السبت، 5 ديسمبر 2020

أين كان والدك حين كان الشعب يحتال على الدّولة؟

سعيد خطيبي

في سبر آراء، أجرته مجلة «نفحة» مؤخرًا، اعتبر المصوّتون أن ما فعله الهاكر حمزة بن دلاج يمثّل عملا بطوليًا! نعم، أكثر من 80 بالمائة، من المصوّتين، اعتبروا الهاكر «بطلاً»، وبعضا منهم ترك تعليقات تشيد بفعلته.

هي آراء تعبر على قناعة وليس على انفعال أو حماسة لحظيّة، ولكن، كيف صار هاكر قدوة للشّباب والمراهقين في الجزائر؟

لن ندخل في ثنائية «الجريمة والعقاب»، وفي تفسيرات فلسفية، ولن نحتاج لمرجعيات دينية، لتفسير ممهدات الوعي الناشئ، فالأمر «تحصيل حاصل»، ناتج، بالأساس، عن تركمات تاريخية، وعن دورة تحوّلات سوسيولوجية، جعلت من «المُجرم» في نظر القانون «بطلا» في نظر الشعب والعامّة، في بلد ما يزال متعلقًا بالماضوية، ويؤمن بأن لكل مرحلة سياسية لصوصها/ أبطالها.

المصوّتون، في سبر الآراء، كانوا من الشّباب والمراهقين، أعمارهم تتراوح ما بين 17 سنة و32 سنة، يمثّلون 41 ولاية من ولايات الوطن، وقفت غالبيتهم في صفّ حمزة بن دلاج، الذي أقرّ أمام القضاء الأميركي بفعلته، والذي يقبع الآن في سجن بأتلانتا، في انتظار النّطق بحكم في حقّه، أكدوا مرّة أخرى على قناعة الجيل الجديد، في الجزائر، بأن النّجاحات ليست كلّها بريئة، ولا يجب أن تكون بريئة، فالبطل ليس، بالضرورة، يستجيب للتعريفات الكلاسيكية للكلمة، ليس بالضرورة هو من ينال نصيبه من المكاسب بالطّرق المتعارف عليها.. البطل صار شخصا آخر، يختلف عن النماذج التي نقرأ عنها في كتب المدرسة، أو تلك التي تحكي عنها قصص الأجداد، البطّل اليوم، في الجزائر، وفي عقيدة الشّباب، هو من «كسب» وحقّق ما يصبو إليه، بغض النّظر عن الطّريقة التي انتهجها، سواء كان قرصانا أو لصًا أو محتالاً، هو شخص يتفق مع مقولة: «الغاية تبرّر الوسيلة».

بالتّالي، لا مكانة للمرجعيات الأخلاقية في تحديد وعي الشّاب الجزائري، شاب ما بعد 5 أكتوبر 1988، الذي أُرهق بالشّعارات الوطنية، أُصيب بتخمة منها وتقيّئها، وصار لا يؤمن سوى بالملموس.

قضية التّعاطف الواسع مع الهاكر حمزة بن دلاج، جاءت لتثبت، مرّة أخرى، الطّرح الذي ذهب إليه السوسيولوجي ناصر جابي، أو ما أصطلح عليه ﺒ «الأب الفاشل والابن القافز»، فشباب اليوم، أو بالأحرى جزء كبير منهم، يلوم الآباء على هفواتهم التّاريخية، هناك من يلوم والده لأنه لم يستطع أن يفعل، مثل الجار، ولم يحصل على «بطاقة مُجاهد»، هناك من يلوم والده، الذي لم يستفد من ريع سنوات الاشتراكية، وهناك من يلوم والده لأنه لم يحقق عائدات من سنوات الفوضى التسعينية، فالمراهق اليوم ينظر إلى الماضي باعتباره «جنّة» سلب ونهب وتحقيق مآرب، ومن لم يستفد منها، لا يعول عليه، هكذا وجدنا شبابًا يتعاطفون مع عبد المؤمن خليفة، وربما سيصل يوم يحاسبنا فيه أبناؤنا لأننا لم نجني شيئا من مزرعة الخيرات التي صبّت على الشعب سنوات بوتفليقة، بفضل ارتفاع أسعار البترول، في العشرية الأولى من الألفية الثالثة.

صدامية الابن القافز والأب الفاشل هو ما يبرّر التّعاطف الاستثنائي مع الهاكر، اللصّ في نظر القانون، البطل في نظر الشّباب، ربما وجدوا في صورته وفعلته انتقاما لما يسمونه «خيبات» الآباء، أو تعبيرًا عن رغبة دفينة في أنفسهم لفعل الشّيء نفسه، والذي عجزوا عنه، والأهمّ من كل ذلك، أنهم وجدوا في الهاكر تبريرًا لروح شاب جزائري حالي، يحلم بالاقتناص من كلّ ما هو مُتاح، ويريد تجاوز الآباء، وقيّمهم التي صارت غير صالحة للتّرويج في الوقت الرّاهن.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …