الأربعاء، 26 فبراير 2020

الفرنسية ليست لغة الفرنسيين!

رشيد فيلالي

من الحقائق التّاريخية الدامغة التي قد تغيب عن الأذهان أو تغيب عن عمد لدواع مختلفة، أن الفرنسيين يتحدّثون لغة هي في الأصل ليست لغتهم الأصلية! ومع ذلك، ترى نفس هؤلاء الفرنسيين يتجرؤون ويتدخّلون في خصوصيات أمم أخرى، على غرار مستعمراتهم القديمة، التي تعتبر الجزائر نموذجا حيًّا لها، ويحاولون زرع الفتنة عن طريق الزّعم بأن العرب غزاة وفرضوا لغتهم على الّسكان الأصليين لشمال إفريقيا.

لكن السّؤال المطروح في هذا الصّدد هو: لماذا لا يُسلّط الفرنسيون على أنفسهم التّهمة نفسها، طالما أنهم استنادا إلى زعمهم عاشوا الظّروف التاريخية ذاتها وبحدّة وتجاوزات أعظم وأكثر جللا؟

قد يتعجب البعض من هذا الكلام ويرى فيه مبالغة غير مبررة، طيّب في هذه الحالة يمكننا الاستنجاد بالمراجع المختصّة في الميدان لتأكيد فرضيتنا المثيرة، أو حتى غير المعقولة في نظر البعض..

الفرنسية الأصلية لغة ميّتة!

تقول الباحثة اللغوية الكبيرة الفرنسية أونريات فالتر(Henriettt Walter)، في كتابها الجميل «الفرنسية بكل أبعادها، Le Français dans tous les sens»، الذي كتب مقدمته العلامة الشّهير ابن بلدها أندري مارتيني، إنه في الألفية الأولى قبل الميلاد كانت فرنسا تسمى «الغالية» (La Gaule)، ويتحدّث سكّانها لغة سلتية تدعى اللغة الغالية (Le gaulois)، وبعد الغزّو الرّوماني لفرنسا الغالية تبنى السّكان إحدى اللهجات العامية للغة اللاتينية التي كان يتحدّث بها الرّومان الغزاة، ثم بعدها تعرّضت أيضا لغزو قبائل جرمانية وهم الفرنك (الإفرنج)، حيث اختلطت تلك اللهجة اللاتينية الرومانية بلغة الجرمان الغزاة، وامتزجت لتصبح مع مرور الوقت هي اللغة السّائدة في فرنسا، أو الفرنسية التي نعرفها اليوم.

أونريات فالتر

وفي المقابل، انقرضت اللغة الأصلية للسّكان، ولم يبق منها سوى بضع عشرات من الكلمات مستعملا حتى الآن، على غرار أسماء الألوان مثلا، كما تبنى السكان أيضا ديانة الغزاة الرومان (المسيحية)، وأطلقوا على بلدهم اسما جرمانيا بحتا وهو فرنسا، المشتقّ من الألمانية وهو يعني مملكة الإفرنج (!Frankreich).

كل هذا يعني بالمختصر المفيد أن اللغة الأصلية للسكان، وهي الغالية السلتية، انقرضت وحلّت محلها لهجة عامية مشتقّة من اللغة اللاتينية الفصحى (التي كان يكتب بها فرجيل وغيره من علما الرومان ومثقفيه)، كما أن تسمية البلد أصلا مشتقة من لغة أخرى أجنبية هي الألمانية، وبناء عليه ليس في الفرنسيين الآن أي شيء أصيل! فلماذا إذن يزايدون على الآخرين ويزعمون الدّفاع عن حقوقهم الإنسانية، وفاقد الشيء كما يقال لا يعطيه!

العامية.. قضية فرنسية مفتعلة!

على صعيد آخر، تعالوا نتحدّث دائما في المجال نفسه حول قضية تبناها الفرنسيون عن بعد، ومن ورائهم الفرانكوفونيون عندنا، بطريقة قرداتية مخجلة، أقصد قضية الدّفاع عن اللهجة العامية الجزائرية، ترى أين الحقيقة خلف هذا الموقف الغريب وغير العادي؟

في تصوّري أنه موقف يندرج ضمن المواقف المشبوهة وغير العلمية أوالبيداغوجية إطلاقا، وإلا فكيف للفرنسيين الذين يعيشون أزمة هوية عاصفة أن يدافعوا عن العامية الجزائرية، فيما بلادهم تعجّ بالعاميات واللغات واللهجات الإقليمية المقموعة؟

وفي تصوّري، ليس هناك من هو أقدر على الردّ على هؤلاء مثل المثقف الفرنسي الراحل عام 2012 وهو كلود دونيتون(Claude Duneton)المشاغب وصاحب المواقف الحازمة، والذي رغم اختلافنا معه في بعض النقاط، إلا أننا نقدّره ونحترمه على شجاعته وصموده في الدّفاع عن أفكاره بخصوص المنافحة عن العامية الفرنسية، أي نعم العامية الفرنسية! وكان يواظب على كتابة زاوية مهمة في جريدة الفيغارو، يعلن فيها عن رؤيته ومواقفه في هذا الشأن ومنها ما تطرّق له في كتبه «موت اللغة الفرنسية»(1999)، و«حياتي الشقية، La chienne de ma vie»، الصادر عام 2007، وسيما في كتابه المهمّ جدا حول الأخطاء الخطيرة في الكتب المدرسية الفرنسية: (l’Anti-(manuel de français à l’usage des classes du second degré,1978، والذي ألّفه بالاشتراك مع جون بيير باغليانو (Jean-Pierre Pagliano)، وفي كتابه «موت اللغة الفرنسية»، يقول:«إنه في بداية القرن العشرين كان ما بين 10 و20 في المائة من الفرنسيين فقط يتحدّثون الفرنسية وعليه فإن اللغة الفرنسية ليست في الحقيقة هي لغة الفرنسيين». وحسب قوله فإن اللغة الفرنسية السّائدة اليوم هي لغة البرجوازية التي فرضتها بالقوة على بقية الفرنسيين، الذين أجبروا على التّخلي عن لغاتهم ولهجاتهم ومع ذلك تظلّ نسبة كبيرة من هذه اللهجات واللغات حيّة ومستعملة في مختلف المناطق الفرنسية، لكن دون اعتراف رسمي من الدولة التي حسب الدستور الفرنسي تمثل إرثا ثقافيا فقط.

الأصولية الفرنكوفونية!

هناك قضية أخرى لا بأس أن نضيفها إلى موضوعنا هنا، وهي تتعلّق باستعمال اللغة الفرنسية في الجزائر، في الوقت الذي تأخذ العربية أدوارا ثانوية بسيطة إن لم نقل شيئا آخر، تعالوا إذن نأخذ العبرة بالفرنسيين أنفسهم – أليسوا هم قادتنا الحقيقيين؟!– طيب، ربما يعرف القارئ رئيس جمعية الدفاع عن اللغة العربية في الجزائر وهو عثمان سعدي، هل نعرف أشهر من ترأس جمعية الدفاع عن اللغة الفرنسية التي تضم في صفوفها أكثر من 3 آلاف عضو؟ إنه المستشار لدار نشر غاليمار لمدة 16 سنة  جون دوتور (Jean Dutourd)، الذي أخذ قبعة الشرطي اللغوي وكان من أبرز أقواله: «لو أن كلّ من يستعمل من المعلمين الفرنسية الممزوجة بالإنجليزية والأمريكية والسابير سلطت عليه غرامة 100 ألف فرنك فرنسي قديم في العام فإن هؤلاء سوف يختفون في مدة أسبوع.. يجب على السلطات الفرنسية أن تقوم بعملية تطهير كبرى وتسلط غرامة 20 فرنك فرنسي على كل من يوظف عبارات غير فرنسية الأصل على غرار: Top, Niveau, Nominer, Imponsable, Pas Evident, Avatar، ومن ثمة مثل هذه الفواحش سوف لن تعمر طويلا ولا يصبح الناس الأسوياء يسمعونها و يستعملونها».

جون دوتور

مؤرخ فرنسي يقول بأن الفرنسية لغة متخلفة!

ترى ماذا لو نطبق في الجزائر خطّة السيد جون دوتور، عضو الأكاديمية الفرنسية حرفيا؟ قطعا ستحل كارثة في الجزائر! و للتذكير هذه الهيئة الفرنسية اللغوية قمت شخصيا بمراسلتها هذه الأيام من أجل استطلاع رأيها حول مسألة التدريس بالعامية، وكان ردّها عبر متحّدثة رسمية (قالت لي بالحرف الواحد بأن ردها شخصي ولا يلزم الأكاديمية؟!) هو ضرورة الاهتمام في التعليم بكل مستويات اللغة، لكن دون تفسير أو إضافات توضيحية أدق، وهذا منتظر كوني أعرف مسبقا بأن هذه الهيئة الموقّرة لا تملك النفوذ الكافي للردّ بشجاعة عن السؤال الموجه لها، بالنظر إلى الشرخ الكبير الذي تعيشه فرنسا لغويا ومع ذلك تجود بالنصائح للآخرين، بمناسبة وبغير مناسبة..

وأرجو أن لا يفهم من كلامي بناء على ما سبق أنني ضد اللغة الفرنسية، على العكس فأنا أستفيد من كل لغات العالم دون تمييز بينها مطلقا، وهنا سأختم كلامي بما نشرته صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 22 ديسمبر 1985، بقلم  إدوارد ستين، أن مؤرخا فرنسيا شهيرا – لم يذكر اسمه – صرح بأنه تحوّل للكتابة باللغة الإنجليزية لأن الفرنسية في نظره تعتبر لغة «متخلفة sous-développé».. فتأمل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …