الخميس، 29 أكتوبر 2020

شباب الأدب في الواجهة.. قصص وروايات وفانتازيا

مع بداية كلّ سبتمبر، يبدأ العدّ التّنازلي لمعرض الجزائر الدّولي للكتاب، ومعه تبدأ أحدث الإصدارات، في الظّهور على السّطح، وككلّ بداية خريف، يبدأ القارئ في التّعرف على أعمال كُتّاب مكرّسين، وكثيرًا ما يغيب عن ذهنه متابعة أعمال الكُتّاب الشّباب، وأدباء الهامش، التي، للأسف، ليست تُحظى بالقدر نفسه من التّرويج، كما يحصل مع من يصنفون «كبارًا»، بسبب عامل السّن، أو بسبب تكرّر ظهورهم، في صفحات الجرائد اليومية، كلّ عام.

مجلة «نفحة» تحاول الاقتراب من «الحراك الأدبي» للمبدعين الشّباب، والكُتّاب المغيبين، فمنذ سنوات قليلة، بدأت حساسيات جديدة في التشكّل، وبرزت أسماء تعبّر عن تجارب جديدة، في الرّواية والقصّة القصيرة، وفي الشّعر، أسماء تعبّر عن مكنونات جيل جديد مُختلف، بدأت ملامحه في التلبور، وتسعى، برزانة، نحو تقديم البديل في الأدب .. وفيما يلي بعض الإصدارات، التي لن تخيّب ذائقة القارئ.

«أوتيل تركي» لرفيق جلول

بداية هذا العام، أصدر رفيق جلول(29 سنة) مجموعة شعرية أولى، بعنوان: « يشتهيني عطر المطر… بعد السّبع العجاف»، تركها، سريعًا، جانبًا، ليُكمل روايته الأولى، التي حملت عنوان «أوتيل تركي»(منشورات دار ورد). في الرّواية نفسها، يجد القارئ نفسه متسكعًا في وهران، في حاراتها وأزقتها، وبين باراتها ودفء غانياتها، هي، باختصار، رواية المجتمع الوهراني المتناقض، المحافظ وغير المحافظ في آن، بطلها بومدين يسعد الروائي والشّاعر الذي يتعرّف على ستلا المغنية اللبنانية المتحرّرة، ويقع في حبّها وتتكوّن بينهما علاقة حميمة.. إنها رواية تنظر لمدينة «مُتحوّلة» من شرفة أوتيل، تستفز القارئ، وتجعله يخرج منها بكثير من الأسئلة، لغتها جاءت دقيقة، وغير مسرفة، لكنها، من ناحية الأسلوب، بدت متأثرة ببعض أعمال الرّوائي أمين الزّاوي السّابقة، هي نقطة تحسب على رفيق جلول، وتحسب له أيضا، فهي روايته الأولى، حملت أحداث وشخصيات تحرّك مخيّلة القارئ.

«مزامير الحجر» لمحمد جعفر

في وهران دائما، تدور وقائع رواية «مزامير الحجر» لمحمد جعفر.

تضمّنت الرواية تسعة فصول مطوّلة (مزامير) وقسّم كلّ فصل إلى مشاهد مرقّمة، تراوحت بين الطّول والقصر، بالإضافة إلى مزمور الاستهلال ومزمور الختام.

حاول الكاتب فيها مراجعة عشرية التّسعينيات من تاريخ البلد، ورصد التحوّلات العميقة التي شهدتها عاصمة الغرب الجزائري، بعد توسّع المدّ الإسلامي والتّمادي في ممارسة العنف على الفرد والمجتمع.

تحكي الرّواية ذاتها (منشورات الاختلاف وضفاف) سيرة مسرحي جزائري يعود إلى البلد، بعد اغتراب دام لسنوات في فرنسا، ليجد نفسه في مواجهة صعاب يومية، ويحاول، باستمرار، أن يحافظ على حسّه النّقدي، وتبلغ الرّواية الذروة حين تهدر الجماعات الإسلامية دمه.

العام الماضي، أصدر محمد جعفر روايته الثانية «هذيان، نواقيس القيامة»، بعد رواية أولى، جاءت بعنوان «ميدان السّلاح»(2012)، ليكرّس حضوره كواحد من الأصوات التي تبحث عن التجديد وتحاول خلق الاستثناء.

«ما لم تقله التّينة الهرمة» لصالحة العراجي

تعود صالحة لعراجي لحقبة الاستعمار الفرنسي، لتحكي قصصا إنسانية في رواية «ما لم تقله التّينة الهرمة»(منشورات ميم).

نصادف في الرّواية نفسها الجدة صافية، نموذج المرأة الصّبورة، ضحية القهر والبؤس والجهل وهيمنة التقاليد والأعراف وبطش الذكورية، التي ستهرب، لاحقًا، من القرية إلى المدينة، لتجد نفسها مشرّدة، ثم تتكفّل بإيوائها امرأة فرنسية تدعى «ناتالي»، التي ستهجر البيت مرغمة، عقب الاستقلال، تاركة صافية في بيتها، حيث تنشأ مريم  وتمضي بهما الحياة من ليل حالك السواد إلى  بزوغ فجر جديد، وتغادر الجدة الحياة  لتكتشف مريم بعدها سرّا خطيرًا لم تكن تتوقعه أبدا قلب حياتها رأسا على عقب..

الرواية نفسها تحمل وعيًا بالكتابة وعمقًا، وتقدّم الرّوائية من خلالها تصوّرات ذاتية، قد يشاركها فيها كثير من القراء.

«كفن للموت» لعبد الرزاق بوكبة

بعد تجارب متنوّعة، في كتابة النّصوص، في الرّواية، وفي المسرح والزّجل، يسلك الكاتب عبد الرزاق بوكبة «38 سنة» دربًا مختلفًا، بالتجريب في كتابة القصّة القصيرة، مع مجموعة «كفن للموت»(دار العين). بوكبة، هو كاتب لا يلتزم بأطر محدّدة، لا ينصاع لقواعد أو ضوابط، ويُمارس حريّته كاملة في التّجريب، وجاءت مجموعته في تماس مع كتاب «أجنحة لمزاج الذّئب الأبيض»(2008).

في «كفن للموت»، ثيمة الموت تتكرّر، وفق سياقات مختلفة، مع لغة مقتصدة في الكلمات، ومستعجلة، تهتمّ بالجوهر لا بالقالب. على طول النّصوص الخمسة عشر، التي تشكّل وجه المجموعة، نصادف شخصية الزبير بن نجمة، وتلفت انتباه القارئ مزاجات الكاتب الشعرية، وميوله نحو مخاطبة المتلقي بومضات، سريعة، ولكنها عميقة في معانيها.

«مذكرات من وطن آخر» لأحمد طيباوي

تعرّف القارئ، بشكل واسع، على اسم الكاتب الشّاب أحمد طيباوي(35 سنة)، قبل حوالي العامين، مع فوزه بالمرتبة الثّالثة في «جائزة الطّيب صالح» بالسّودان، وصدرت الرواية وقتها، عن منشورات الاختلاف، ليعود طيباوي، مع هذا العام برواية جديدة، حملت عنوان «مذكرات من وطن آخر»، عن دار النشر ذاتها.

في الرواية، نجد علاوة  درّاز، بطل مشتت، تائه، مثقّف، ويعيش تمزقات داخلية، يكتب عن نفسه، وعن الآخرين، يتحدّث بصوته، ويمنح صوته للآخرين أحيانًا. إنها رواية تراهن، بالدرجة الأولى، على اللغة، على اشتغال شعري، على سرد ذاتي، وعلى غوص في الحميميات. هي رواية تعيدنا إلى عوالم ثلاثية أحلام مستغانمي. ومن أجواء الرّواية، نقرأ: « أيقدر عاجز على تدوين سيرة حياة مجيدة، أو حتى سقوط مجيد؟! قد تتيح الكتابة شجاعة ما، في لحظة ما.. فيُنحت التمثال السردي الذي يمتلئ بعظمة كتلك التي كانت لك ساعات سقوطك التي توالت بلا نهاية. وقد أقف بعدها على كتف التمثال مدعيا موهبة النّحت والصّقل والتشكيل، ويصفق أولئك الذين لن يروا في حياتك سوى حلقة في مسلسل ضياعهم.. آه يا صديقي، حياة مهدورة في زمن مهدور.

وقد تكون رواية ناجحة.. تلك التي أجاهد عبثا أن أعثر لها على بداية واعدة، بعدما رسمت أنت، ولا أحد سواك، نهايتها..».

«نساء بلا ذاكرة» لهدى درويش

«رواية كتبت عن المرأة كي يقرأها الرّجل» هكذا تتحدّث هدى درويش، عن روايتها «نساء بلا ذاكرة»(دار سما). والتي تعود فيها أيضا إلى وهران، لتكتب عن أرضها وسماءها وفرحها وشحوبها.

تعتبر هذه الرواية واقعية إلى حدّ بعيد، يتخلّلها الإيحاء والرومانسية والجرأة «التي تحترم عقل القارئ»، وذلك نلحظه بداية من اعترافات الإهداء، التي تشير، بشكل صريح، إلى أن بطلات الرواية الثلاث: وهيبة، حياة وروز.. قادمات من الواقع بصدفة غير مقصودة.

حين يتفحّص القارئي هذا العمل الذي صدر في حوالي 200 صفحة، سيجد فيه إرادة نسائية تثبت نفسها، تتحدّى، تؤثر وتغيّر..  لا تعترف بالعوائق أو الطابوهات، إرادة صحيحة نابعة من القيم السّامية والإيمان بالغد الأفضل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …