الخميس، 29 أكتوبر 2020

النص الدرامي: عقدة السكاتش وإشكالية اللغة

 

من فيلم (معركة الجزائر)

إن الدراما الجزائرية لا زالت في مكانها، لم تستطع أن تُحقق تلك الاندفاعية للخروج من روتينها الرّتيب، ومع كل تلك العلامات الدرامية الناجحة، منذ السّعفة الذهبية لوقائع سنين الجمر(1975)، وقبلها وبعدها من الأفلام والمسلسلات العالقة في الذّاكرة، بوصفها أعمالا ناجحة، كفيلم «معركة الجزائر»، أو فيلما «الأفيون والعصا»، و«ملحمة الشيخ بوعمامة»، أو بعض الكوميديات السّاخرة، فإنها لم تستطع إقناع المشاهد الجزائري بأنها حقّقت صناعة ثابتة تمتلك ثقته وانبهاره، ولم تستطع تجاوز حدودها، حتى بأعمالها النّاجحة، كقوّة ناعمة تُساهم في تقديم المساهمة في الفعل الثّقافي المحيط، العربي والمتوسطي، ولذلك أسباب مختلفة بعضها يتعلّق بالنّص الدرامي، بوصفه مرجع الاقتباس والتنفيذ للعمل، ومصدر الإلهام الإبداعي على مستوى الإخراج والتمثيل، وباقي العمليات الفنيّة.

إن النّص هو أحد أركان العمل الدرامي، بل هو أساسه، لأن العمل الدرامي ما هو إلا تجسيد للنّص المكتوب، ومشاكل الدراما الجزائرية تبدأ من النّص، فلغة النص غير المهذّبة لسانيًا، حتى تناسب كل الجزائريين أولاً، وتسهيل تداولها وفهمها من المحيط اللغوي الذي ننتمي إليه، فكاتب النص له أن يحرص على لغة تناسب اللسان الجزائري والعربي الدارج، خصوصا عندما تكون هناك خيارات لغوية، كتهذيبه من الكلمات الفرنسية والمحوّلة عن الفرنسية، ومن الكلمات شديدة المحلية التي لا يفهما الجزائري في منطقة أخرى، فما بالك بمحيطنا المغاربي والعربي، وهنا يظهر أن كُتّاب النصوص الدرامية لا يقومون بذلك المجهود وربما لا يفكرون فيه، متناسين توسيع دائرة المتلقّين، بما فيه عملية الدبلجة التي أظهرت فائدتها في التّرويج لأعمال درامية لا تنتمي لمحيطنا، واستطاعت بفعل الدبلجة اختراق الحاجز اللغوي، دون أن نستفيد من هذه الآلية في التّرويج للأعمال الجزائرية الناجحة والكبيرة، فيكاد ينعدم وجود عمل درامي مدبلج، يسهّل عملية تلقي أي عمل جزائري، فلو دُبلجت الأعمال سابقة الذكر مثلا لعلقت بذاكرة السّينما الإقليمية والعربية وغيرها، كما علقت بذاكرة الجزائريين.

أمّا من حيث المضمون فهو شحّ عمق المعالجة، وحتى عندما يهرب صُنّاع الدراما ومنتجوها إلى النصوص الكوميدية تأتي خفيفة وأحيانا تهريجية، أو عبثية، فلم تنجح في مسك بنية الحكاية وحبكها بما يشدّ المشاهد، ومقاربة هذا الوضع المتكرّر يتطلّب التّفكير في عدّة مخارج ومقاربات منها:

  • الاعتماد على النّصوص الأدبية وهي أحد الخيارات المؤقتة، خصوصا أن بعض الأعمال النّاجحة في الدراما الجزائرية ارتبطت بنصوص أدبية، ولروائيين جزائريين، نذكر مثلا «الأفيون والعصا» المقتبس عن رواية مولود معمري، و«ريح الجنوب» المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه لعبد الحميد بن هدوقة، ومسلسل «الحريق» المقتبس عن ثلاثية محمد ديب، و«ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي، وهناك كثير من الروايات الجزائرية تستحق التحوّل إلى أعمال درامية ناجحة.
  • اعتماد ورشات كتابة النص ومعالجته، وليس الكاتب الواحد، وهذا معمول به ومتعارف على أهميّته، قد يساعد على رفع مستوى النّصوص، وثرائها الدرامي، وقد يتمّ الاستعانة بكُتاب الرواية، فهناك أعمال عالمية كبرى، تم فيها الاستعانة بأدباء.
  • تثمين النّص في العملية الإنتاجية، وإدراك أهميته في العملية الدرامية، خصوصا أن الجانب التقني والفني وحتى على مستوى التمثيل والإخراج يوجد تطوّر ما، لم يجد النصوص القوية لتجسيدها، وهناك استخفاف بعملية الكتابة الدرامية، فلا زالت تمارس بنوع من الهواية والارتجالية، وكأنّها عملية هامشية.
  • تشجيع الدراما الجزائرية لتكون محور المشاهدة في الفضائيات الجزائرية، ومقاربة المواضيع الجزائرية، والإنسانية بمنظور جزائري، فماذا قدّمت لنا الدراما الأجنبية، كالتركية والمكسيكية والكثير من الأعمال الفرنسية والأمريكية والمصرية سوى تزييف الوعي وبيع الأحلام لأسرنا ومراهقينا؟.. بشرط أن تُقدّم الأعمال الدرامية الجزائرية نفسها بالثوب الذي تستحقه، والعمل على ذلك بداية من النص.
أمل بوشوشة، بطلة مسلسل ذاكرة الجسد

إنّ عملية الإنتاج المشترك، ومشاركة مع المبدعين العرب بالخصوص وفي المحيط المتوسطي، تستفيد منه العملية الإنتاجية الدرامية في الجزائر، من حيث تبادل الخبرات، والترويج، وترقية النّص.

إن العائلة الجزائرية التي تعوّدت على الاجتماع حول جهاز التلفزيون، خصوصا في مناسبات معيّنة، تتوق إلى أعمال جزائرية تمتلك شروط الجمال والنّجاح، شكلا ومضمونًا، كما أن للدراما أهميّتها على مستوى الوعي وقيّم الحياة وقوّة التّأثير النّاعم، في زمن السماوات المفتوحة، وتنوّع وسائل التواصل، ووجود فضائيات جزائرية وخلفها مؤسسات تمويل للإعلان والرعاية، ستحتاج إلى إنتاج أعمالها التمثيلية، المعتمد أساسًا على النّص. فلماذا لم يجد كتاب النّص الدرامي مكانهم، فلم تستطع كتابة السيناريو عندنا صناعة أسماء راسخة، مثل الروائيين، أو المبدعين الآخرين، هل هي مشكلة الصّناعة الدرامية ككل أم مكانة هذه الكتابة مقارنة بغيرها؟..

هو نقاش مفتوح يحتاج إلى إجابات، ولكن إجابات النص هي أحد الإجابات، بل هي مدخلها، فالتطور التقني والفنّي الذي تشهده عمليّة صناعة الدراما التمثيلية، في السينما أو التلفزيون، يحتاج أن يجد صداه في النّص، ما بعد مرحلة السكاتش، تلك التمثيليات القصيرة الفكاهية، وقبل أن تكون صناعة تمتلك آلياتها لتطوير نفسها، إن مقاربة إشكاليات النّص الدرامي أحد الحلول لتجاوز حالة الثّبات في حالة معيّنة، ولعلّ ما يعانيه مشروع فيلم الأمير عبد القادر يعود أساسا لإشكاليات النص والسيناريو، الذي يحدّد فيما بعد مدى نجاحه ومساحة تأثيره، أم أن لغة النص تحدّه ليظل حبيس الأرشيف، مثل كثير من الأعمال الثورية، التي استهلكت ميزانيات كبيرة، لتحتبس في نهاية الأمر في الأرشيف!

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …