الأحد، 16 يونيو 2019

أزمتا الإنسان والأفكار في جزائر ما بعد الاستقلال

سامية بن عكوش

عندما يواجه شعب ما مشكلا ما؛ فإنّ الخلل يكمن إما في الإنسان أو الأفكار أو الأشياء. وإنّ العنصرين الأوّل والثاني – الإنسان والأفكار – هما محدّدا الحضارة في أيّ مجتمع إنسانيّ، حسب المفكر مالك بن نبي. فلا تكفي وفرة الأشياء في مجتمع ما ليتحضّر ذلك المجتمع؛ لأنّ الكينونة التي تصنع من هذه الأشياء مرتبطة بنوعية العملين، اليدويّ والذّهنيّ اللّذين يمارسهما الإنسان.

وقد ضرب بن نبي مثالا عن المجتمعات الإسلامية التي لا تعوزها الآلات «الأشياء»، التي تستوردها من الغرب بأثمان باهظة. لكنّ ما يعوزها هي مقوّمات مناسبة في الفرد وأفكار حيّة تبعث تلك الأمم من رماد تخلّفها.

أوسّع مفهوم الشّيء، ليشمل كلّ ما يقع تحت يدّ الإنسان، من مواد أولّية وعناصر طبيعية. ويستطيع الإنسان أن يصنع من هذه الأشياء الكينونة التي توافق قدراته الذّهنية واليدوية؛ فيحيل التراب إلى جنات أو يتركه أحراشا وأشواكا. ويصنع من الأحجار والرّمال عمارات وناطحات سحاب أو يذرها قفارًا وأطلالا. فالأشياء لا تحدّد حضارة الأمم، بقدر ما يحدّدها الإنسان والأفكار.

إنّ التكوين النّفسيّ والاستعدادات الذّهنية وبيولوجيا العرق تدخل في تكوين الفرد القويّ الباني للحضارة. كما إنّ الأفكار الحيّة والإبداعية التي تتفتّق في البيئة الاجتماعية، وينشأ عليها الأفراد، ويتداولونها في المؤسّسات الاجتماعية، وتتجلّى في سلوكهم؛ بإمكانها أن تخلق حالة نشاط نوعيّ، تمكّن المجتمع من تجاوز عقباته التاريخية. وخير مثال على ذلك، ألمانيا والصّين. فالأولى استطاعت أن تتجاوز الدّمار الذي لحق بها أثناء الحرب العالمية الثانية، استنادًا إلى مقوّمات العرق الآري من ذكاء ونشاط وإتقان للعمل. فانبعثت ألمانيا من رمادها في ظرف وجيز، لا يتعدى 10 سنوات. أما الثّانية، فاعتمدت على خصائص العامل الصينيّ الذي لا يفاضل بين الأعمال، وينجزها بتفان وإخلاص.

من يملك يدًا فهو يملك بالضرورة فكرًا حيًا، حسب هايدغر. ومثال اليدّ العاملة الصينية يؤكّد العلاقة بين اليدّ والفكر. إذ استطاعت اليدّ العاملة الصينية أن تغزو سوق العمل العالمية، خاصة في العالم الثالث. وما كانت اليدّ العاملة الصينية لتنجح في إنجاز المشاريع الكبرى في هذه البلدان، لو لم تدعمها يد الفكرة القائلة: «العمل مهم مهما كان نوعه».

ومن يشاهد عمال الصّين يشيّدون المشاريع الكبرى في الجزائر، بينما يستند شباب الجزائر إلى الحيطان في كلّ ركن وزاوية، يجوز له أن يتساءل: «هل يملك الصينيون الأيادي، بينما يملك شبابنا مجرد الأصابع؟». كأنّ عمالنا يفتقدون إلى أياد، أو كأنّ أيادي عمالنا تفتقد إلى أفكار تحفّزها. أو كأنّ أيادي عمالنا مجرد أصابع ماسكة، بينما أيادي الصينيين صانعة.

إنّ فعالية الإنسان وحيوية الأفكار عاملان هامّان في إنجاح سير الأمّم نحو الحضارة، حسب مالك بن نبي. وانطلق بن نبي في استنتاجاته من تساؤلات صحيحة: «لماذا سرنا جنبا إلى جنب مع اليابان التي عانت من الاستعمار على غرار الكثير من الدول العربية والإسلامية؛ لكنّ اليابان وصلت في ظرف وجيز إلى أعلى قمم الحضارة؛ بينما لازلت الجزائر تتخبّط في سيرها وتتيه في دروبها؟»

وإذ أستعيد أسئلة بن نبي؛ فإنّني لا أبغي بسط التحليلات الاجتماعية التي طرحها صاحب «شروط النّهضة» في كتبه؛ بل أطرحها لأنّها لازالت تواجهني في جزائر 2015. فلا تزال جزائر 2015 تتخبّط في سيرها، ولا تزال جزائر 2015 تتحمّل تبعات انخفاض أسعار البترول في الأسواق العالمية. ولم تفلح الأنظمة المتوالية في بناء اقتصاد وطنيّ قويّ، يكفينا شرّ المسألة عند نضوب ثروة الذّهب الأسود. فلا يزال بيت لقمان على حاله، منذ عهد بن نبيّ إلى عصرنا هذا. ومهما تبدّل الرّؤساء وتغيّرت الحكومات وتنوّعت المحاولات وأنجزت المشاريع هنا وهناك، وخاصة على مستوى البنى التحتية؛ إلاّ أنّ الجوهر لم يتغيّر: لازالت الجزائر تتخبّط في سيرها، على غير بيّنة من أمورها في شتى مناحي الحياة.

مالك بن نبي في وسط الصورة

فهل يجوز أن نقول، وقياسا على ما قدّمناه آنفا: إنّ أزمة الجزائر أزمة إنسان وأزمة أفكار؟

تمتاز الجزائر بخلاف الكثير من دول العالم بوفرة الأشياء وغناها. فكم من آلات تستوردها الجزائر في كلّ المؤسّسات، إلى درجة أنّها تعاني التكديس لا الخصاصة. نفس الأمر بالنّسبة للموارد الطاقوية والمواد الأولّية، فالجزائر غنّية بالموارد الطاقوية: البترول، الغاز، الطاقة الشّمسية، وبالمعادن المختلفة، من حديد وذهب ومرجان، ضف إلى ذلك تنوّع التّربة وثراء الغطاء النباتي. ورغم غنى الأشياء؛ فلم يستطع الإنسان الجزائريّ صنع كينونات مبدعة من هذه الأشياء. فقد كدّست هذه الأشياء في أحيان كثيرة (آلات العمل في المصانع)، أو استغلت بطريقة سيّئة (المواد الأولّية)، أو أهدرت كينونتها بطريقة تافهة (التنوّع الترابيّ). فهل الأزمة إذن أزمة إنسان وأزمة الأفكار؟ نعم ولا في الوقت نفسه.

نعم لأنّ التركيبة الذّهنية للإنسان الجزائريّ أسهمت بشكل كبير في التّيه الذي تتخبّط فيه البلاد. ونقصد الملامح الآتية: الذّهنية الاتّكالية والمطالبة بالحقوق أكثر من القيام بالواجبات والانفعال الشّديد. كما إنّ الأفكار التي نشأ عليها الإنسان الجزائريّ قد أسهمت في تعميق أزمة الجزائر، ويلخّصها مصطلح «البايلك» الذي ورثناه من العهد التركيّ. ويدلّ مصطلح البايليك في معناه الاصطلاحيّ باللّغة التركية، على المنطقة(beylek)، وهي ثلاث مناطق قسّمت إليها الجزائر في ذلك العهد: بايلك الشّرق وبايلك الغرب وبايلك الوسط. وأصبح المصطلح بعدها يحمل دلالة العقار الذي يفتقد لملكية خاصة ويصبح ملكية للجميع، من بيوت ومساحات زراعية. ومع انتهاج الدولة الجزائرية للنّهج الاشتراكيّ بعد الاستقلال، وتوفيرها لخدمات مجانية في الصّحة والتّعليم والسّكن، أصبحت الدّولة الجزائرية هي «دولة البايلك». مما عزّز اتّكالية الفرد على الدولة وسطّحت قيمة الإبداع والابتكار، فاستوى العامل الرّديء والعامل الكفؤ في الأجر، وضعفت الإرادات، ورغب الكثيرون في الرّبح السّريع دون أدنى جهد.

ذهنية اتكالية ومطالبة بالحقوق

في الوقت ذاته، نجد أنّ هذا الفرد الجزائريّ الذي أسهم في تخبّط الجزائر في سيرها؛ هو ذاته الفرد الذي أسهم ويسهم بفعالية في بناء حضارة الّشرق والغرب وأمريكا؛ طبيبا في مخابر أشهر المستشفيات العالمية وأستاذا في أرقى الجامعات العالمية وصحافيا في أشهر القنوات الإعلامية العالمية. ولكم أن تتصفّحوا أسماء المخترعين في مجالات العلوم المختلفة، لتجدوا أسماء الجزائريين تتصدّر القوائم العالمية لبراءة الاختراع.

إذا كان الفرد الجزائريّ مسؤولا وغير مسؤول في آن عما تعيشه الجزائر من تيه وضلال، وإذا كان الفرد الجزائريّ هو الفاعل والمفعول به في الوقت نفسه فيما أصاب بلاده من تيه وضلال؛ فماهو العنصر الثالث الفاعل من وراء السّتار؟ ماهو الثالث المسؤول عن إنتاج أفكار الاتّكالية وخور العزائم؟ ماهو الثالث المسؤول عن انسحاب الأفكار الإبداعية والحيوية لصالح الرّتابة والرّداءة؟ أو لنقل سيرا على فكر بن نبي، ماهو الثالث الذي يحدّد نوعية الأفكار المنتشرة في بيئة ما؟ أفكارا حيّة أم أفكارا ميّتة أم أفكارا قاتلة؟ ما هو الثالث المسؤول عن إنتاج سلوكين متباينين للفرد الجزائريّ الواحد؟ السّلوك السلبيّ في الجزائر والسّلوك الإيجابيّ في الوسط الغربيّ أو المتحضّر بصفة عامة؟

إنّ الثقافة هي المسؤول الثالث عن إنتاج سلوكين مختلفين للفرد الجزائريّ الواحد في بيئتين مختلفتين. ووحدها الثقافة المسؤولة عن هيمنة أفكار معيّنة في بيئة معيّنة؛ فينتج سلوكا موحّدا لأفراد المجتمع الواحد. فما هو مفهوم الثقافة؟ وماهي الجهات المسؤولة عن صناعة الثقافة؟ ذاك هو موضوع تحليلنا في المقال القادم.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 – (ج1)

إنّ طبيعة الأسئلة التي يطرحها أيّ مجتمع أمام مشكل ما، ليكن مشكل البطالة مثلاً، تحدّد …

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم …