الخميس، 29 أكتوبر 2020

شيفرة إيزابيل إبرهاردت

إيزابيل إبرهاردت

يتبرّج نصّ إيزابيل إبرهاردت عاريًا، كما تتبرّج الصّحراء بلا خجل بمفاتنها المكانية أين تتمدّد في جغرافيتها المكشوفة نحو الشّمس، عن سيوف رمالها، وأغماد وديانها وهضاب كثبانها، وأوتاد جبالها، وامتداد سهولها الحافية، تزيّنها نباتاتها البرية القصيرة وأغصان أزهارها المشتّتة، وحصى دروبها التّائهة، وأطياف قوافلها، وسراح قطعانها ولمح غزلانها، وحوم قطاها وحجلها، وهجر طيور الزّرزور فيها…

إيزابيل إبرهاردت (1877 ـ 1904) اختارت حياة التّرحال والمغامرة والتّنقل المستمرّ خلف السّراب، فعبرت المدن والبلدات وتاهت في دروب الصّحراء الرّملية، في رحلة نحو شمس الجنوب، عُرفت بسفرها الدّائم وحبّها للصّحراء والحياة البدوية في جنوب الجزائر، وارتدائها لأزياء الفرسان العرب، وإتقانها لمجموعة من اللغات، فجابت الصّحراء حتى «السّاورة» جنوبا، إلى أن تُوفيت بمدينة العين الصّفراء في فيضان 1904، ودُفنت في الأرض التي أحبتها ودافعت عنها، ونقلت أفراحها وآلامها وفلكلورها، وتركت مجموعة من المقالات والقصص وملاحظات السّفر، جُمعت في كتب، أهمها: «ملاحظات الطّريق» (Notes de route) و«في ظلال الإسلام الدّافئة» (Dans l’ombre chaude de l’Islam).

في ظلال الإسلام الدّافئة

إن إيزابيل وجدت ذاتها في الصّحراء، في مغامرة السّفر على دروب الجنوب التائهة، للبحث عن الحرية والصّفاء والأمان النّفسي، بعيدًا عن مدن الصّخب والكآبة وعبودية العمران وحدود المسافات… ووجدت في السّرد وسيطا أمينا لنقل هويتها وهوية مكانها الصحراوي، لأن «الخطاب يُشير إلى من يتكلم به  في الوقت نفسه الذي يُشير فيه إلى العالم»(بول ريكور)، فحدّدت هدفها وغايتها ببساطة، مع ذلك الغموض والأسطورية في حياتها، الغموض الذي يُناسب غرائبية الصّحراء ويُناسب خصوصيات المرأة. «ما أنا إلا امرأة غريبة الأطوار حالمة تريد أن تعيش بعيدًا عن العالم المتحضّر في حياة حرّة بدوية، ثم تحاول بعدها وصف ذلك»، كتبت في «عودة العاشق المنفي»، فصبغت نفسيتها العاشقة للصّحراء وأحاسيسها المتعاطفة مع الحياة البدوية بأصباغ المكان الصحراوي.

في ظلّ واقع كولونيالي استيطاني استعبادي، أراد أن يُهيمن على المكان والإنسان، ويُمارس قهره على هامش الحياة، بعيدًا عن أي رقابة أو محاسبة، ويفرض على الصّحراء نمطه الحياتي المهيمن، عبر عملية تجهيل، مارس سياسة العبودية على أهل الصحراء،  فكان النّص السّردي وحده ينقل صوت الحرية والفرح والمعاناة من مكان ضائع خلف المكان المنظور، ويمنحنا فرصة تخيّل الواقع يومها من خلال هذا النّص، وهنا تكمن أهمية النّص السّردي عند إيزابيل، وأهميّة النّص السّردي في حقيقة شخصيتها أمام أيّ محاولة لتشويهها، فالنّص هنا هو شهادة سردية وإعلاميّة لأنه موقف ومنظور كاتبه…

ملاحظات الطّريق

سطوة المستوطن الأجنبي التي ظهرت في حياة الفلاحين ومعاناتهم ومصادرة المزارع سردتها إيزابيل، في أكثر من قصة ومقال. «ها قد حانت عملية نزع الملكية، حيث تمّ اللجوء إلى تحقيق طويل وغامض حول الحقوق الشرعية لكلّ فلاح في الأرض التي يشغلها»(ياسمينة وقصص أخرى)، وهكذا تحوّل الفلاح من مالك إلى عبد كما تحوّل حال «عاشوري» في قصة «مجرم»، فتحوّلت حياة الفلاحين كما وصفتها الكاتبة في «في ظلال الإسلام الدافئة» بالحياة التعيسة.

وكذلك، عانت المرأة من الواقع الكولونيالي، وكانت أكثر الأطراف تضرّرا، إذ شملها أسلوب الرعب. «كان هنا العرب مجبرون على تحية الضّباط مثلنا نحن العسكر؟ نعم كل الضباط، وإلا فالضرب والسّجن… كان الملازم يجبر حتى النّساء على تحيته.. نعم النّظام العسكري قاس وفظيع».. إنه الواقع الصّحراوي البعيد عن المنظار البشرس، سوى من كاتبة مغامرة، تملك شيئا من الجرأة والحسّ بمعاناة الإنسان.

كانت إيزابيل مندمجة في الواقع العميق للشّعب الجزائري، وعايشت الكيان الاجتماعي للجزائريين، وتأثّرت به، ودافعت عنه، وفي وقت كانت الشّعوب المقهورة تعيش على هامش الاهتمام الإعلامي، حاولت كشف حقيقة ما كان يجري من خرق للقيّم الإنسانية وبشّرت مبكرًا بإخفاق مشروع القهر، ونقلت واقع صراع بين قوة احتلال قاسٍ ومقاومة شعبية، بقيادة الشيخ بوعمامة، وقبائل الصّحراء، في ظرف إعلامي فرنسي مُضلّل، وغياب لأي شاهد، ورغم وصف الإعلام الفرنسي الواقع بالسّهل والطيّع فإن «إيزابيل» كانت الشّاهدة الجريئة التي أبرزت وجه الحقيقة وواقع الحال، وفضحت أسلوب الرّقابة الاستعمارية، «فأسلوب الرّقابة وطريقة المقصّ أصبحت سارية المفعول ضد البرقيات الخبرية، وهذا تجنبا لتسرب هاجس الاسم الذي ملأ، منذ 25 سنة، صدى الجنوب الوهراني، الاسم القديم أصبح أسطورة والذي طرق بغرابة مقلقة الواقع هنا إنه بوعمامة»(مجلة العربي،ع 558، 2005). إنه الخطّ الذي رسمته لنفسها في كتاباتها، وهو الدّفاع عن الأهالي الجزائريين.

تأتي إبداعاتها لكي تُرجّح الجدل التاريخي لصالحها، إن أهمية النصّ الأدبي تكمن في قيمته التاريخية والأيديولوجية، لأن وجهة النّظر في النصّ الأدبي تتجاوز البعد اللغوي والجمالي، لأن «وجهة النّظر هي الخالقة للموضوع كما أكد سوسير وليس العكس كما هو سائد عند قطاع واسع من باحثينا»(سعيد بنكرّاد)، فاختيار المضامين ينمّ عن وجهة نظر وموقف قيمي، لقد قدّمت الكاتبة نصوصا سردية تحمل وجهة نظر منحازة إلى الناس، وتنقل واقعهم الاجتماعي كما هو، بعيدًا عن الدّعاية الاستيطانيّة.

صورة أخرى للكاتبة

قامت إيزابيل بتصوير الواقع الجزائري المنكوب بوجود الاحتلال، في مجموعة من القصص، صوّرت فيها أساليب الاحتلال وممارساته القمعية والاستيطانية، منها قصة «فلاح» وقصّة «مجرم»، وعملية اغتصاب الأراضي من مُلاكها الأصليين. «كان الفلاحون يتكلّمون قليلا مهمومين، خلف هيئاتهم المنقبضة والمنسحقة، كانوا سيدفعون لهم قبل طردهم النّهائي، المكتسبات التي راحوا يعدونهم بها، هم الفقراء والبسطاء» كتبت في قصّة «المجرم». وهكذا تُصوّر القصّة كيف تحوّل الفلاح، صاحب الأرض من مالك إلى خادم (خمّاس)، مقهـور ومسترقّ عند المعمّر الغريب. «وجد عاشوري نفسه في الفاقة التامة بعد أن نفد ثمن مواشيه، فعمل مستخدما في مزرعة للسيد “غيَار” و هو المستعمر الذي ملك القسم الأكبر من الأراضي» أضافت. فحالة الفلاح كانت حالة عامة، كما وصفتها الكاتبة في موضع آخر. حياته الرتيبة والحزينة تُشبه حالة الطرق الترابية في بلده، بلده المنكوب بحالة الاحتلال ونظامه القمعي العنصري، ولم تُخف إيزابيل موقفها المعلن منه سواء في مقالاتها الصّحافية كما في نصوصها السردية.

في قصة «النّقيب» تكشف تصادم هذا النّظام مع النزعة الإنسانية بما في ذلك لضمير الفرنسيين غير العنصريين، فمن خلال شخصية المجند «جاك» المعترض على طريقة التّعامل العسكري للأهالي وإذلالهم. «لماذا يحكمون الناس بالترهيب والترغيب؟ لماذا يستلهمون ممارساتهم من الخوف الذي ما هو سوى شكل من الاشمئزاز والنّفور من الوحشية؟ لماذا الاعتماد المطلق على الخضوع الأعمى والانصياع؟ أسئلة كثيرة كان يطرحها جاك وبصراحة فإن النظام القمعي كله يسير فيه التمرد وبهذا لا يمكنه تبنّيه» كتبت إبرهاردت. وبرمزية تنقل الخاص إلى العام  في قصة «ياسمينة».

تُصوّر في قصّة «ياسمينة» حالة العشق بين المجنّد الفرنسي والفتاة الجزائرية تصويرا يوحي بالعلاقة بين الاحتلال والبلد المغتصَب، فعلاقتهما المستحيلة تنتهي بالفشل وصوت الضّمير الإنساني يبقى يُطارده «كلّ أسبوع عندما يقترب يوم الأحد، كان «جاك» يحدّث نفسه، بأنه يتصرف تصرفا شريرًا وأن واجبه يقتضي أن يترك هذا المخلوق البريء في سلام، فلا شيء يجمع بينهما وهو بالتالي لا يزيدها إلا معاناة» تقول الكاتبة. فكانت قصّة رمزية تختزل اضطراب العلاقة بين المجتمع الجزائري ونمط الحياة الفرنسي.

وبذات الحقيقة والرّمزية، بحبكة سردية مختلفة، تُصوّر حالة «تاسعديت» ضحية تقاليدها القهرية، ومحاولة اغتصابها من أحد الضباط في «الوادي»، كان «يحترف كره العرب  يحتقر كل المدنيين المؤتمرين بإمرته، ويرعب أبناء الماعز وكل من يلبس البرنس الرثّ…أصبح إذن «دي لافو» القائد الوحيد الحقيقي «الحاكم الكبير» الكلّ يخافه حتى الفزع، الكل يخدعه عند الإمكان، وإذا أراد الله ستلقاه يوما رصاصة خلف أحد الكثبان» نقرأ. فقاومت «تاسعديت» كما كانت تُقاوم الصّحراء بعنفوان رمالها وصبر فرسانها وكبرياء نخيلها. «دافعت عن نفسها بأسنانها وبأظافرها فلم يقدر على الاقتراب منها وعند منتصف الليل أمر بإعادتها إلى السّجن غاضبا».

أفيش فيلم إيزابيل إبرهاردت

كل قصّة من قصص إبرهاردت يتداخل فيها الواقع بالخيال، والتاريخ بالحكي، والمنظور بالمضمون، والأدبي بالسوسيولوجي وشعرية الوصف وجمالية السرد بالتقرير الخبري، دون إخلال بروح القصة وسحر قراءتها، فيحمل السرد عندها ما حملته المراسلات الصحافية والملاحظات اليومية، تقول مدافعة عن نفسها أمام حملات  التشويه: «لست متعاطية للسّياسة، ولست جاسوسة لأي حزب كان، لأنهم بالنسبة لي كلهم مخطئون في تخبطهم هذا، ما أنا إلا امرأة غريبة الأطوار حالمة تريد أن تعيش بعيدًا عن العالم المتحضر في حياة حرّة بدوية، ثم تُحاول بعدها وصف ذلك».

وقد تفاعلت لغتها باللغة الشعبية إلى حدّ دمج المتداول الشّعبي في نصوصها باللغة الفرنسية.

وأحصى لها «محمد رشد»، في كتابه «إيزابيل إبرهاردت، السّفر الأخير»(1991)، مئة كلمة من اللغة الدارجة في كتابها «في ظلال الإسلام الدافئة»، كما تفاعلت مع الحياة الصحراوية بلباسها وطريقة حياتها وممارسة طقوسها الطرقية وزياراتها للزوايا، وحبّها للبلدات الجنوبية ودقّة وصفها لمشارفها ومنازلها وحياة النّاس فيها.

إن نصّ إيزابيل إبرهاردت يبقى شاهدًا لكل دلالة يتقبلها انفتاح النص، كشاهد قبرها وأطلال بيتها بالعين الصفراء أو الوادي، أو أمكنتها السردية من الجزائر العاصمة إلى بوسعادة إلى زاوية القنادسة، أو قصص نسائها البدويات أو سحر مشاهدها الصّحراوية بقوافلها، وكثبانها  ودروبها ونباتاتها، ونايات رعاتها، وسكون زواياها، وروايات العشق والخوف فيها)مجلة حوليات، جامعة بشار(.

إن هذا الواقع الذي أوحت به نصوص إيزابيل لم ينسها أن تترصد مكامن الجمال الذي يُهيمن على الصحراء، ويُزيّن الأنوثة الصّحراوية، والجمال البدوي، لم يكن جسدا مكتنزًا للأنوثة فقط، وإنما تراثا من الوعي النسائي، كما وصفت إحدى بطلاتها: «هذه المرأة التي بإمكانها أن تُثير شعور الرجل مهما كان مرهقا أو مثقفا لأنها لم تكن جسدا للشّهوة فقط وإنما تحمل في رأسها المحجبة أفكارًا و في روحها عالما من الانفعال». وعليه فإن حضور المنظور المنحاز للصّحراوي في النّصوص السّردية عند إيزابيل إبرهاردت هو حضور لموقف الكاتب وشخصيته في النّص السردي، بما يفتح الآفاق لدراسة هذه النّصوص من منظورات متنوّعة ومتعدّدة، تكشف حقيقة إيزابيل إبرهاردت.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …