الإثنين، 21 سبتمبر 2020

تباشير الموسم الجديد.. سِيَر ونقد وحبّ

بدءًا من الشّهر القادم، سيشرع القارئ في تصفّح أعمال أدبية جديدة، ويطلّع على باكورات مبدعين، يُصدرون، لأول مرّة، روايات لهم، كما سيجد في انتظاره كتابات نقدية، وأخرى شعرية، بالإضافة إلى أعمال مقتبسة من تجارب شخصية.. هنالك، بالتالي، تنوّع في مشهد أدبي، يتّسع بمبدعيه، ويضيق، بقلّة المساحات المتاحة لهم للترويج لأعمالهم، ففي الجزائر، نلاحظ، منذ سنوات، تزايدًا في أعداد الإصدارات، وتناقصًا، لافتًا، في الفضاءات التي تمنح حيّز للأصوات الجديدة، وقلّة جدًا، من مكتبيين وإعلاميين، صارت تراهن على المبدعين والنّقاد الجدد، الذين يجدون مشقّة في التواصل مع قارئ، لم يخيبوا ظنّه سلفًا.. وفيما يلي، خمسة أسماء تحمل في نصوصها كثيرًا من الفصول التي من شأنها أن تعيد مصالحة القارئ مع الأدب.

«أربعمائة متر فوق مستوى الوعي» لمحمد بن جبار

محمد بن جبار يكتب مثلما يُفكّر، ينتقل من الواقع إلى الخيال من دون واسطة، يجعل من الأشخاص، الذين يُصادفهم، كلّ يوم، شخصيات ورقية، يلعب بمصائرهم، يحرّك حيواتهم، ويضعهم في مواجهة مسالك لم يتعوّدوا عليها، ليخرج في النّهاية بروايته الأولى «أربعمائة متر فوق مستوى الوعي»(دار الأمل)، التي أراد لها توصيفا ثانويًا: «رواية بيبليوغرافيا». في الرواية نفسها، يتورّط المؤلف في سرد كثير من تفاصيل الرتابـة الوظيفيـة والحياتية التي تعيشها شخصية «عوّاد»، الذي يكرّر، بشكل آلي، من حوالي ربع قرن، الأشياء نفسها،  قبل أن يلتقي ﺑ«وردية»، ليكتشف معها أفقًا جديدًا للعالم وللذّات، فالليلة التي سيقضيها مع ورديـة ستجعله ينتبه للعالــم من حولــه وينتبه لذاته الغائبــة في خضــم الروتين اليومي القاتل.

تتعدّد الشّخصيات في «أربعمائة متر فوق مستوى الوعي» لتحكي قصصا من الهامش، عن القاع اللامرئي، عن نقد يوميات شاقّة في بلد يزدحم بالتناقضات وبالبطولات المزيّفة، ويتقاطع فيها التّاريخ العام بالتّاريخ الذّاتي للشّخصيات.

«الموت في زمن هشّ» لمحمد رفيق طيبي

واحد من اكتشافات، هذا العام، اسمه محمد رفيق طيبي، الذي يكتب ليُخبر القارئ بنظرته الذّاتية للعالم، لا يهمّه إن كانت نظرته للأشياء صائبة أم لا، بل يهمه أن يكتب النصّ الذي يشعر به، أن يكتب عن قناعاته، التي قد تتقاطع مع قناعات آخرين، وهكذا تأتي روايته «الموت في زمن هشّ»(دار فيسيرا)، التي تنطلق من الجزائر لقراءة ما يحصل خارج الجزائر، وملامسة أوجه ما يُسمى ﺑ «الرّبيع العربي».

الرواية تنفتح على قصّة حبّ، بين طالب وأستاذته، بين عبد الوارث وهيام، يعبران معًا جدار الكليشيهات، وتتطوّر علاقتهما من حبّ إلى شبق، ثم تتواصل الحكاية في سرد خيبات نخبة جزائرية، راحت ضحية سنوات التسعينيات، ويستعيد المؤلف أسماء صحافيين دفعوا ثمن الآلة الهمجية، ورغم أن الرواية تدور، في جزء كبير منها، في الجامعة، فهذا لا يمنع من خروج الشخصيات إلى الخارج، لسرد قصص أناس عاديين، واستحضار تجارب من رحل منهم، وهذه الرّواية هي الثّانية في رصيد محمد رفيق طيبي، بعد كتاب أول بعنوان «عاصفة العاطفة»(2013).

«الغرفة 102.. سيرة أبي» للميس سعيدي

اليوم، تمرّ سنة على رحيل الكاتب والصّحافي محمد سعيدي(1934-2014)، ذكرى تتزامن مع صدور «الغرفة 102.. سيرة أبي» لابنته لميس سعيدي. كتاب في رثاء ومديح الأب، تستعيد فيه الكاتبة بعضا من سيرته، وعلاقتها به، وتحكي لحظات ولقطات من حياته، في كتاب حميم، تضمّن نصوصا مكثّفة.

عرف القارئ لميس سعيدي كشاعرة، مع مجموعتين شعريتين: «نسيت حقيبتي ككلّ مرّة»، ثم«إلى السينما»، ليجدها، مرّة أخرى، في تجربة سردية، تستلهم مادّتها من الشّعر ومن ذاكرة الآباء الإنسانية. ومن أجواء الكتاب(الصّادر عن دار العين)، نقرأ: «ارتبطت فكرة الموت عند والدي بالتوقف عن القراءة واكتساب المعرفة، وربما رحل سريعا حين أصبح عاجزا عن حمل كتاب. على الطاولة المحاذية لسريره في المستشفى، ثلاثة كتب: كتاب نقد باللغة الروسية عن شاعره الأثير “ألكسندر بلوك”، كتاب باللغة الفرنسية عن تاريخ الغرب، والقرآن الكريم.

بعد رحلتي إلى طليطلة مكثت يومين في مدريد كانا من أجمل الأوقات التي أتذكّرها في زمني القصير والمكرّر. اتّصلت به لأخبره أنني سأتأخر، انتظرني بصبر وقوّة واستقبلني بفرح نادر. كنت أعرف أنني ذاهبة لوداعه، وكان عليّ أن أستعدّ لذلك بسلام المحبة والشِعر، وبثقة نادرة أيضا في الحياة».

«مباهج الحيرة» لمحمد الأمين سعيدي

الإصدارات النقدية تراجعت، قليلا، في السنوات الماضية، وبات الباحث، لا يجد كثيرًا من الأشياء المقنعة، لكن ظهور جيل جديد من الدّارسين، والنّقاد الشّباب سيساهم، ربما، في تحريك المشهد، وتقديم بديل، وفي هذا المسعى يأتي كتاب «مباهج الحيرة» لمحمد الأمين سعيدي.

بدأ محمد الأمين سعيدي النشر مبكرًا، مع باكورته الشّعرية «أنا يا أنت»(2008)، واستمر في تجربته مع مجموعتي: «ضجيج في الجسد المنسي»(2009) و«ماء لهذا القلق الرملي»(2011)، لينتقل إلى النّقد، مع كتاب «شعرية المفارقة في القصيدة الجزائرية المعاصرة»(2013)، ثم كتبه الجديد، الذي صدر عن دار الألمعية.

الكتاب نفسه عبارة عن مقالات نشرَها المؤلف، في السنوات الأخيرة، في جرائد ومجلات جزائرية وعربية. مقالات تتعدّد موضوعاتها وإنْ كان الغالب عليها موضوع الأدب والثقافة ونقد السّائد ومتابعة ما ينشر من إبداعات جزائرية ومناقشة كثير من الشؤون التي تعنى بها الساحة الثقافية المحلية خاصة.

الأميرة الموريسكية بأعين لونيس بن علي

من الصّعب الإحاطة بتجربة محمد ديب الروائية، والجزم بإمكانية قراءة ما تركه من أعمال قراءة كافية، فقد تميّزت تجربته بثراء في الإصدارات، وطفرات في التيمات وفي الأسلوب، مع ذلك، يأتي كتاب «الفضاء السّردي في الرواية، رواية الأميرة الموريسكية لمحمد ديب نموذجًا» للنّاقد لونيس بن علي، في وقت مناسب، ليعيد القارئ إلى عوالم ديب، ويقدّم له مقاربة بنيوية سردية، في واحدة من الروايات، التي كتبها ديب، في المرحلة الأخيرة من تجربته، وصدرت عام 1994.

تصوّر الرواية شخصية ليلي بيل، وهي من أمّ فرنسية وأب جزائرية، وتنتقل فصولها، في فضاءات متباينة، من الشّمال البارد إلى دفء الصّحراء، رواية تستكشف زوايا المنفى، ويقارب كتاب لونيس بن علي(الصّادر عن منشورات الاختلاف)، تيمتين منها: هما الزمان والمكان، ليحاول الاقتراب من مسألة المنفى، التي رافقت الروائي محمد ديب(1920-2003)، في كثير من أعماله التي تلت مرحلة ما بعد الاستقلال. وللتذكير، فقد سبق للونيس بن علي أن أصدر «مقامات التروبادور» و«لذّة الكتابة».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …