السبت، 24 أغسطس 2019

الثقافة بصيغة الجمع

 

سامية بن عكوش

تتعرّض المفاهيم في مجالات الفكر المختلفة للانكماش بعد الاتّساع. لنأخذ مثلاً مفهوم البلاغة، الذي شمل عند اليونان كلّ أنواع الخطابات، السّياسية والقانونية والاقتصادية والأدبية، بينما قلّص في العصر الحديث إلى مجرد مجموعة من الصوّر الأسلوبية.

وسيرًا على هذا الهدي، فإنّ مفهوم الثقافة لم يكن بمعزل عن الابتسار والتّقليص. فإذا تلفظت بكلمة ثقافة، تراءى إلى أذهان عموم القرّاء: الأدب أو المسرح أو السّينما؛ أو أيّ فنّ من الفنون الأخرى. وإذا تحدّثت عن وظيفة الثّقافة في مجتمع ما؛ فإنّه يُشار بالبنان إلى وزارة الثقافة، المؤسّسة الكفيلة برعاية وترقية الثّقافة كما هو شائع في عرف جميع الدوّل.

وإذا بحثت عن تجلّيات الثقافة في المجتمعات العربية، وجدتها غناءًا ورقصًا وفولكلورًا امتاعيا، يعود بالأسماء نفسها كلّ صيف. والقلّة من المؤسّسات الرّاعية للمواهب الثقافية الشّابة في الوطن العربيّ، فنجدها في مجال الغناء، كمؤسّسة «روتانا» مثلاً. بينما يعاني الشّباب المبدع في المجالات الأخرى من التّهميش والإقصاء.

وحال الثّقافة في الجزائر أسوأ بكثير مقارنة بالعديد من الدّول العربية؛ فقد قلّص الفعل الثقافيّ إلى الفلكلور الامتاعيّ ومهرجانات الشّْطِيحْ والرْدِيحْ – كما يقال باللّهجة الجزائرية – في كلّ صائفة. وليس أدلّ على هذا الوضع المتردّي للثقافة، من غياب الصّحافة المحترفة المتخصّصة في مجال الثقافة، سواء تعلّق الأمر بالحصص التلفزيونية أو المجلاّت الثقافية المحترفة.

رغم ما يُصرف من أموال في مهرجانات للثقافة الإسلامية تارة وللثقافة العربية تارة أخرى؛ إلاّ أنّ ثمار هذه المهرجانات لم نلمسها في واقع الجزائريين، كتّابا كانوا أو أفرادا بسطاء. وإنّ الرؤية التجزيئية للثقافة طغت على مطالب معظم المثقفين الجزائريين. وفي كلّ مرّة يتغيّر فيها وزير الثقافة، يتسابق المتسابقون لتقاسم ريع الثقافة، رغم محاولات البعض للإسهام الإيجابيّ في ترقية الثقافة وتقديم الأفكار المساعدة للوزراء. لكنّها أفكار، على أهمّيتها، تفتقر إلى رؤية شمولية. ومع استوزار ابن الثقافة، عز الدّين ميهوبيّ على رأس وزارة الثقافة، استبشر عدّة مثقفين، وعلت أصوات ونوايا وأفكار هؤلاء، فأصبح الرّوائيّ يُطالب بدعم الرّوائيين، والسّنيمائيّ يطالب بفتح صالات السّينما المغلقة منذ سنوات، والمغنيّ يطالب بالمشاركة في مهرجانات الشّطيح والرديح. وردّت الوزارة بنوايا طيّبة، جسّدتها بليالي الشّعر العربيّ بقسنطينة، وبمواصلة مهرجان الأدب وكتاب الشّباب بالجزائر عاصمة، وباستمرار توزيع بطاقات الفنّان على الممثلين. فهل الثقافة هي هذه النوايا الطيّبة المتجسّدة؟ وهل المهام ملقاة على مؤسّسة وزارة الثقافة لرعاية وترقية الثقافة؟

ثمار المهرجانات لم نلمسها في واقع الجزائريين

إذا أخرجنا الثقافة من المفهوم المبتسر الجزئيّ السّابق، فإنّ المفهوم يتّسع ليشمل كلّ مناحي الحياة في مجتمع ما. ويلخص تعريف مالك بن نبي للثقافة هذا الطّابع الشّموليّ الواسع، فيعتبر الثقافة التجلّي الأعلى والعنوان الأسمى لتحضّر أيّ مجتمع أو تخلفه. ويتقاطع هذا التعريف مع تعريفات المختصين في هذا المجال، وإن اختلف عنها في بعض التفاصيل المنهجية. يعرّف بن نبي الثقافة في كتابه القضايا الكبرى بأنّها «أسلوب معيّن للحياة خاص بالمجتمع المتحضّر وسلوك معيّن خاص بأفراده». ومن هذا التعريف سنفصّل عناصر هذا الأسلوب وصانعيه وعلاقاتهم.

إذا كان الأسلوب هو الرّجل بصيغة المفرد كما ذهب إلى ذلك علماء العربية؛ فإنّ الثقافة هي المجتمع بصيغة الجمع. فكما أنّ الأسلوب هو الخصوصية التي تميّز الكتّاب عن بعضهم البعض، وكما أنّ الأسلوب هو المعيار الأبرز الذي  يستند إليه النّقاد في تفضيل هذا الكاتب على ذاك؛ فإنّ الثقافة هي الخصوصية الأهمّ في تمييز المجتمع المتحضّر من المتخلّف. وإنّ الثقافة هي المؤثر الأبرز  الذي يجعل  سلوك أفراد المجتمع الجزائريّ مختلفا عن سلوك أفراد مجتمع آخر. وإنّ الثقافة هي المعيار الذي يجعلنا نحكم على مجتمعنا – ومعه المجتمعات العربية – أنّه لايزال في طور التخلّف، أو لنخفّف اللّهجة: لايزال متخبّطا في سيره نحو الحضارة، كما وضّحنا ذلك في مقالنا السّابق.

إذا كان الأسلوب هو الاستعمال الفرديّ الخصوصيّ للقواعد المعيارية في لغة ما؛ فإنّ للثقافة جانبًا نظريًا يمكن مقابلته بجانب اللّغة، كما أنّ للثقافة جانبا عملّيا يمكن مقابلته بجانب الأسلوب. فيرتبط الجانب النّظريّ بمختلف الأفكار والتصوّرات ومنظومة المفاهيم التي أنتجت في هذا المجال، وتسعى إلى تعريف الثقافة وتوصيف عناصرها وجهازها المفهوماتيّ وعلاقاتها. وأبرز محاولة في هذا المجال، كتاب الفيلسوف الجزائريّ محمد شوقي الزين «الثقاف في الأزمنة العجاف»، عرض فيه اجتهادات أساطين الفكر عند العرب والغرب في موضوعة الثقافة، وحاول مقاربة الثقافة من خلال صناعة مصطلح جديد: «الثقاف»، ونترك للقارئ المهتمّ بمجال الثقافة فرصة اكتشاف هذا الجهد التنظيريّ الهام.

غلاف الكتاب

يرتبط الجانب العمليّ للثقافة بمختلف عناصر الأسلوب، صغيرها وكبيرها، التي تتجلّى في حياة وسلوك أفراد المجتمع الواحد؛ مثلما تتجلى خصوصية أسلوب كاتب معيّن في أصغر عنصرلغويّ، الحرف وفي أكبر عنصرلغويّ، الجملة فالتّركيب. ونجد تعريف بن نبي مُلمًّا بالجانبين النّظريّ والعمليّ، فيعتبر الثقافة «بيئة مكوّنة من الألوان، والأصوات، والأشكال، والحركات، والأشياء المأنوسة، والمناظر، والصّور، والأفكار المتفشّية في كلّ اتّجاه».

يجمع التعريف السّابق مختلف العلامات الدّالة على الثقافة في مجتمع ما، فمنها البصرية «الألوان: الرّسم، الأشكال: المنحوتات والأشكال الهندسية والمعمارية الشّائعة في بيئة ما»، ومنها السّمعية: «الأصوات: الموسيقى، ومنها الجسّدية: الحركات، ومنها المادية: الأشياء المأنوسة في مجتمع ما»، ومنها «الذّهنية: الأفكار المتفشّية في مجتمع ما».

وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أنّ هذا التعريف مبتسّر أيضا، إذ يلخّص الفنون السّبعة. لكنّ المتأمّل للدوال والمؤشرات المكوّنة لكلّ علامة، يتيقنّ أنّ هذه العلامات أغصان تتفرّع بدورها إلى أكثر من غصن، فكلّ علامة مكوّنة من جزئيات صغيرة. وفي كلّ جزئية تتجلى الثقافة في مجتمع ما. وبريق الجزء البسيط في الغصن، هو من بريق الغصن كاملاً؛ كما أنّ وهن الجزء البسيط من الغصن يصيب بوهنه كلّ الأجزاء. ولو لم يكن الأمر كذلك لما شبّه بن نبي الثقافة بالبيئة كاملة.

تتجلى الثقافة إذن في أرقى الفنون كالأدب والمسرح والسّينما؛ كما أنّها تتجلى في أبسط سلوك وفي أصغر تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية. فالثقافة هي قصيدة شعرية يلقيها شاعر محبوب؛ كما أنّها طريقة تلقي الجمهور للقصيدة، اندهاشا وانفعالا وتفاعلا؛ وإنّها طريقة التّصفيق أيضا، ونذكر في هذا السّياق كتابا هاما للدكتور عماد عبد اللّطيف: «لماذا يُصفّق المصريون». والثقافة هي تمثال الأمير عبد القادر بالعاصمة، كما أنّها تمثال ابن باديس الذي صنعته الهيئات المسؤولة عن الثقافة بقسنطينة، على عجلة من أمرها، لتدشّن به تظاهرة عاصمة الثقافة العربية 2015. وإذ بالتمثال يثير استياءًا كبيرًا في أوساط المثقفين، لأنّ الجهات الصّانعة لم تراع فيه السمّات الخاصة لابن باديس ولا البعد الجماليّ. مما اضطر ولاية قسنطينة إلى حجبه عن الأنظار، مثلما نحجب بالغربال شمس الحقائق السّاطعة. الثقافة هي مختلف الآثار المتهالكة في كلّ ربوع الجزائر، وتمثل قِبْلة للزّوار؛ كما أنّ الثقافة هي قُبْلَة ولمسة وهمسة، يسترقها زائران حبيبان، بين شقوق الآثار المتبقية.

تمثال ابن باديس الذي أثار استياءًا

الثّقافة تتجلى في الأصوات الموسيقية المتناغمة التي تصنعها فرق الأوركسترا في كلّ مهرجان، كما أنّها ضجيج الأصوات الذي تصنعه منبّهات سيارات الجزائريين، تبرّما بزحمة الطرقات التي لا ينتهي. الثقافة هي طريقة الأكل واللّباس في بلد ما، ونذكر هنا كتاب رولان بارث «امبراطورية العلامات»، حيث حلّل فيه ثقافة المجتمع اليابانيّ، في حركاته وأكله ولباسه ومعماره، من خلال اعتبار الصوّر علامات تشكّل خطابا ثقافيا، يبرز الرّؤية الجمالية والكونية للشّعب اليابانيّ. الثقافة هي الرّؤية الجمالية للحياة، تتجلى في أجمل المنحوتات كما تتجلّى في طريقة غرس الفلاح للخسّ والبصل.

إذا كانت الأجزاء السّابقة هي العناصر المكوّنة لجمل الثقافة في مجتمع ما، فإنّ هذه العناصر تحتاج إلى روابط لتترابط وتتآلف وتتناغم لتشكّل التركيب الثقافيّ في أيّ بلد، مثلما أنّ الجمل تحتاج إلى حروف المعاني الرابطة (مثلا حروف العطف والجرّ في اللّغة العربية). وإذا خلّت الروابط فمن المستحيل صناعة تركيب متناغم. وإنّ الرابط أو الجامع هو الضامن للتفاعل الإيجابيّ بين كلّ هذه العناصر. وإنّ التفاعل الإيجابيّ يصنعه المشروع التنمويّ الواحد الذي يجمع سكان بلد ما، فينخرطون بفعالية في سياسة تنموية، معلنة الأهداف ومحدّدة المدة الزمنية، ومتأسّسة على الثقافة بصيغة الجمع، كما عرضناها سابقا.

ومهما تعدّدت الإرادات والنوايا الحسنة، من المثقفين هنا وهناك، بقصائد وروايات ومسرحيات، إلا أنّها لا تكفي لصناعة الثقافة. وإنّ البلدان التي تفتقد إلى مشروع تنمويّ متأسّس على الثقافة، لا يصح أن نطلق على قاطنيها اسم مجتمع، بقدر ما نسمّيهم تجمعات سكانية ليس إلاّ. فهل من الحكمة – إذن – الحديث عن تقليص ميزانية قطاع الثقافة مع الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر، والثّقافة هي الهواء والماء والطّعام في حياة الأمم!

تحتاج الجزائر – إن صحّ عزمها على الخروج من أزمتها الاقتصادية الحالية – إلى رفع ميزانية الثقافة أكثر من أيّ وقت مضى. فبخلاف أصوات بعض الاقتصاديين الذين يعتبرون الثقافة ديكورا ثانويا في الجزائر، ويدعون الحكومة إلى تقليص ميزانية هذا القطاع؛ فإنّ واقع الأمم المتحضّرة يعلّمنا أنّ الدوّل تضاعف من اهتمامها بالثقافة في عزّ الأزمات. ومثال ألمانيا واحد من تلك الأمثلة للأمم التي تجاوزت أزمتها بالاستناد إلى ثقافتها. فقد اعتمدت ألمانيا على ثقافة الشّعب الألمانيّ وخصوصيات العرق الآريّ، للنّهوض باقتصادها. ولعل عنصر الفعالية الذي يمتاز به الإنسان الألمانيّ أهمّ فكرة اعتمدت عليها ألمانيا في انبعاثها من رمادها. والفعالية أهمّ ملمح للفرد المتحضّر، في مقابل نقص الفعالية في الفرد المتخلّف. وإنّ فعالية الفرد هي من فعالية المجتمع المتحضّر. وإنّ الفعالية أهمّ شرط في مشروع ثقافيّ بصيغة الجمع. فهل بقي من إمكان لصناعة ثقافة بصيغة الجمع في الجزائر الراهنة؟ ذاك هو موضوع مقالنا القادم.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 – (ج1)

إنّ طبيعة الأسئلة التي يطرحها أيّ مجتمع أمام مشكل ما، ليكن مشكل البطالة مثلاً، تحدّد …

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم …