الأربعاء، 4 أغسطس 2021

إدغار موران: إننا نعيش في عصر البربرية

إدغار موران

بداية الشّهر القادم، سيصدر إدغار موران(1921) كتابًا جديدًا، تحت عنوان: «لننخرط!»(أكت سيد)، وهو عبارة عن حوار مطوّل مع الفنّان الإيطالي المُعاصر «مايكل آنجيلو بوستيليتو»(1933).

منذ أكثر من ستين عامًا، لم يتوقّف إدغار موران عن إثارة الأسئلة الحرجة، ومناقشة الرّاهن، ومقاربة تخصصات متنوّعة: من سياسة إلى سوسيولوجيا، مرورًا بالبيولوجيا والسّينما والأدب. فهو واحد من أهمّ المفكرين المعاصرين، تحظى محاضراته، التي يلقيها في كثير من الدّول، بمتابعات واسعة، وخرجاته الإعلامية لها نصيب من اهتمام المختصين والدّارسين، وفيما يلي حوار أجرته معه، مؤخرًا، أسبوعية «ليبدو» السويسرية، في بيته بباريس.

ترجمة: ف. ياسمينة بريهوم

لماذا من الضروريّ علينا (أن نفكر بشكل شامل)، وأن نعتبر الإنسان جزءًا من الطّبيعة التي تحيط به؟

إنّ عصرنا تَعولَم، وهذا يتطلّب منّا تفكيرًا شاملاً، فمشاكل اليوم، حتى الروتينية منها، تحتاج إلى خبراء، ومتخصصين، يعبّرون عن آرائهم، يقدّمون مقاربات جزئية وتقريبية، فكثيرون أيضا يحتمون بالكلّيات. ممّن يعتقدون أنّنا نستطيع أن نرى كلّ شيء دون أن نولي اعتبارًا للجزئيّات في علاقاتها مع الكلّ. إنّنا نعيش حقبة ما قبل التّاريخ، بالنسبة للفكر البشريّ، في عصر البربريّة، وإذا لم نفكّر بشكل معقّد فإنّنا نسارع نحو الكارثة. أؤكد على ما ماقلت (ماقبل التّاريخ) وليس نهاية الإنسانيّة، ويترتّب عن هذا الكثير ممّا يجب خلقه، واختراعه.

التّفكير بطريقة معقّدة، هل سيجنبّنا تفادي الأوهام؟

لا تنسوا، في الثلاثينيّات المجيدة، أنّ خبراء وعلماء الاجتماع، كانوا يعتقدون أنّ المجتمع الصناعيّ سيقّلص اللاعدالة، والتعاسة، وأمّا الاقتصاديون جميعهم فكانوا يتخيّلون أنّ الأزمات قد حذفت، وكذلك كان الشيوعيّون مقتنعين أنّهم يحضّرون مستقبلاً زاهرًا. كان هناك متفائلون إذًا في تلك الفترة، متفائلون متخاصمون لكنّهم متكاملون. إلى أن جاءت أزمة 1973. نعلم اليوم أنّ التقدّم ليس نفسه، وأنّنا مهدّدون بالتراجع، وهي تهديدات معنيّة بتنبيهنا.

ماينفك الوهم يُسيل حبر قلمك؟

أتحدّث كثيرًا عن هذا، لأنّي عشت الثلاثينيّات. كان السّياسيون وقتها كالمسرنمين. وكان وصول هتلر إلى سدّة الحكم بالنسبة إليهم جنونًا. فلم يصدّقوا أبدا أنّه سيحلّ مشاكل ألمانيا الاقتصاديّة. بعدها اعتقدوا أنّهم يستطيعون تدجينه، فأباحوا له إسقاط تشيكوسلوفاكيا… أعتقد أنّ تعليم الخطأ والوهم يجب أن يكون في مقاعد الدّراسة الأولى؛ لنفهم أنّ «كل معرفة بناءٌ، وترجمة غير وفيّة للواقع». عندما نتأمل الماضي، ننتقد من سبقونا: «كم كانوا مخطئين!». بينما نعيش اليوم تحت وقع أخطاء جديدة، فمن بين نقاط ضعفنا أن نقيس الواقع من وجهة نظر واحدة، وهذا يمنعنا من رؤية إمكانيّة حدوث مالا يصدّق.

تقول إنّ العقل والجنون قطبان يشكلاننا، وأنّ ثراءَنا يتوقّف على قطبينا الثنائيين؟ فهل لنا أن نستشفّ من هذا تأثير الحكمة الأسيويّة فيك؟

بالتأكيد، لقد انطلقت هيروقلدسيّا مع أنّ فكره مهمّش في الفكر الغربيّ، لكنّه كان يملك معنى المتضادات، ثم فُتنت  بهيغل وماركس اللّذان كانا يملكان مفهوم التناقضات مع الاعتقاد بتجاوزها. وعندما اكتشفت الطاوية بتمركزها حول مبدأ الين واليانغ، فهمت أنّ أهم شيء في هذا الفكر الصينيّ التقليديّ كان العلاقات بين الأشياء لا الأشياء في حدّ ذاتها. وهذا ما أسمّيه في كتبي «الارتباط». الكنفوشسيّة نوع آخر من الحكمة يرتكز على الرفق وقد أثّرت فيّ أيّما تأثير، وأخيرًا البوذيّة، التي تتضمّن هي الأخرى الشفقة على آلام الحياة، فقد سلّط بوذا الضّوء على عدم الثّبات، وهو الطّابع المطلق والنسبيّ في آن للعالم الذي نعيش فيه.

هل تملك السّياسة اليوم آلية أن تفكر بشكل شامل؟

تفتقر السياسات إلى الثقافة، فلا تملك الوقت للقراءة، حتى ما يصدره الإقتصاديون؛ فهم لا يتصفحون إلاّ تقاريرَ خبرائهم، فليس لديهم إذًا سوى معارف جزئيّة يبنون عليها يوما بعد يوم نتائج غير صائبة. إنّنا في مرحلة أزمة شاملة  في الفكر السياسيّ، المُنقاد بالليبيراليّة الجديدة، فالسياسيون لا يتحدّثون سوى عن سبر الآراء، ومنحنيات البطالة، والنّاتج المحلّي الخام، والنموّ، والإحصاءات… وهو تفكير حسابيّ خاوٍ، فهناك أشكال أخرى للأمن غير النموّ.

فيم تفكّر؟

زراعة جديدة لا صناعة فيها بالمرّة، ونوع من الاقتصاد البيئيّ يستطيع الحدّ من البطالة. أين سنبحث عن منافسة أقوى خارج هذا؟ أبتعويض البشر بالآلات، أو باستعبادهم بمزيد من العمل الذي يستنفذهم حتى «تحترق ذواتهم». منافسة من هذا النوع ستفاقم البطالة.

أشعر داخل هذه الليبيراليّة الجديدة أنّي أعيش حالة من السرنمة كما كان الحال نهاية الحرب العالميّة الثانيّة، إنّما سرنمة من طبيعة أخرى نعيش فيها اليوم بيومه، فترة تفاؤل بلا طعم، تمنعنا من رؤية الأخطار الكبيرة. من الصّعب أن تقنع مسرنما بأنّه نائم سيظنك مجنونًا! بينما ينشغل المنتخبون بقلقهم حول الغجر، والمغاربة، واليهود، والمهاجرين.

آخر إصدارات إدغار موران

بالمناسبة، بما تردّون على مشكلة المهاجرين؟

إنّنا نعيش في الاستيهام. ونتصرّف وكأنّ 500 مليون نسمة من الأوروبيين مهدّدون ببضع مئات من المهاجرين، سيأتون جياعا من الجنوب، يغزوننا كما فعل جانكيس خان. يتركّز خوفنا من كبش الفداء ونحن نعيش عصرًا أرضيًا. يجب أن نفكر في تضامن النوع الإنسانيّ  ضدّ تهديد الأخطار الكبرى، كتهديد البيئة مثلاً، فعلى العكس، إنّ النوع البشريّ  يترضرض إلى قطع ويتكوّر كلّ جنس على نفسه. فلوكان الهمّ العالميّ محميًا بما يكفي فستكون المصلحة الوطنية بمأمن بالضرورة.

تقول إنّ على «الفكر السياسيّ ألا يتجاهل الاحتياجات الشاعريّة لحياة الإنسان». كيف تعيش حياتك شعريّا؟

بأن أتبنى غرابة  كلّ شيئ، واندهاشي الدّائم منه في الوقت نفسه، أستطيع أن أتلمّس هذا برؤية فراشة مثلاً، وزهور، وعصافير… أو بمشاهدة مباراة ريغبي، أو تصفيات كأس العالم لكرة القدم التي من المحتمل أن تكون فيها مبارايات مغشوشة. لايهمّ! إنّه انخراط في الحياة. فهناك قطبان في الحياة الانسانيّة: أوّلا النّثر، وهاهو ما نقوم به على وجه الإلزام؛ لنعيش، ثم الشّعر؛ وهو العيش بامتلاء. العيش بصورة شاعريّة: هو أن نعيش التواصل الإنسانيّ، والحبّ، والأخوة، واللّعب، والبحث عن النّشوات. لحدّ الآن حصلت على كلّ هذا. وفي سنّي هذه أعيش الحبّ: أحب الشّخص الذي أعيش معه، واحتفظ بتطلّعات الشّباب، وبلا أوهام. مازلت أحفظ فضول الطّفولة، وفي الوقت ذاته أستبقي هذه الثّورة على ما في جعبة الحياة من رعب.

لا نريد أن نرى الأخطار البيئيّة التي يعيشها عالمنا. فمن أين تأتيك القدرة على رؤية الخطر دون تغطية وجهك؟

ربما مردّ ذلك إلى مراهقتي إبان المقاومة الفرنسيّة، حيث تعلّمت الهشاشة. وقتها لم نكن نعرف ما سيحدث لنا، وإن كنّا في مجتمع شديد العقلانيّة، فكلّ واحد كان يلتقي صدفة أحداثا تغيّره… لا يمكن الهروب من طبيعة الحياة المغامِرة. بالمقابل، لا يمكن أن أنسف القلق أيضا الذي يَنسِلُ داخلي. البلسم الوحيد لهذا هو القدرة الشعريّة، والقدرة على المشاركة. فكلّ ماكنا فقط نحن، وتورّطنا في المشاركة، كلّما كُبت القلق، بما في ذلك سؤال الموت الذي عرفته لمّا كنت مقاومًا ومازلت أستشعره. لا نستطيع أن نهرب ممّا يسميه هايدغر «الهم». ولكننا، نستطيع إيجاد هذا الالتحام بالحياة.

في الرابعة والتّسعين تنشر كتبًا وتًسافر بلاهوادة، ما سرّ هذه الحيويّة؟

من كوني مازلت شابًا، وطفلا وشيخا وراشدًا لا أكثر ولا أقل، أنا لا أبالغ في أن أكون راشدا تحديدا! لا يتعلّق الأمر بالتوازن بين هذه الأقطاب، وما تعودناه عن التوازن من الثبات، إنّما من ذلك الصّراع الدائم بين المتضادات. إذ لا أحد منها يقهر الآخر. سرّ حيويّتي يعود أيضا إلى الاندهاش سالف الذكر، وشكل من التصوّف يقارب الدين، لكن في غير منحاه الربانيّ، إنّما كدين للحياة والإنسانيّة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …