الخميس، 18 يوليو 2019

مريام الحاج ﻟ«نفحة»: حان وقت نهاية «الهُدنة»

المخرجة اللبنانية مريام الحاج

«هُدنة» هو أول فيلم وثائقي طويل، للمخرجة اللبنانية الشّابة مريام الحاج، عُرض، مؤخرًا، في لقاءات بجاية السينمائية.

الفيلم صوّر بين 2013 و2014، مع أفراد من عائلتها، «عائلة من اليمين»، كما تقول مريام، مستعينة بالتعريف الفرنسي، وهي التي عاشت ودرست واشتغلت لفترة من الوقت في فرنسا.

أفراد هذه العائلة، أو عمّها رياض بشكل خاصّ (بما أنه الشخصية المحورية)، شارك في الحرب الأهلية اللبنانية كمئات الآلاف من اللبنانيين الآخرين، تتبعه مريام بين متجر أسلحة الصيد الذي يعمل فيه والحقول التي يخرج إليها مع أصحابه للصيد.

بعد عرض الفيلم بسينماتيك بجاية، التقت مجلة «نفحة» المخرجة، في ساحة أول نوفمبر، للحديث معها عن الفيلم، عن لبنان، عن الحرب في الجزائر وفي لبنان، وأيضا للحديث عما يحدُث اليوم في الشارع اللبناني، حيث تصرّ مريام على تسمية ما يقع ﺒ «ثورة» جيلها.

يبدأ الفيلم من مصنعٍ للأسلحة، تفاصيل ميكانيكية كثيرة يتابعها المشاهد، قبل أن يدخل العمّ رياض، الرجل الستيني ليراقب الآلات وهو يدندن لحناً يرافقه طيلة الفيلم، والذي سنعود معه لمحلّه القريب من منطقة الأشرفية ببيروت، حيث يبيع لوازم وأسلحة صيد.

«الفيلم بدأ معهم كفيلم عن الصيد، وعن الوقت العاطل الذي يقضونه، عمّي وأصحابه، لم أرِد أن أقول لهم أني سأصوّر عن الحرب الأهلية كما عاشوها…». يحكي رياض عن والده صعب المراس، زواجه الذي تمّ بالسّر، حبّه لزوجته، انطفاء الشغف وتلاشي الحُب، يدور في دوائر ككلبته «ميرا» (الحضور الأنثوي الوحيد في الفيلم إلى جانب المخرجة)، قبل أن يسقُط في الفخ: الحرب الأهلية. لكنه وللصدفة لا يسميها حربًا، بل كباقي أناس جيله يسميها: الأحداث.

حتى بعد 25 سنة من القتل والأهوال ما يزال يسميها ﺒ «الأحداث». تقول مريام:«هم لم يتقبلوا الأمر منذ البداية، واستمروا في ذلك. يسمونها الأحداث لأن كلمة الحرب مخيفة». وترافقهم إلى الصّيد، حيث نشاهد كادرات كبيرة لهم وهم يطلقون الطيور من أقفاصها ثم يطلقون النار، لكن إماّ الطيور لا تطير أصلاً أو لا يصيبونها… الصّيد أيضا لم يعُد ممتعاً بعد الحرب.

من الفيلم

يتحوّل مسار الحكاية، يصير كلام رياض كلّه عن الحرب/الأحداث، يقول لها أنّ كل الملل الذي يعيشه اليوم هو بسبب هذا الوقت العاطل… أو الهُدنة كما تسميها مريام. «في الحرب يكون الواحد عنده رغبة بالحياة» يقول رياض بحنين للأيام السابقة. هو وأصحابه يقولون للمخرجة أنهم لما كانوا في قمّة مجدهم، كانوا يفتحون الشارع ويغلقونه ساعة يشاءون، وفي لقطة عبثية ومعبّرة تنجحُ عينُ مريام الحاج في التقاطها، نرى رياض وأصحابه جالسين على الرصيف.. هكذا على الجانب أمام المحل، والحياة تعبر والناس وهم على الطرف، فيحمل أحدهم بندقية صيد ويراهن صاحبه على أنه سيصيب الهدف… وهكذا وسط الشارع والأطفال يلعبون يُطلق النار على خشبة. هذه اللقطات لا تنفك تتكرّر، كهولٌ يُحسون بالضّجر والممل، يهربون من بيوتهم ونساءهم، ويشتاقون إلى الحرب، لكن أجسادهم لا تسمح لهم، ولا حرب قريبة في الأفق.

نشاهد أيضا العم رياض ينش الذباب بآلة كهربائية وصديقه يملأ خراطيش الرّصاص أمامه، وعندما يصرخ عليه الأخير أن يُحاذر… لا يأبه. تقول مريام: «لقد فقدوا الإحساس بالخطر».

هنا نسأل أنفسنا ماذا تفعل مريام الحاج مع هؤلاء المحاربين القدامى الضجرين؟ بل كيف قبلوا وجودها هي من دون النساء؟ عندما نسمع صوتها وهي تسألهم، أو بالأحرى تطلب منهم أن يعيدوا رواية حكاياتهم عن الحرب، أمام عين الكاميرا، حكايات قد سمعتها هي (طفلة الحرب) مئات المرات، صوتها وهي تسألهم… وصلاتها المفاجئة في الفيلم… لبسها حتى، مثل المشهد الذي نراها فيه تلبس قميصاً وردياً… وحديث عمّها رياض معها وعنها، نفهم أنهم يرونها طفلة صغيرة لا تزال، ابنة أخ جاءت تلعب في المحل، حيث تقول: «وضعية الكاميرا في المحل الضّيق كانت حيث كنت أجلس دائما لسماعهم». أو عندما يريد أحد الأصدقاء أن يجد لها عريساً فيقول العم في البداية أنها حرّة، لكنه يعود ويعلّق على خيار العريس بالقول إنّه غير مناسبٍ لها.

لكن حكايات العمّ رياض عن أمجاد الحرب وخيباتها لا تستمرّ طويلاً في المسار الذي يحدّده هو، ففي واحد من أهم مشاهد الفيلم يجلس العم رياض مع والد المخرجة، وظهرهما إلى فترينة زجاجية للاسلحة، تقابلهم مريام بالكاميرا، حيث نرى انعكاس ظلّها على الزجاج، يحدّثها عن صبرا وشاتيلا وما حدث، بينما ينزعج والدها من الحديث ويريد أن يقاطعه، يقول لأخيه أن الكلام سيعرض «بالخارج»، ثم إنه ما من جدوى في حكايات كهذه، نحسّ أنّه لا يريد لابنته، والتي لا يزال يظن أنّها لا تفهم شيئاً في السياسة، أن تتورّط في سماع حكايات عن القتل والدّم، لكن في لحظة معيّنة تنزع مريام الحاج قناع الطفلة الذي جعلتهم بفضله يتكلمون، لتقول أنّها لا تملك الرأي نفسه فيما يخصّ القضية الفلسطينية ومجزرة صبرا وشاتيلا. تتكلّم المرأة أخيراً، تحكي عن قناعاتها السياسية، والتي يقابلها العم رياض ببرود كعادته تجاه كل شيء، إلاّ ربما عصبيته مع الكلبة «ميرا» التي تمتصّ كل التوتر في المحل بتمسيحه على ظهرها، وصراخه الدائم عليها. نرى في هذه اللقطة الفاصلة في الفيلم عبور مريام إلى الضّفة الأخرى، شبحها المنعكس على الزجاج يترُك جماعة المحاربين القدامى الضجرين.

المخرجة بعد عرض الفيلم في بجاية

«يا تدخل السّلطة، تهاجر، تموت أو تنسحب من المشهد وتقضي حياتك ضجراً»، هكذا تتحدّث مريام بتصرّف عما حدث لجيل الحرب، وعن وقتهم العاطل. «لهذه الأسباب ولأخرى نزلنا للشارع» تضيف. وعندما أبيّن لها المفارقة بين جيل قام بحرب لكنّه يسميها «الأحداث»، وجيلهم الذي يحتجّ منذ أسابيع لكنهم وآخرون لا يتورعون في تسميتها بالـ«ثورة»، تجيب مريام أنّه يجب استباق الأمور بعض الأحيان، الكل كرّه من أمراء الحرب اللذين استولوا على السّلطة مباشرة بعد نهايتها. «ربما المواجهات ستكون عنيفة أكثر في المستقبل ولكن علينا أن نداوم على النزول» تصرّح. ربما هنا، بربط فيلمها الذي يقترب (من زاويتها الخاصة) من فترة تاريخية للبنان، وبين ما يحدث اليوم مع جيلها نفهم معنى العنوان: «هدنة»!كل ذلك الوقت العاطل الذي اضظر أهاليهم أن يقضوه كهُدنة في انتظار تحرّك جديد، لا يريدونه (أي جيلها) مرّة ثانية، يريدون أن يضعوا حداً للهُدنة التي طالت…

في نهاية الفيلم يطلّ العم رياض مع صديقة على البحر، يبدو وكأنهما فقدا الأمل في اقناع «الطّفلة»، يحسّان بالضجر أكثر، وتتطوّر الدندنة أكثر لتصير غناءاً، يغنيان لها لترجع، لتعود بعد أن اجتازت (وجيلها) الشّارع… لا يريدونه مغلقاً بمتاريس ولا يريدون الجلوس ضجرين، يلعبون بالسلاح… يغني الشيخان لترجع الفتاة: «مريم مريمتي… عيني مريما… القلب مجروح… بدّه مرهما».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …