الخميس، 18 يوليو 2019

«آمارا» لكلاوديا موليزي: عندما تغيّر المدينة جلدها

كلاوديا موليزي

الفيلم الوثائقي «آمارا» لكلاوديا موليزي، الذي عُرض، أمس، في إطار لقاءات بجاية السّينمائية، يحكي سيرة تحوّلات مدينة ليتشي، بجنوب إيطاليا، في الفترة ما بين التسعينيات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة.

نتابع في الفيلم الحكاية «غير الرسمية» لهذه التحوّلات، ليتشي المدينة الإيطالية الباروكية، والتي صارت منذ نهاية التسعينيات وجهة سياحية مهمة في البلد.

المخرجة كلاوديا موليزي، وفي دردشة مع مجلة «نفحة»، بعد عرض الفيلم، في المسرح الجهوي لبجاية، شدّدت على عبارة «المدينة تغيّر جلدها».. فبعد عشر سنوات من غيابها عن المدينة، وإتمام دراساتها في الإتنولوجيا، عادت لتجد مدينتها قد تحوّلت، وصار الاهتمام بها أكبر من قبل سياسيين ورجال أعمال، صاروا كلّهم يستثمرون في المدينة ويروّجون لها. «كانت هنالك فيترينات مَحَالٍ كثيرة، والشّوارع صارت أكثر إضاءة، كان هنالك شيءٌ غير عادي» تقول موليزي. وكان عليها أن تفهم ماذا حصل!

من العرض

نُقطة الإنطلاق كانت الرّجوع إلى التاريخ السرّي للمدينة، الجهة المخفية من حياة ليتشي، أو كما تقول المخرجة «العار الذي كان الناس والكنيسة يخجلون منه»…

الفيلم عبارة عن شهادات لنساء تجاوزن عقدهن السّابع، كن يشتغلن مع أو عند «مارا»، حيث كانت هذه الأخيرة تملك عقارات وبنايات بقيمة تقارب ثلاثة ملايين أورو، «كانت تملك قلب ليتشي» تقول إحداهن. هاته النسوة اللواتي تظهر أجزاء من أجسادهن فقط في الفيلم، رقبة أو أقدام أو فمٌ، رفضن الظّهور في الكاميرا، يحكين عن ذكرياتهن في إيطاليا الخمسينيات وعن «مارا»، المرأة المتحوّلة جنسياً، وإحدى أشهر العاهرات في إيطاليا زمان.

«مارا» كانت تسيطر على سوق الأعمال، وعلى المواخير في ليتشي، تقول إحدى النّسوة: «لم نستطع أن نستأجر بيتاً لنعمل، إلاّ عند مارا». وحدها كانت تدعُم الجميع، لكن تُحكم على الجميع قبضة حديدية، فيما يخصّ الإيجار والدّفع، البعض يصورّنها على أنها امرأة شريرة متحكّمة في كل شيء، عقود من الألم والخيبة، لرجل تحوّل لامرأة، ظلّت تنفثُها في جسد المدينة طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، عبر بيع كل ممنوع ودعم المواخير، والبعض يصوّرنها كعجينة زمانها، بعيداً عن أيّ حكمٍ أخلاقي، فعلت ما يجب أن تفعل وانسحبت من حياة النّاس والمدينة.

في واحد من مشاهد الفيلم، نرى تسجيلاً تلفزيونياً يعود إلى 1999، «مارا تحلّ ضيفة على أحد برامج التوك – شو في إيطاليا، صورة بالألوان، بعد كل تلك اللّقطات المُظلمة في بيوت النسوة، وبعد كل تلك الأحاديث عن الوحش، يخرج هذا الأخير في جسدٍ ضخم يضع شعراً مُستعاراً أصفر، مُتلعثما أمام أسئلة الُمذيع السّاخر»، (والذي يُمثّل كل النفاق المُجتمعي… كأنّه قاضٍ أمام مُتهّمة)، تعلّق كلاوديا على المشهد. تقول مارا: «أنا من أنا»، وتسكُت.

مجموع المشاهد المصوّرة مع عاهرات قُدامى اعتزلن المهنة منذ سنوات، كانت مُزعجة قليلاً، أجزاءٌ من أجسادٍ مُستهلكة وثقيلة لا تتحرّك، عدا واحدة اقتحمت الكادر التصويري وأرادت أن تُظهر نفسها بعد أن رفضت في البداية، تسألهنّ المخرجة عن مارا، لكن أيضاً عن زمن مضى وأماكن ما عادَتْ.

على الهامش

خيط الذكريات الذي تتناوب النساء على سحبه ببطء، سمح للمشاهد برؤية صورة تلك الأمكنة، حديثهن عن الأغاني النابوليتانية، عن طرق ممارسة الحُب وتشديد إحداهن على الكلمة بدل كلمة الجنس، قائلة: «لسنا حيوانات نفعلها في أي مكان». المُلاحظ أيضاً أنّ الرجل الوحيد كان عجوزاً، وزوجاً لواحدة من قريبات مارا، لم يتكلّم، كل الكلام كان للنساء اللّواتي خرجن من لعبة «الجمال»، وعندما سألنا كلاوديا عن هذا، قالت:«بعد أن أنهيت الفيلم، وجدت نفسي أروي قصة جمال البشاعة».

الكاميرا لم تسأل ما الذي دفعهن لاختيار تلك المهنة، بل فقط سمحت لأجسادٍ مترهّلة، (صورٌ صغيرة عن مارا رُبما؟) بالحديث. حتى قالت إحداهن بعد أن تعبت من الذكريات: «لقد صِرتُ آمارا»، أي «لقد صِرتُ مُرّة»، وهُنا ننتبه للعبة الكلمات بين اسم مارا أو «لا مارا» مُعرّفاً، وكلمة «آمارا» بالايطالية ولهجة ليتشي، المرارة هي ما تبقى بعد رحلة مماثلة في الحياة، أو «لا مارا» بوصفها امرأة عاشت حياة مُرّة..

الشّيء غير المفهوم في الفيلم كان ربما تلك الصوّر التي عُرضت عند نهايته، صوَر «مارا»، بالأبيض والأسود، صُورٌ واضحة وقريبة من شبابها، والتي قد تُفهم على أنّها «تزيين» لصورة الوحش التي عِشناها طيلة 60 دقيقة. رغم أن كلاوديا أقرّت، خلال دردشتنا معها، بالقول: «كانت هنالك نُسخة نهائية من الفيلم لا توجد فيها الصوّر، الصوّر أفسدت شيئاً ما من القِصة»، ثم هُنالك الترجمة الفرنسية المُرافقة والتي كانت تقريبية، غير مُتحكمة في لهجة أهل ليتشي الغنيّة، الباروكية في بعض المواضع كما وصفتها المُخرجة نفسها.

عند نهاية الفيلم، مباشرة قبل الصوَر، نرى مشهداً للكنسية (ومن الكنسية يبدأ الفيلم) المؤسسة الرافضة لـ«مارا»، والتي لم يمنعها رفضها من أن تقبل الميراث الذي كتبته «مارا» قبل وفاتها، والذي كان صادماً للجميع، كيف تمنحُ هذه المرأة المال لأعدائها! أو كما قالت إحدى النِسوة: «الأخوات القحاب يستغنين الآن ببيع العقارات وطرد النّاس منها».

الكنيسة قبلت الميراث بينما رفضه الأقارب، في إشارة إلى أن التقاليد والأعراف أشدّ تعصباً من المؤسسات الدينية نفسها، كقراءة خاصة.

الفيلم ذاته الذي بدأ كرحلة لفهم لماذا «غيّرت المدينة جلدها» انتهى، كعادة أي رحلة، بأسئلة عن الشيخوخة والزّمن، وعن الجِلد.. الجِلد المُستهلك للنّساء وللمدينة، لـ«مارا» أيضاً، فزّاعة المدينة، وتختم كلاوديا موليزي بالقول: «عندما ماتت تحرّرت المدينة بالنسبة للسياسيين، كأنّهم دفنوا عهداً كاملاً مع مارا..».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …