السبت، 24 أغسطس 2019

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

سامية بن عكوش

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم معالم هوّيات. وتسهم السّياسة في تحديد نوعية العلاقة بين الجغرافيا والثقافة، فإما أن تكون علاقة انسجام؛ حيث تقرّ دساتير بعض الدوّل بالتعدّد الثقافيّ واللّسانيّ، وذلك في الأنظمة الديمقراطية. وإما أن تكون علاقة تناقض وتنافر، حيث تتنكّر دساتير بعض الدوّل للتعدّد الثقافيّ واللّسانيّ لشعب ما، ويحدث ذلك في الأنظمة الأحادية الشمولية.

في الحالة الأولى، يتحطّم جدار الفصل العنصريّ بين مكوّنات السّلطة. ففي أعلى تتوزّع الصلاحيات وتتقاسم المهام، بين مختلف الفاعلين السياسيين، فتقلّص صلاحيات الرّئيس الذي قد يصبح مجرد أيقونة فخر ليس إلاّ. وفي أسفل سلم السّلطة، المجتمع، يتحطّم جدار الفصل العنصريّ بين أفراد المجتمع، من خلال تطبيق المساواة بين أفراد المجتمع الواحد، ورعاية الحقوق بقوة القانون.

أما في الحالة الثّانية، فتنشأ أنظمة هرمية، فإذا اتّجهت إلى أسفل الهرم، عثرت على قاعدة متأسّسة على ثنائيات ضدّية «حاكم/ محكوم»، «سيّد/ عبد»، «متعلّم/ غير متعلّم»، «رجل/ امرأة»، وإذا توجّهت إلى قمّة الهرم عثرت على رأس واحدة مدبّرة، تتجلى في الرّئيس، الإله البشريّ صاحب الصلاحيات المطلقة.

تقرّ الأنظمة الديمقراطية التعدّدية بهجنة الهوّيات وتعددية الثقافات، بينما تنغلّق الأنظمة الأحادية على هوّية واحدة، تعتقدها نقّية صافية، فتنتهج الأنظمة الديمقراطية التعددية سياسة واقعية في جغرافيا واقعية، بينما تهرب الأنظمة الأحادية من واقعها لترسم جغرافيا متخيّلة حسب مصطلح إدوارد سعيد. وفي هذا الحيّز من الجغرافيا المتخيّلة تحدث الصراعات والتجاذبات بين الهوّيات والثقافات. فماهي إحداثيات الجغرافيا الجزائرية؟ وما نوع العلاقة التي نسجتها السّياسة بين الجغرافيا المسمّاة الجزائر والثقافات المتواجدة بها؟ وهل بالإمكان أفضل مما كان؟

إذا تأمّلنا الجزائر من خلال واقعها الجغرافيّ والثقافيّ، حكمنا عليها بالتعدّد. وإذا تأمّلنا الجزائر في من خلال تاريخها السّياسيّ، في علاقة السّياسة بالثقافة، حكمنا عليها بالجغرافيا المتخيّلة. لنتأمّلها بعيون الواقع بعيدًا عن مقاصد السياسية.

تعتبر الجزائر في واقعها الجغرافيّ قارة عظيمة شّاسعة المساحة، فهي الأولى إفريقيا، بعد تقسيم السّودان(2011). ويتعدّد الانتماء الجغرافيّ للجزائر أيضا؛ فهي عروس البحر المتوسط، بشريط ساحليّ يقدّر بأكثر من 1200 كلم مثلما تعلّمنا في المدرسة، أو ربما 1400 كلم مثلما يقرّ به بعض الخبراء المعاصرين. كما أنّ الجزائر بوابة نحو إفريقيا العميقة. كما تعتبر الجزائر قلب المغرب الكبير ووسطه، بكلّ معاني العدل والتوازن التي توحي بها كلمة «وسط». وتتبوّأ مركز العبور من الغرب إلى المشرق العربيّ. وإنّ جغرافيا البلد متعدّدة أيضا من حيث التنوّع الترابيّ، بل هي متنوّعة حتى مناخيّا في الفصل الواحد. ففي الجزائر فقط تستطيع أن تستمتع بالفصول الأربعة مجتمعة في فصل واحد؛ فإن توجّهت شمالا إلى أعالي تيكجدة بالبويرة، استقبلتك الشّتاء في أعالي الجبال الثلجيّة، وإن عرّجت نحو الهضاب قليلا، استفزّت فيك حقول الهضاب نشوة الربيع، وإذا سافرت عميقا في الصّحراء، قابلك الهقار كإله قارٍّ، يوزّع لفحات الشّمس الحارقة، يعلن قدومك إلى قلب الصيف. وإنّ التعدّد سمّة محتويات هذه الجغرافيا، فالجزائر هي الحيّز الجغرافيّ الوحيد الذي غذّته الصدف بالثروات حدّ التخمة، من تنوّع ترابيّ وتعدّد ثرواتيّ: البترول والغاز والذّهب والنّحاس والحديد والفوسفات، المرجان، السّمك/ وما بقي تحت الأرض مطمورًا أعظم.

ويروي تاريخ الجزائر الطويل، منذ الأمازيغ إلى ما بعد الاستقلال، هذا التعدّد الثقافيّ المتناغم مع التعدّد الجغرافيّ. فقد عبرت هذه القارة ثقافات متعدّدة، كلّ ثقافات حوض المتوسط، وكان السّكان الأصليون، الأمازيغ في تماس دوما مع ثقافات وافدة وأخرى راحلة، مع ثقافات الرومان والبيزنطيين والوندال والإسبان والعثمانيين والمسلمين والفرنسيين. فمن المنطقيّ أن يرسم هذا التوافد آثاره على الحجر والشّجر والبشر، ومن المنطقيّ أن يرسم هذا التوافد آثاره في شكلين أساسين من النّظام الرّمزيّ لهذا المزيج: اللّغة والدّين. فقد اعتنق الأمازيغ كلّ الديانات، اليهودية والمسيحية والإسلام.

في الجزائر.. تعدّد ثقافي وأحادية سياسية

واقع الجزائر إذن متعدّد جغرافيا وثقافيا، ويتكلّم الأمازيغيّ داخل هذا الحيّز الجغرافيّ، الأمازيغية بكلّ لهجاتها المتعدّدة: القبائلية والشاوية والشلحية والميزابية والترقية، إلخ. كما يتكلّم العربيّ العربية بكلّ لهجاتها المتعدّدة:  العاصمية والقسنطينية والتبسية والوهرانية والنايلية والصحراوية، إلخ. لسان الجزائريّ يتحدّث التعدّد، وتاريخه يروي التعدّد الثقافيّ والتنوّع اللّسانيّ. فماذا صنعت السّياسة من هذا التعدّد؟

كانت الجزائر غداة الاستقلال(1962) أمام فرصة تاريخية لبناء دولة متعدّدة الألسنة ومتنوعة الثقافات وحامية للأديان كلّها، تماشيا مع واقعها المتعدّد، واحتذاءا بدول غربية وحتى شرقية نجحت في النّهج التعدّدي، على غرار الهند مثلاً. كانت الجزائر أمام فرصة لتقديم نموذج ناصع في البحر الأبيض المتوسط لتسامح الأديان وتحاور الثقافات، كما حلم بذلك سانت أوغستين وألبير كامو وجاك دريدا. باختصار كانت الجزائر أمام فرصة تاريخية عظيمة لتجسيد دولة تنسجم فيها الجغرافيا مع الثقافة.

كانت الجزائر غداة الاستقلال أمام نموذجين اثنين للدولة: النّموذج القوميّ الذي تبنّته دول المشرق العربيّ في مقدّمتها مصر بقيادة جمال عبد النّاصر؛ والنّموذج الغربيّ الديمقراطيّ اللّبيراليّ، ومثاله فرنسا المستعمِرة. فاختارت الجزائر النّموذج العربيّ القوميّ، لأسباب سياسية بالأساس. لأنّ النّخبة الحاكمة لجزائر ما بعد الاستقلال، تشبّعت بالأفكار القومية العربية، ونقصد الرّئيسين أحمد بن بلّة وهواري بومدين. فالأوّل تربى في مدرسة جمال عبد النّاصر، وتشبّع بأفكار القومية والوحدة العربية مذ كان ممثلا عن جبهة التحرير الوطنيّ بالقاهرة، فترة الاستعمار الفرنسيّ. وقد جسّد دستور الاستقلال سنة 1963 جمهورية جزائرية أحادية الحزب، ورسّمت اللّغة العربية كلغة واحدة وأحادية للجزائر، والإسلام دين الدولة. والتزم خليفة بن بلّة، هواري بومدين بالنّصوص الأساسية لدستور 1963، فيما يخصّ الطّابع السياسيّ للدولة الجزائرية وهويتها، مع إضافة بعض التعديلات في الشقّ الاقتصاديّ. وانطلقت الجزائر في مشروع تعريب مؤسساتها التعليمية، برعاية سياسية من أحمد طالب الإبراهيميّ وبغطّاء فكريّ من الكاتب مولود بلقاسم نايت بلقاسم. وقد دعمّت هذا النّهج ظروف اجتماعية، فمن جهة منعت العلّل المنتشرة في المجتمع الجزائريّ، الأمّية والفقر والمرض، من تطبيق الرأسمالية في الشقّ الاقتصاديّ، لأنّ شرائح كثيرة احتاجت إلى معونات اجتماعية، في الصّحة والتّعليم والسّكن، ومن جهة أخرى، أثار هذا النّموذج الغربيّ صوّرا سلبية في مخيال المجتمع الجزائريّ، باعتباره موروث فرنسا الاستعمارية.

تخندق داخل نموذج أحادي

صنعت الجزائر المستقلّة إذن نموذجا أحاديًا هوويا وثقافيًا، على غرار معظم الدول العربية التي خرجت من فترة الاستعمار. ومشت البلاد بخطى ثابتة لتجسيد نظام جمهوريّ بحزب واحد، حزب جبهة التحرير الوطنيّ الحاكم (FLN). واستطاع هذا الحزب أن يضفي على نفسه الشرعية عن طريق المشروعية الثورية، بضمّه في صفوفه مجاهدين مؤمنين بالتوجّه القوميّ. وككلّ الأنظمة الأحادية فقد صنع النّظام ثقافة رسمية، يدعمّها ويؤثّر فيها، ليخلع على نفسه المشروعية الثقافية والفكرية، بعدما فرض المشروعية السّياسية. فكانت الثقافة الرّسمية: الثقافة العربية، وتجلّت في معظم كتاب العربية ذوي التوجّه العروبيّ، على رأسهم: مولود بلقاسم نايت بلقاسم، المنظّر الأكبر والمفكر الأبرز في مشروع التعريب. وفي الوقت نفسه استبعد هذا النّظام ثقافة أخرى أو ثقافات أخرى، وكانت الثقافة الأمازيغية هي الثقافة الأكثر عرضة للنّبذ والتهميش في تلك الفترة. وفي خضم هذا الوضع، حصل التناقض بين واقع الجزائر المتنوّع الألسنة والمتعدّد الثقافات؛ وبين دستورها الرسميّ الذي يقرّ بهوّية أحادية واحدية: الهوية العربية الإسلامية. وبالتالي، حصل الشّرخ بين الجغرافيا والثقافة، فنشأت جزائر أقرب إلى ما يسمّيه إدوارد سعيد «الجغرافيا المتخيّلة». جزائر تنتصر لمكوّن هوويّ على حساب مكوّنات أخرى، تدعّم ثقافة رسمية وتهمّش في الوقت ذاته ثقافات أخرى.

وطبيعيّ أن يصنع هذا النّظام الشموليّ ثنائيات ضدّية، تتصارع لاكتساب الشّرعية، «الفرنكوفونيون/ عروبيون»، «أمازيغ/ العرب»، «إسلامويون/ شيوعيون». ويكشف هذا الصراع عن الفكر الأحاديّ الذي عشعش طويلا في جزائر ما بعد الاستقلال. وكان ينذر بانفجار الصراعات في أيّ لحظة تأزّم.

مولود معمري

ونتيجة هذا الوضع المغلق، تبلورت حركات ثقافية لمقاومة النّسيان والإقصاء، جسّدتها الحركة الأمازيغية عبر نضالها الطويل، ولعل أهمّ لحظاته التاريخية: 1980، 2001 و2003. ففي1980، حدثت أوّل مواجهة تاريخية بين ممثلي الحركة الأمازيغية وقوات الأمن ألجزائرية، إثر منع الكاتب الأمازيغيّ مولود معمريّ(1917-1989) من إلقاء محاضرة حول «الشّعر القبائليّ القديم»، في جامعة تيزي وزو، فانطلقت حركة احتجاجية واسعة، اعتقل الأمن على إثرها عدد كبير من مناضلي الحركة الأمازيغية. وفي 2001، أشعل مقتل الشّاب قرماح ماسينيسا، داخل قسم للدرك الوطنيّ، بقرية آث دوالا بتيزي وزو، فتيل المواجهات مرّة أخرى، بين سكان منطقة القبائل وقوات الأمن، أسفرت عن قتلى وجرحى. فاجتمع حكماء المنطقة فيما يسمى بحركة لعروش، الممثلة لمنطقة القبائل، وأجمعوا على مطالب سياسية وثقافية واجتماعية، من أهمّها: الاعتراف باللّغة الأمازيغية، بصفة رسمية، ومعاقبة المتسبّبين في الأزمة، وتنمية منطقة القبائل اقتصاديًا، وهو ما لخصته بنود خريطة الطريق للقصر (la plateforme d’El-Kseur). وكلّلت الحركات الاحتجاجية المتواصلة بقيادة حركة لعروش بالحوار السّياسيّ بين هذه الحركة والسّلطة الجزائرية، أعلن بعدها الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة عن دسترة اللّغة الأمازيغية كلغة وطنية، في 8 أفريل 2002. ثمّ تلتها خطوة إدراج الأمازيغية في سلك التعليم في بعض مناطق الوطن. لكن هذه الخطوة الشّجاعة، كانت فرصة للصراع مرة أخرى، بين الفرانكفونيين والعروبيين: بأيّ حرف تُدرّس الأمازيغية؟ بالحرف العربيّ أم اللاتينيّ أم بحروف تيفيناغ؟ وكثيرا ما غطّت هذه المسألة التقنية على نقاشات أهمّ: كيف تسهم الدولة الجزائرية في ترقية اللّغة الأمازيغية؟ وماهي الوسائل الكفيلة بذلك؟ وماهي الأطر المعرفية الكفيلة بتحقيق التحاور والتعايش والتبادل بين الأمازيغية والعربية؟ وكيف نصنع إمكانا ثالثا للتضايف بين كلّ مكوّنات المجتمع الجزائريّ، بدل الصراع المعلن وغير المعلن بينها؟ بل كيف ننفلت من عقال الجغرافيا المتخيّلة التي اعتقلنا فيها لسنوات؟

كيف نساهم في ترقية تعليم الأمازيغية؟

يحتاج صانعو القرار في الجزائر الرّاهنة إلى شجاعة سياسية، وإلى جرأة تاريخية في ترسيم اللّغة الأمازيغية بعد دسترتها، لتكون المكوّن الأساسيّ للهوّية الجزائرية، جنبًا إلى جنب مع العربية. وإنّ مثل هذا القرار يعتبر خطوة استباقية لسدّ الباب أمام دعاة تقسيم الجزائر. وإنّ مثل هذا القرار يسمح للبلاد أن تنعتق من أسر الجغرافيا المتخيّلة التي أقامت فيها منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. وإنّ هذا القرار يسمح بمصالحة الجغرافيا والثقافة. بل يسمح بمصالحة اسم الجزائر مع مدلولاته الإيجابية. فالجزائر جمع جزيرة، والجزائر مجموعة جزر يجمعها البحر الواحد. كلنا في البحر ماء، وكلّنا – عرب وأمازيغ ويهود ومسيحيين – في هذا المدى الجغرافيّ الواسع جزائريون. فهل ستخدم السّياسة الثقافة، بينما كانت الثانية السّادن الأمين للأولى منذ الاستقلال؟

إنّ الكتابة هي فنّ الممكن، أما السّياسة فهي فنّ الحسم. فإذا حسم الدستور القادم في هوّية الجزائر، عبر ترسيم اللّغة الأمازيغية، وتنصيص واضح لحقوق الأقلّيات العرقية الأخرى؛ فيكون صنّاع القرار قد خفضوا مشكلا هوويا أساسيا، وقد يساعد ذلك في تجميع الإرادات الوطنية لمواجهة مشكل حيويّ: الأزمة الاقتصادية. وإنّ أيّ تغطّية سياسية على المشكل الهوويّ، سيشتّت الإرادات في مواجهة المشكل الحيويّ.

في حالة فشل السّياسة في حسم مسألة الثقافة والهوية في الجزائر، ستطلّ علينا نبوءة الرّوائيّ بوعلام صنصال، «سنكون وجبة غذاء سهلة لقروش المتوسط»؛ أو لنقلها بتعبير بوعلام صنصال الصّريح والصّادم: «الجزائر سيأكلها بوبي!».

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 – (ج1)

إنّ طبيعة الأسئلة التي يطرحها أيّ مجتمع أمام مشكل ما، ليكن مشكل البطالة مثلاً، تحدّد …

الثقافة بصيغة الجمع

  تتعرّض المفاهيم في مجالات الفكر المختلفة للانكماش بعد الاتّساع. لنأخذ مثلاً مفهوم البلاغة، الذي …