الخميس، 18 أبريل 2019

الفرنسية وعقدة السلفية اللاتينية!

رشيد فيلالي

من الطّريف أن نعلم بأن القراءة في العالم الغربي قديما كانت تتم جهرًا فقط، وهذا لجملة من الأسباب، ربما في مقدمتها محاولة فهم ما هو مكتوب، على اعتبار أن الكتابة باللغات الأجنبية كانت متلاصقة وليست مفكّكة، كما هو الحال اليوم، بمعنى أن الكلمات كانت متلاصقة من دون وجود فراغات تفصل فيما بينها، وقبل أن تخترع في عصر النّهضة، مع اختراع المطبعة، أدوات التّرقيم (signes de ponctuation)، التي ساهمت قطعا في الفهم الجيّد للنصوص المكتوبة، وكان القديس سانت أوغيستن، قد ذكر في «اعترافاته»(القرن الخامس للميلاد) على أنه تعجّب لما رأى أستاذًا له يقرأ سرًا، فقال بأن هذا الأمر عجيب فعلا، لكنه يبدو محمودًا وطيبًا.

يحدث هذا رغم أن القراءة في العالم العربي كانت موجودة بصيغتيها السّر والجهر معًا، ونلمح ذلك بجلاء في أداء الصلوات مثلا، فضلا عن تلاوة القرآن الكريم التي عادة ما تتم جهرًا، ووفق شروط مضبوطة ومحكمة، ويمكن في الوقت نفسه القراءة سرًا لا فرق.

والجدير ذكره ضمن هذا السّياق أن اللغة الفرنسية في عصر النّهضة عرفت موجة كاسحة فيما يخصّ التأثر باللغة اللاتينية، إلى درجة لا تصدق، وهو أمر غريب فعلا، إذ في الوقت الذي من المفروض أن يكون النهوض والإصلاح بغربلة القديم والاهتمام بالجديد وتطويره، جاءت النّهضة الفرنسية والأوروبية عموما بالعودة إلى الماضي السّحيق، ومحاولة بعثه من جديد وبالكثير من الحماس الفيّاض والتّطرف العجيب، ومن الأمثلة على ذلك أن درجة التّأثر بكل ما هو لاتيني (ويوناني أيضا) مسّت جميع قطاعات الحياة الأوروبية، ولنتصوّر مثلا أن أسماء النّاس تمّ «ليتنتها»، فتحوّل اسم«Jacques Dubois» إلى«Jacobus Sylvius, 1478-1555»، ومعروف أن هذا الرّجل هو صاحب الفضل في وضع الكثير من أدوات تشكيل الأبجدية الفرنسية، وهذا لكي تتوافق الأبجدية اللاتينية، الفقيرة جدًا من حيث الأصوات، مع تهجئة الكلمات الفرنسية التي أثقلها الخطّاطون بالحروف الزائدة، من باب الهوس بربط أصول هذه الكلمات بالكلمات اللاتينية القديمة، حتى ولو كان ذلك مبنيًا بطرق اعتباطية بحتة (مثلا اسم الأديب المعروف مونتان Montaigne، تم إضافة حرف i له خطأ كي ينطق مثل كلمة Compagne، وليس مثل اسم اللغة الإسبانية Espagnole).

الطّبيب و اللغوي جاك دوبوا

المهم أن السيد جاك دوبوا رغم تطرّفه وانسياقه مع موجة التأثر الكلّي باللغة اللاتينية، على الأقل يحسب له الفضل في ابتكار أدوات تشكيل الحروف الفرنسية ومنها:l’apostrophe, l’accent circonflexe, le trema. وفي الحقيقة أن هذا اللغوي الشّاطر كانت مهنته الأساسية الطّب، تماما مثل زميله الشهير إيميل ليتري(Littré Émile)، مؤلف القاموس الضّخم والثّري جدًا الذي يحمل اسمه، وطبعا تولى آخرون اختراع أدوات الشّكل الأخرى، مثل: l’accent aigu روبير إتيان، و grave l’accent: الكاتب الشهير بيير كورناي Corneille. وكل هذا في الحقيقة الهدف منه أن يتوافق ما هو مكتوب مع هو منطوق.

لكن، كل ذلك أدخل الفرنسية في متاهات جعلت منها لغة عصية عن التعّلم، وتسببت في تراجع منظومتها التربوية، عكس ما هو حاصل في دول أوروبية عديدة.. فتامل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …