الأربعاء، 17 يوليو 2019

أيّها الجزائريون، لماذا انقلبتم على السّوريين؟

زين حمادي

لاجئون سوريون

حتى لا آخذ من وقتكم الثّمين الكثير، سأختصر مقالي، لأترككم تواصلون «التقرعيج» على الفايسبوك، وتستمروا في مهنة غربلة الوقت على قارعة الطّرقات، وتناول وجبة نميمة دسمة على «كونتوار» المقاهي، أو الاستمتاع بنقاشات بيزنطية تلوكها النّخب حول «الثّابت والمتحوّل» في الفضائيات، وهي نقاشات لا تقلّ متعة عن مشاهدة صراع الديكة، أو حضور حلقة «تناطح» كباش العيد..

الحاصول، كيف يُعقل أن لا يجد آلاف من هؤلاء ساعة واحدة من يومهم المملّ، ويُطالبوا بمساعدة إخوانهم السّوريين، ويقدموا دعوة للاجئين للقدوم إلى بلدهم الذي تُقارب مساحته «حجم قارة»..!

ولو كان الأمر يتعلّق ﺒ «عرضة كذب»، كما يقول ناس بكري، لوجدناهم متّحدين ومنسجمين، بطريقة هيستيرية، كما يحصل في مواسم «معاك يا الخضرا»، حيث ينتفض ما ترسّب في ذاكرتهم من أناشيد وطنية و شعارات حماسية، وتجعلهم يتدافعون على ميكروفونات الفضائيات، ليلقنوا العالم مبادئ البطولات و«مطلع المعجزات»، يساوون بين لاعبين مستوردين، من الخارج، عجزوا عن اتخاذ موقف مشرّف، كما فعل زملاء لهم، وشهداء ثورة، صُنّفت من أعظم ثورات القرن العشرين.

لا ألوم منظمات المجتمع المدني، التي تقدّر بعدد شعرات الرّأس، ولا الجمعيات الحقوقية وغيرها من تنظيمات سياسية، ورياضية وثقافية وبيئية ووو…فهي في سبات تجاوز سبات أهل الكهف، ولن أسائل المثقف الجزائري، في عهد تحوّلت فيه مؤسسة أدبية عريقة أسّسها محمد ديب وجان سيناك ومالك حداد، من مقر لإتحاد الكتاب، إلى مرحاض عمومي.. بل أعاتبك أنت! أيّها الجزائري «الزوالي» و«أفحل»، عما حلّ بشخصيتك التي أضحت غائبة ومغيّبة، وضمور ضميرك الإنساني في زمن «الخضرا تربح».. ونحن نعلم أنه قبل خمسين عاما كنّا «مكّة الثّوار»، وقبلة للحركات التحررية في دول أمريكا اللاتينية وفي القارة الأفريقية..

ماذا جرى حتى يضيق صدرنا اليوم من استقبال النّازحين، من جيراننا في مالي والنيجر، الذين أنهكتهم الحروب والنزاعات والمجاعات!.. وراحت وسائل إعلام محليّة تحرّض الرّأي العام ضد الوافدين الأفارقة، وهم يتسوّلون لقمة على أرصفة الشّوارع والطّرقات، والغريب أن في «الدورة» يصطف المئات من الشباب للبحث عن فرصة «للحرقة»، عبر الموانئ والسواحل المعزولة، لبلوغ جنّات أوروبا.

الجزائري الذي يحفظ المثل القائل: «ما يحس بالجمرة غير الي كواته»، كيف له أن ينس إخوانه «السوريين»؟ ليس لما يقاسوه من ويلات حرب يعرف الجزائري بشاعتها، وقد جرّبها مرتين، في ظرف ثلاثين سنة فقط، بل لماذا تناسى الجزائري دين السّوريين عليه؟

الجزائري، هو المواطن الوحيد في العالم بأسره، من يجب عليه مساعدة هؤلاء النازحين والفارين من هول ما تعرفه سوريا من مأسي، فالشّعب السّوري فتح أبواب بلاده على مصرعيها لإخوانه الجزائريين، في القرن التاسع عشر، للذين فرّوا من سياسة الأرض المحروقة التي تبناها الاستعمار الفرنسي ضد مؤسسي الدولة الجزائرية الحديثة، والتي أسّسها شاب باسل اسمه الأمير عبد القادر.

صورة نادرة للأمير عبد القادر في دمشق

الحاصول، قصة طويلة لا يسع الوقت لسردها..

لكن، وأنا أطلع على حال الشباب الضّائع والتّائه اليوم، أحتار في شخصية عبد القادر الذي قاد معارك ضارية ضد أعتى الجيوش الأوروبية، وهو لم يتجاوز حينها الثانية والعشرين عامًا! كيف استطاع الجمع بين القيادة عسكرية والحنكة السياسية والملكة الشعرية والزعامة الدينية تحت برنوس واحد؟

يُطلق الواحد منّا تنهيدة «توصل للسما السّابعة»، وهو ينظر إلى حال مسؤولينا، وهم بالكاد يستطيعون تشكيل جملة بسيطة، وهم يتلعثمون أمام وسائل الإعلام المحلية.. لذا قد يعذرهم «الواحد» وهو يراهم يغيبون عن المساهمة في إيجاد حلّ لأعقد قضايا الشّرق الأوسط، مادام أنهم عجزوا عن تفعيل موقع إلكتروني لبلدية، وفشلوا في مدّ خط مترو مترين إضافيين.

لكن، هل يمكن أن نعذر أنفسنا كشعب لم يحرك ساكنًا لردّ واجب الضيافة لإخوانه السّوريين الذي استضافوا مئات المهاجرين الجزائريين بين منتصف القرن التّاسع عشر ومنتصف القرن العشرين! بل وتوّج السّوريون الأمير الجزائري أيقونة في دمشق، ومنحوه قصرًا، بالقرب من أعرق أنهارها، كان يحجّ إليه طلاب العلم والفلاسفة والزعماء السياسيين، وشاركه حكام الشّام في استقبالهم للوفود الدبلوماسية وملوك الدول وأباطرتها، بل وأضحى عبد القادر الجزائري بمثابة قديس لدى أهاليها، بعدما ساهم في انقاذ الآلاف من المسيحيين العرب من مذبحة على يد العثمانيين عام 1860. وبقي الأمير وعائلته، وكل جزائري عزيزًا كريما في سوريا، وقد دُفن عبد القادر الجزائري إلى جوار قطب دمشق الرباني ابن عربي، عام 1883، قبل أن يُنقل جثمانه إلى الجزائر، بعد الاستقلال.

رفات عبد القادر على مدفع بدمشق أثناء نقله إلى الجزائر

وهناك عائلات سورية  كثيرة تنحدر أصولها من الجزائر، والآلاف من السّوريين يحملون ألقابا جزائرية، ويحتفظون بعادات أسلافهم المهاجرين وذكرياتهم، ويتفاخرون بكونهم أحفادا للجيل الأول من الثوار الجزائريين.

لقد لاقى أجدادنا وأباؤنا، الذين هاجروا مع الأمير عبد القادر، والذين التحقوا بعائلاتهم فيما بعد، كلّ مظاهر الكرم والتبجيل من أهالي الشام، فتح النّاس البسطاء لهم بيوتهم واقتسموا معهم كسرتهم وملابسهم، وانصهروا معهم وتصاهروا، وصاروا دمًا واحدا..

ذلك الذي نراه ينزف من جثث القتلى وأشلاء الأطفال، اللون الأحمر الذي يطغى على الصّور التي نتشاركها على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي، أو نراه ملطخا حيطان الأحياء المهدمة، أو يتقاطر من سكاكين وحوش داعش.. هو دم جزائري أيضًا.

لماذا لم نضم أصواتنا إلى شعار «Refugees Welcome»، ونردّدها بالعربية والأمازيغية والفرنسية، بدلا من تلك السفسطة حول «العامية»، التي استهلكت برميلا من الحبر، وانهكت النّخبة والعامة قواها في هذا النقاش الهزيل عن «الهوية»!.. بينما بيت العروبة والأخوة الدينية والقرابة التاريخية ينهار، يوم بعد الآخر.

ألم يكن من الأولى أن يوقّع الكُتّاب والإعلاميون بيانات لاستضافة السّوريين؟ ويطالبوا في مقالاتهم، وعلى صفحاتهم في مواقع التّواصل، بفتح الحدود لهؤلاء المهاجرين، الذين يغرقون على بعد أمتار من شواطئنا! ما الذي ينتظره البرلمانيين والمناضلين السياسيون، في الجزائر، ليستفيقوا ويبادروا إلى اعتماد إجراءات جديدة تسهّل دخول العائلات السورية في المطارات وعلى الحدود؟ ويخصّصوا قسطًا من الأموال لإنشاء ملاجئ ومخيّمات لهم.. بدل بقاء الأموال مكدّسة في البنوك، لتنتهي في جيوب اللصوص..

أين هم تجار الوطنية وسماسرة الدّين و«دونكيشوهات» القومية؟ لقد خرسوا عندما تعلّق  الأمر بواقع  إنساني مرير، لا بمعارك وهمية كما جرت عادتهم!

ولكي لا نغرق في السّلبية، ونتأمل النّصف الممتلئ من الكأس، نقرّ فعلا أن هناك الكثير من العائلات السورية تقيم في عدة مدن وقرى جزائرية، أغلبها من لديه قرابة، ورجال أعمال وتجار فتحوا مشروعات بعدما ذاقوا عسر الإجراءات الإدارية والبيروقراطية، وإلتهاب أسعار الإيجار.. والكثير من الجفاء بسبب انغلاق المجتمع الجزائري على نفسه. فيما قرّرت بعض العائلات الرّحيل من بعض المخيمات، كمخيم سيدي فرج بالجزائر العاصمة، وهناك من سافر نحو بلدان مجاورة أخرى، بل وهناك من رفض العودة لأسباب لا يعرفها إلا الجزائري.

في الأخير، حتى وإن رفع الجزائريون شعار «مرحبا باللاجئين»، فقد تأخرنا كثيرا، ليس لأننا سنكون في ذيل الدّول التي فتحت حدودها للسّوريين الفارين من جحيم الحرب في بلادهم، بل لأن هذا اللاجئ السّّوري تعلم من «الحراق» الجزائري درس «روما ولا نتوما!».

الطّفل الغريق أيلان الكردي

لكن، هل ننس ما  تناقلته بعض عناوين الصّحافة عن اللاجئين إلى الجزائر؟ لن تمح أبدًا صورهم وهم يتسوّلون في شوراعنا، ومنظرهم وهم مشرّدون في السّاحات العامة. مشاهد لا تقلّ مأساوية عن صورة الطّفل السوري الغريق الذي رثاه العرب على حيطان الفايسوك، لقد كان بإمكان هذا الطفل «أيلان الكردي» أن يلهو اليوم مع أقرانه في «الحومة»، تمامًا كما  كان يلعب أطفال المهاجرين الجزائريين مع جيرانهم السّوريين في «الحارة»..

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرمزية

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرّمزية

ما حدث أمس، في الحراك الشّعبي، من صراع بين قوّات الأمن والمتظاهرين السلميين، حول سلالم …