر بطرياك عربي «قومجي»، حكمت «الامبراطهورية» قرنا كاملا بحنكة وقبضة حديدية وسيف مسلول. وقفت ببسالة في وجه الفرنجة والصليبين والامبريالية والصهيونية وحاربت بلا هوادة الخونة والمخربين والرجعيين والمندسّين وأعداء الأمة والدين. جربت حكم الاشتراكية، وجربت حكم الليبرالية، وجربت الخلافة الاسلامية، أعلنت نفسي أمير المسلمين، وبايعني علماء الأزهر والزيتونة والقرويين والقدس والحرمين وقم وتمبكتو واسطنبول..

كنت رجل الأعمال الأول – وبلا فخر – في «الامبراطهورية»، تاجرت في كل شيء وبكل شيء. وأصبحت من أثرى الأثرياء ولا أحد استطاع أن ينافسني. ولا أحد استطاع أن يقدّر ثروتي. تاجرت في الخشب، «الخرداوات»، مواد التنظيف، الحليب، الموز، القهوة، الدواء، المواشي، النقال، الزيت، السميد، القنب الهندي، العرض، الحبوب الجافة، الخمور، التمور، القمح، الشعير، «الخرطال»، «النخالة»، الأعضاء البشرية، العطور، الملابس النسائية، النفط، الذهب، المرجان، الموز، العقارات، رمال البحر… استعملت في تجارتي سجلات تجارية لأقاربي وحاشيتي، وعشيرتي، ولبطالين ومعوّقين وموتى. حتى لا أثير أية شبهة. كل شركة تريد الاستثمار في «امبراطهوريتي» تعرف قواعد اللعبة تدفع إتاوة وإلّا لن يرخص لنشاطها، وإذا كانت شركة أجنبية جادة تدرّ مالا وفيرًا أفرض عليها شراكة مقابل حمايتها من المنافسين.

اشتريت ذمم الفاتحين والمجاهدين بالخمارات والمراقص والقروض ورخص النقل لأنزع عنهم هالة القداسة، وأوقف أي تفاخر أو تنابز بالتاريخ، ليصبحوا تجارا كل مشاكلهم مع الضرائب وليس مع الدولة.

ولكني بقيت مغمورًا.. تناساني المؤرخون ولم يحفل بي الروائيون العرب من ابن المقفع والجاحظ إلى نجيب محفوظ والطاهر وطار. وها أنا أقضي الأيام، أو الساعات الأخيرة من عمري على كرسي متحرك، وأرفض أن أموت على الفراش موتا روتينيا لا يليق بمقامي. أفضل أن أموت راكبا على حصاني الآلي الجديد مسترجعا حروبي وأمجادي وأساطيري وخرافاتي، في التبت والبلقان والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا وأدغالها وشبه جزيرة إيبيريا ونورماندي. لأموت موتة الفرسان الأبطال والقادة العظماء والجنرالات البواسل، الموشحة صدورهم بالأوسمة والنياشين والشامخة رؤوسهم وأنوفهم بالإنتصارات والأمجاد.

قاوم المرض والشيخوخة والخرف يا ماركيز العزيز، وأكتب بضميري وبرؤيتي، أنا حضرة الجنرال ذياب الزغبي، وليس بضميرك ورؤيتك أنت. فقد قلت ما عندك عن الديكتاتوريات وعرّضت بها وسخرت منها.. والآن تجرد من أناك ونرجسيتك وإيديولوجيتك وحاول أن تفهم أكثر نفسية الديكتاتور من الداخل كما يبوح لك بها، لا أن تحكم عليه من تلقاء نفسك. وتصبغ عليه ما يحلو لك من صفات ونعوت لتحقره وتسفهه وتشمت به.

الديكتاتور هو الآخر إنسان يحب ويكره ويخاف، ومصاب برهاب خوف ما، وهو ضحية غالبا وليس جلادا دائما..

الكتابة تقاوم الزمن والزوابع وغبار النسيان..

سجّلْ يا ماركيز! شهادتي للتاريخ وللأجيال، قبل أن تطلع روحي وروحك، ما لم يسجله المؤرخون والروائيون العرب قديمهم وحديثهم وما بعد حداثة غيرهم».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …