الخميس، 29 أكتوبر 2020

صموئيل شمعون.. صعلكات كائن طافح بالحياة

بقلم: خالد النجار

صموئيل شمعون

كان يحمل آلته الكاتبة إلى الغابة، أيام كان يُقيم في مأوى اللاجئين في ضاحية فونتانبلو الباريسية، ويكتب ذلك السّيناريو الأبدي الذي ظلّ يعتمل في دماغه. يختمر سنوات طويلة. لقد رافقه منذ طفولته في «الحبّانية» العراقية، تلك الطفولة وتلك المدينة اللتين صحبتاه إلى الأبد. حبّانية أواسط الخمسينيات وأوائل الستينيات.. الحبّانية التي كانت تعبق، في تلك الأيام البعيدة، بذكريات الحقبة الكولونيالية:

«فرق جنود الانكليز ببزات باللون الكاكي.. ذكرى لورنس العرب والجيل العراقي الذي شارك في الثّورة العربية الكبرى.. ومُلك الهاشميين وقصص ثورة رشيد عالي الكيلاني.. وسينما بالأبيض والأسود تعرض أفلاما هندية وأفلام وسترن، وأفلاما مصرية مليئة بدموع فريد الأطرش..»

عندما جاء صموئيل إلى العالم، كانت أيام حكم الملك الشّاب فيصل الثّاني وعبد الإله ونوري السعيد قد لامست النّهاية.. وقصر الرحاب يشتعل بأضوائه في ليل بغداد الخمسينيات، في تلك الحفلات الباذخة، كما هو الشّأن في بهرج أواخر الدّول، هكذا روت لي سلوى ساطع الحصري التي التقت أغاتا كريستي في إحدى حفلات الاستقبال تلك. فقد كان أبوها ساطع الحصري مدير إدارة الآثار العراقية، وكانت أغاثا تأتي إلى العراق لزيارة زوجها ماكس مالاوان، عالم الآثار الإنكليزي الذي يعمل تحت إدارة ساطع الحصري.. وبريتش بتروليوم كانت في أوج تحكمها الخفي في مجريات السياسة العراقية وفي الهلال الخصيب عامّة..

وفي الناحية الأخرى، كان هناك عراق دراماتيكي عاصف: قوميون رومانسيون وشيوعيون رومانسيون وعساكر انقلابيون هم أيضا رومانسيون. ورصاص وقتل وسحل في شوارع بغداد وبدر شاكر السّياب يصرخ في دار المعلمين العليا ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع…

في هذه المناخات الدرامية العاصفة ولد صموئيل.

لم يكن يحلم فقط، وإنّما كان يصدّق الحلم

ومن هذه الحبّانية الكولونيالية، انطلق إلى بغداد ثمّ إلى بيروت، حيث وقع في يد مخابرات حزب الكتائب. وفي بيروت، اكتشف الوجع الفلسطيني. صحيح أنه كان يعمل في الجبهة الديمقراطية، بيد أن غاندي الصّغير الذي في أعماقه هو الذي كان يقود خطاه، وليس الأيديولوجيا.

ثمّ توجّه إلى تونس، حيث عرف الحبّ المعذّب الأزرق العنيف المترع بالدموع والألم. وفي القاهرة، كان صديقًا محببًا ليوسف شاهين، فاتّخذ لقبه وصار يوقّع مقالاته عن السّينما باسم سامي شاهين.. هكذا ظللنا سنوات في تونس نناديه ياسامي..!

ثم إلى قبرص، حيث عاش غنائيّة مناخات بحر المتوسط، وهو القادم من وهاد آسيا الصّغرى. كان يعيش تائهًا بين النّصوص والبارات، يعبّ خمور زوربا ويصغي إلى موسيقى اليونان الجارحة، ويحلم بالشريط الهوليوودي الذي يعصف داخل دماغه.

ثم إلى باريس، التي سكن في كلّ أحيائها تقريبا وعرفته كلّ مشارب و بارات الحيّ اللاتيني وما جاوره من أحياء.

باريس التي أعاد إليها تقاليد الصعلكة، مع جيل كامل من المثقفين العرب في الثمانينيات، من عراقيين وتونسيين وفلسطينيين ومغاربة وجزائريين، وبعض بقايا السرياليين الفرنسيين والإنكليز.. تلك التّقاليد التي نسيتها المدينة إذ انكفأ جيل ثورة «ماي 68»، وتحوّل أغلب كُتّاب فرنسا في تلك الثمانينيات إلى بورجوازيين صغارًا كما وصفهم هنري ميللر في كتابه حوارات الباسيفيك باليساد، يملؤون  أرصفة المقاهي و يلهثون وراء دور النّشر والجوائز..!

وفي باريس أيضا وأيضا، وهو في الشوارع، أسّس دار نشر صغيرة، أصدرت بعض العناوين المهمّة، هي «دار جلجامش»، وكانت الهاجس والإرهاص والمقدمة لما سينجزه فيما بعد، في لندن، من موقع إلكتروني أدبي بالعربي والإنكليزي، ودار نشر ومجلة رائدة في نقل الأدب العربي المعاصر إلى الإنكليزية، أجل رائدة. فقبل «بانيبال»، كان نقل الأدب العربي، في مجمله العام، من اختصاص الأساتذة الأكاديميين، في أقسام اللغات الشرقية، داخل أسوار الجامعات والأكاديميات، وكان كلّ همّهم نقل النصوص الكلاسيكية، لأهداف تعليمية أو لدعم بحوثهم حول ثقافة العرب وحضارتهم، وكأنّ العرب قبيلة منقرضة، قبيلة منسية.. وقد يصادف أن تظفر ببعض دور النشر الغربية التي تُغامر فتنقل نصوصًا من الأدب العربي الحديث بيد أنّها تقتصر على ترجمة كتابات بعض الأسماء الراسخة والمكرّسة، مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ والطيب صالح في أحسن الأحوال، وفي كلّ هذا، كانت دور النشر هذه هي التي تختار الكتب التي يجب نقلها إلى لغاتهم وحسب أجنداتهم، أي استولوا على الصّورة التي يجب أن يقدّم بها العرب إلى العالم.

صموئيل شمعون، وبحركة خفيفة وبريئة، أو قل دنكشوتية، كسر هذا الحاجز الأكاديمي. أنزل الترجمة من عليائها الأكاديمية الباردة وغير الفاعلة. أخرجها من أقسام الدّراسات الشرقية ونقل نصوصًا من الأدب العربي الذي يكتب اليوم. نصوص فيها نبض الشّارع والحياة، جعل القارئ الغربي يطّلع على النصّ العربي الآني. النصّ النّابض بدراما العرب المعاصرين. طبعا لم يكن موفقا كامل الوقت في اختيار ما ينقل بيد أن هذا الإخفاق يعد أيضا منقبة.. ويجب أن نتذكر باستمرار تلك الأمثولة التي تقول: «من يعمل قد يُخطئ ولكن من لا يعمل أبدًا لا يخطئ»..

أعاد لباريس تقاليد الصعلكة

وهو يتنقل بين بيروت والقاهرة والرباط وتونس وأثينا وباريس والبروفانس الفرنسية و لندن.. حتى القارة الأميركية واليابان، كان يحلم بإنجاز النصّ المُطلق. أن يكتب سيناريو خارقا وينجز شريطا في هوليوود.

المشكلة أنّه لم يكن يحلم فقط، وإنّما كان يصدّق هذا الحلم. وهذا الحلم، وكأيّ حلم يقظة، شكّل لديه طاقة دافعة لإنجاز ما أنجز.

وكان صديقه الحميم  خالد سلام يقول لي كلما التقينا:

  • قل لصاحبك صموئيل يشيل قصة هوليوود هذه من دماغه ويعمل أكثر للمجلة..

فقد كان الكردي العراقي خالد سلام أيامها يدير مجلة «صوت البلاد»، من قبرص، ويفعل وراء هذه الواجهة أشياء أخرى تكشفت عنها الأيام..

كان خالد سلام، وعلى نقيض صموئيل الحالم، واقعيًا، بل مفرط الواقعية بشكل مؤسف، يقارب الجنوح والانحراف.

ولكنه لم يكن يدري لا هو ولا صموئيل نفسه أن هذا الحلم ما هو إلاّ قمّة جبل الجليد الذي كان يُخفي ما يخفي.. وأنه الدينامو الذي يحرّك حياته.

فلم يكن السيناريو سوى القناع والصّورة الخارجية التي شكلها الوعي لتلك الدراما الحياتية، المدفونة في ظلمات العقل السرّي، أوالعقل الباطن.. والتي صاحبته منذ بداياته في الحبّانية، ربما كانت صورة يسند بها كيانه. كيان الفنّان الهشّ. صورة تمنحه معنى حافزًا وتشكّل مبررا لوجوده.

صموئيل، كأي بشري، له حياة ظاهرية وأخرى هو على نصف وعي بها، أو قل يجهلها تماما وهي التي تشكل قدره.. تقوده في تلك الدروب والسّبل المتعرّجة والغريبة التي تسوقنا فيها الأقدار.. هي أحداث حياتنا المنفرطة، الشبيهة بقطع البوزل، تلك القطع التي تبدو أشتاتا متنافرة، والتي لا أدري بفعل أي من الأسرار تفضي بنا في الأخير، وبعد فوضاها وتعرّجاتها الغامضة إلى انتظام فتكتمل الصورة: صورة البوزل.. تلك الصّورة التي ظهرت فيما بعد في كتابه الفريد «عراقي في باريس»، الذي جعله يقفز إلى الواجهة.. وكما يبدو لي، لم يكن السّيناريو والفيلم وهوليوود سوى آليات دفاع عن ذاك الأنا الهشّ والعميق.

لم يكن السيناريو سوى صورة خارجية لتلك النّصوص التي كانت تنكتب تلقائيا في أعماقه لأنها أبجديّة حياته. أبجدية وجوده.. نصوص بلا كلمات.. نصوص تنتظر التجسّد: هي دراما حياته. ولذلك، فمن الصّعب وضع حدود فاصلة وواضحة بين حياة صموئيل شمعون وبين نصوصه. وهذا لا يعني أن السرد غير مستقل عن كاتبه.

يا إلهي، أكتب علينا أن نغتسل بكل مياه العالم!

أتذكّر، كانت جمل تطرأ على لسانه من هذا النص الدّاخلي اللاّلغوي، كما تنبجس الآبار الارتوازيّة فجأة في أراضي السباسب القاحلة.

هكذا، ونحن جالسان، في ذاك المقهى الشّعبي، الذي يديره صالح القبائلي الجزائري، قريبًا من شارع سان جاك، في الدائرة  الرابعة عشر من باريس، وشمس برتقالية تميل فوق قباب كنيسة لاتومب ايسوار، فجأة يخرج صموئيل من صمته، كأنه يواصل مونولوغا بصوت مرتفع.. صوت كما لو كان تأوّها وهو يخاطبني، ولا يخاطبني :

  • يا إلهي، أكتب علينا أن نغتسل بكل مياه العالم!

ويبدو في عينيه ذاك التّعبير المزيج، من عناء ولذّة وصبر على العالم.

«كلّما ظهرت غيمة

لمعت في جسدي نجمة»

هكذا كان يقول الهايكو دون أن يدري..

بعد ذلك بسنوات، وبإلحاح من أصدقائه، أصدر قصائده الجميلة، ومن بينها قصائد هي رسائل قصيرة ومختزلة ومكثّفة وشديدة الشاعرية إلى أصدقائه الواقعيين والخياليين: روبرت دانير أو صديقه الحقيقي لوران غسبار ودزينة من الفنانين العالميين..

صموئيل شمعون كوكتيل متفجّر، خليط من صعلكة ومن ديونيزيسية، وملائكية. لأولّ مرّة نقرأ نصًا عربيًا فيه شيء من عفوية آرنست هيمنغواي وشيء من صعلكة ميللر وشيء من  غنائية سكوت فيتزجيرالد.

كيف أمسك بصموئيل وهو عمود من الريح، قويّ ولا مرئيّ؟

كائن طافح بالحياة.

يذهب إلى المؤتمرات وإلى الجامعات الكبرى في أوروبا وأميركا الشمالية وهو يدري حدسًا أنها تعتدي على كينونته، وفي أعماقه صوت خافت واستفزازي و صادق يقول له: «أخرج من هنا! ماذا تفعل هنا في هذه القاعة!؟».

قاعات الأكاديميين باردة ولا تلائم مزاجه المتفجّر.

صموئيل يجمع بين مهرج بيكاسو ودنكيخوت سرفانتس وصخب كاستمباليس.

بطل وضحية نفسه

مثل الصبار، شائك ولكن داخله عسل

لم يولد من المطر

ولم يأت في القطارات

لم يأت مع الأرنب الذي جاء من القاهرة

لم يأت من الحلم أو من حقول الذرة

لم يخرج من المرآة

ولم تتمظهر صورته في زجاجة المصباح

ولا في كرة بلور الساحر

ربما ولد من دياجير الليل؟

أومن مياه دجلة.

برفقة الرّوائي سلمان رشدي

ما أزال أتذكر تلك الأمسية الزرقاء في إيطاليا، ونحن نقف مع الشّاعرة دوناتيلا بيزوتي، في ساحة مدينة ألسندريا القديمة، فجأة مرق إلى الكاتدرائية التي وراءنا فتبعته.. ورأيته في صمت وخشوع وسط ظلال الكنيسة المرتعشة بضوء الشموع النذرية.. كما صحبته في أوقات أخرى من قبل إلى مشارب في تونس وباريس والرباط وسان بيير بيسكادور على شاطئ الكوستا برافا، ومع صديقه نيكوس القبرصي، الذي كان يأخذه إلى ملاهي الضواحي في نيقوسيا، كان يعايش العالم بنفس التوله الروحي لأن الروح أوسع من المعابد..

وصموئيل هو الذي جاء بي إلى أثينا، في زيارتي الثّانية لها، وكانت الرحلة التي عرفت فيها اليونان بأغانيه الجارحة.. بوروده الزاهية وآلهته الأبدية ورهبانه الأرثذكس ذوي السحنة الشرقية والشعور الطويلة وباصاته الكهربائية الصفراء وحجارة الأولمب القديمة وروح كاتسمباليس التي حلت في روح صموئيل شمعون.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …