الخميس، 17 أكتوبر 2019

الأصدقاء المزيفون

رشيد فيلالي

في ميدان التّرجمة، أخطر ما يواجه المترجم المبتدئ ظاهرة لسانية يطلق عليها مصطلح «الأصدقاء المزيفون»(false friends)، أي ذلك النّوع من الكلمات التي تتشابه في الكتابة وحتى في النّطق أحيانًا، لكنها تختلف في المضمون والمعنى جذريًا، وكم من طرائف وقعت في هذا المجال وتسبّبت في ردود أفعال محرجة للغاية.

ومن أهم ما قرأت في هذا السّياق ما ذكرته الباحثة اللغوية المجرية الشهيرة كاتو لومب(Kató Lomb)، في كتابها الرائع «Polyglot»(الذي ألفته بالمجرية، وترجم إلى الإنجليزية. وهي للتذكير أصلا باحثة في علم الكيمياء!)، حيث أوردت فيه جملة من الأمثلة الحيّة والمثيرة، منها حادثة اتصالها بصديق لها من إسبانيا، بعدما ورد لها خبر عن إصابة والده في حادث مرور خطير، وتقول الدكتورة كاتو أنها سمعت في الهاتف صديقها يردّ عن سؤالها حول صحة والده بعد الحادثة بالقول:«Esperamos su muerte» وتقول أنها صدمت عند سماعها لهذه الإجابة، وأغلقت الهاتف فورًا ظنّا منها أن صديقها يقصد بعبارته: «إننا نتمنى موته!». وبعد تريثها وإعادة التّفكير مليًا في فحوى العبارة المذكورة، تبيّن لها أن المقصود بها حرفيا هو «إننا نتوقّع وفاته»، نظرا لخطورة إصابته، حيث أن فعل (esperar) الإسباني، رغم شبهه بالفعل الفرنسي (espérer)، الخاص بالتمني، إلا أنّه في الإسبانية يعني أيضا التوقع والاحتمال.

ومن الحوادث الطّريفة التي ذكرتها الباحثة المجرية أيضا، أن أحد السّياح الإيطاليين ذهب إلى إسبانيا، وفي الفندق طلب أثناء فطور الصّباح «زبدة»، فتعجّب منه النّادل وقال له بأن الأمر خارج نطاق قدرته، وكاد الحديث يأخذ منعرجا آخر، لولا تفطن صاحب المطعم إلى أن السّائح الإيطالي طلب زبدة وليس حمارًا، حيث أن كلمة (burro)، تعني في الإسبانية حمارا وفي الإيطالية زبدة!

وثمة في السّياق ذاته كلمات تتشابه تقريبا في النّطق، لكنها تختلف في المعنى كلية، مثلا كلمة (poco) الإسبانية التي تشبه كلمة (Beaucoup) الفرنسية إلا أن المعنى مختلف تماما، فهي في الإسبانية تعني قليلا وفي الفرنسية تعني كثيرًا، وكذلك كلمة (Muy)، تعني كثيرًا أو جدًا في الإسبانية، لكنها في الفرنسية تعني قليلا أو أقل (moins)، وكم من إيطالي وقع في حرج كبير حينما غازل شابة ألمانية بالقول أنها (calda e morbida)(أي دافئة وناعمة)، لأن معنى الكلمتين في الألمانية هو باردة ومريضة (kalt  و morbidität)، وكذلك هو الحال بالنسبة للفرنسي الذي يريد أن يُجامل امرأة إنجليزية بالقول أن أسنانها جميلة، موظفا في جملته كلمة (denture)، فهذه الكلمة الأخيرة تعني في الإنجليزية الأسنان الاصطناعية وليست الطبيعية، كما يُشاع أيضا في الفرنسية.

وذكرت الباحثة المجرية كاتو لومب، في كتابها المُشار إليه أعلاه، قضية لا تقلّ أهمية، وهي اختلاف المفاهيم في اللغات، بخصوص الرّتب والشّهادات العلمية وما إلى ذلك، إذ على سبيل المثال كلمة أكاديمي في المجرية، تعني المنتسب إلى أكاديمية العلوم أو هيئة علمية رفيعة من هذا النوع، بينما في الألمانية  كلمة أكاديمي(Akademiker) تعني الجامعي أو أي طالب عادي في معهد،  بينما الجامعة أو المعهد في الألمانية يسمى «هوخشوله،  Hochschule»، الذي يُقابله في الإنجليزية الأمريكية اسم (high school)، الذي يعني (الثانوية). وهذه المؤسسة التربوية الأخيرة في اللغة الألمانية يطلق عليها اسم غيمنازيوم (Gymnasium)، التي تعني في الإنجليزية «قاعة الألعاب الرياضية»، وهي كلمة مأخوذة من الإغريقية وأصلها(gymnos) التي تعني ببساطة.. العاري!.. فتأمل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …