الجمعة، 23 أغسطس 2019

المثقف العربيّ وشبكة العنكبوت السّلطوية

سامية بن عكوش

السّلطة حسب ميشال فوكو في كلّ مكان، وفي الوقت نفسه لا تظهر في أيّ مكان. هي ذات طابع نورانيّ، تتوغّل في الفكر الذي يسبق، أيّ فكر «التصوّرات»، في الخطابات التي يتوهّم المتكلّم أنّه ينتجها، في الموضوعات المعرفية التي يهتم بدراستها، في ما يعتبره صحيحا وخاطئا «نظام الحقيقة».
السّلطة منتجة للأفكار وللرّغبات، وحتى للأجساد في التكنولوجيات الحديثة المتحكمة بالسّكان، من خلال تصنيفهم وإنجاز التقارير الصحّية عنهم. للسّلطة تكتيكات واستراتيجيات ميكروفيزيائية، في شكل دوائر متداخلة متوغلّة في كامل الجسم الاجتماعيّ، حسب فوكو(1926-1984). هذه الاستراتيجيات رصدها فوكو في كتبه «المراقبة والعقاب»، «تقنيات اللّذة» و«استراتيجيات الذّات».
أمام استراتيجيات السّلطة وتكتيكاتها، يقع الإنسان حتما فريسة في شبكتها السّلطوية؛ كما تقع الحشرة في شبكة العنكبوت.
يقرّ إدوارد سعيد(1935-2003) بأنّ السّلطة تتمطى بصلبها، على كامل الجسم الاجتماعيّ، ويقرّ أنّها استراتيجيات وتكتيكات وليست تحيّزات، لهذا لا يمكن حصرها وتفكيكها بسهولة، مثلما أشار إلى ذلك فوكو. لكنّه يعتبرها ذات طبيعة تراتبية، بخلاف فوكو الذي يعتبرها ذات طبيعة متحايثة. فمثلما أنّ شبكة العنكبوت لا تنسج بغير عنكبوت، فكذلك السّلطة حسب إدوارد سعيد، يبدأ مفعولها من أعلى هرم في السّلطة، الحكومات والدوّل. فلا يمكن استبعاد مسؤولية الدول الغربية – مثلاً – فيما حدث من حملات استعمارية في القرنين الماضيين، في الشّرق وشمال أفريقيا وأمريكا الجنوبية. ولا يمكن تبرئة هذه الدّول ممّا خلّفته من استبداد ودمار بعد انجلائها، فالمسؤولية التّاريخية واضحة الآثار، على الإنسان المستعمِر وعلى الجغرافيا المستعمَرة. ولا يمكن أن نستبعد في عصرنا – سيرًا على فكرة إدوارد سعيد – تواطؤ الحكومات الغربية، مع الشّركات الصّناعية الكبرى التي تتكالب على موارد النّفط، في بلدان ما يسمّى الرّبيع العربيّ.
يركّز ميشال فوكو في الصّورة الاستعارية للسّلطة، على الشّبكة وحتمية سقوط الحشرة فيها. بينما يوسّع إدوارد سعيد من الصّورة، لتشمل العنكبوت، صانع الشّبكة. يرّكز فوكو على الشّبكة، ليكون أقصى جهد النّاقد أن يصف الشّبكة، وكيف تمتدّ في جغرافيا الأذهان والأجسام والعيان. ويشير إدوارد سعيد إلى العنكبوت، لأنّه يعدّ الإنسان الذي يشرف على السّقوط، أو الذي سقط فعلا في الشّبكة للمقاومة.
فكيف يمكن للمثقف مقاومة السّقوط في الشّبكة؟ أو محاولة الخروج من الشّبكة، بالمقاومة بعدما يسقط فيها؟
كيف يقاوم المثقف العربيّ العنكبوت ونسيجه؟
لا يعدّ المثقف ذلك «السوبرمان» الذي يتدخّل في كلّ أزمة إنسانية، ولا ذلك الطبيب الذي يُقدّم أجوبة لكلّ أسئلة الرّاهن المرّ. ولا تشي غيفارا زمانه الذي يقول أنّ لا وطن له، وأنّ كلّ وطن فيه ظلم هو وطنه، فانتقل بين الأوطان ثائرا في وجه الحكومات الظالمة. زمن التعدّد ولّى، وميشال فوكو بذاته قال عن دور الفيلسوف، كصورة عليا للمثقف، أنّ أقصى ما يستطيع فعله أن يجعل حياته أقلّ صعوبة. بإمكان المثقف فضح الاستبداد والتسلّط أينما كان، لا أحدّ يعقد لسانه. فعليه أن يقف معارضا للسّلطة في بلده، لأنّه أينما كانت السّلطة تولّد التسلّط، ونتجت كلّ أشكال النّبذ أو الهيمنة. فإن اقترب من مراكز السّلطة في بلده، انصهر وحدثت له الهيمنة بطريقة ناعمة، فكما أنّ السّلطة، في أيّ بلد، تنجح في الهيمنة على عقول الشّعب، بأن تجعلها قابلة بالاستبداد والتسلّط، كما أشار إلى ذلك أنطونيو غرامشي(1891-1937) في كتابه «مذكرات السّجن»، فما بالك بالذي يدخل عرينها.

ميشال فوكو

لن يستطيع المثقف أن يعارض كلّ أشكال السّلط، مثلما أنّ الحشرة التي تريد الخروج من شبكة العنكبوت، فلن تستطيع تمزيق الشّبكة كلّها، ودفعة واحدة. يمكن للحشرة أن تبدأ بتمزيق الشّبكة، خيطا خيطا، إلى أن تصنع ثغرة للانفلات، من خلال الموقع الذي سقطت فيه.
الأمر نفسه بالنّسبة للمثقف، فبإمكانه مقاومة السّلطة، في موقعه، أستاذا في جامعة أو مفكرًا في مجموعة فكرية، أو مناضلا في حزب سياسيّ، أو ناقدا حرّا، غير منتسب إلى أيّ جمعية أو فئة فكرية. فباعتبار التعليم كما يقول ميشال فوكو هو الوسيلة البيداغوجية لتطبيق السّياسة في أيّ بلد، أي خلق الأفراد المهيمن عليهم، وذلك من خلال البرامج وموضوعات المعرفة، وآليات الوصول إلى الحقيقية التي تطبّقها، فإنّ مهمّة الأستاذ، وخاصة في مستوى الجامعة، الحرص على تكوين أفراد متحرّرين من أيّ سلطة وهيمنة، بتمارين التفكير الحرّ، وأعلاه التفكير الإبداعيّ. فكم من أستاذ في الجامعات العربية، يحرص على تنمية الخيال الخلاّق والإبداع والابتكار في الوطن العربيّ؟ يكفي استعراض ترتيب الجامعات العربية مقارنة بالعالمية، لنعلم أنّ جامعاتنا تغطّ في الرّتابة والنّمطية والاجترار لأفكار الغير.
بإمكان المفكر مقاومة السّلط أيضا، بأن يكون ولاءه الأوّل والأخير للحقيقة المتغيّرة والمتعدّدة، لا للعقيدة الفكرية التي ينتمي إليها. لأنّ مذهبه الفكريّ يجعله يرى الحقيقة وفق إرادة الحقيقة التي يفرضها الولاّء المذهبيّ، لا الحقيقة الإنسانية المتعدّدة والمتغيّرة. وإنّ ولاءه المذهبيّ يجعله يختار موضوعات معيّنة للمعرفة، ويستبعد أخرى وفق إرادة المعرفة التي يفرضها انتماؤه المذهبيّ. وكم شاهدنا ونشاهد المرّة تلو الأخرى، حروبا بين المفكرين العرب، أساسها الاختلافات المذهبية التي تصل حدّ الخلاف. وقد يضيّع هؤلاء فرصًا تاريخية للالتقاء حول الجواهر المشتركة، مثلما هو حال الصراع بين العلمانيين والإسلاميين في الوطن العربيّ.

إدوارد سعيد

بإمكان المناضل السّياسيّ مقاومة السّلط، بدءًا بحزبه، بأن يُقاوم ما يسمّيه سادتنا الصوفية غريزة السّطوة التي تدخل في طبيعة أيّ كائن إنسانيّ. فلا يقبل التسلّط على أفراد حزبه الآخرين، ولا أن يستبدّ برئاسة الحزب لعقود متتالية، وهو يناضل لأجل التداول على السّلطة، ويندّد بالتوريث أو تجديد العهدات للرّؤساء في الوطن العربيّ. ولا يمكن أن يتحالف المناضل السّياسيّ مع الديكتاتوريّ، أو يتواطؤ بالصّمت على أفعاله، فقط ليكتسب قوة ضدّ ندّه السّياسيّ. يجب أن يظلّ المناضل بعيدًا عن السّلطة، كما يقول إدوارد سعيد. فما أن ينخرط في استراتيجياتها، إلا وينحلّ ويحرق نضاله، مثلما تحترق فراشة اللّيل، وهي تقترب من منابع النّور.
بإمكان المثقف، وهو أدنى درجة من المفكر والفيلسوف والأديب، أن يُقاوم السّلطة، بأن ينزل من برجه العاجيّ، إلى ميادين الحوار الحيّ والمباشر مع عموم النّاس. فمهمّة المثقف مخاطبة الجمهور، أيّا كان الجمهور، رئيسا أو ندّا سياسيا أو عموم النّاس. ينخرط المثقف الواعي في أحداث عصره، ويعبّر عن آرائه، مهما كلّفه الأمر. ويستعمل وسائط التواصل الاجتماعيّ ومنتديات الأنترنيت، إن عزّت عليه السّاحات العمومية في البلدان العربية الديكتاتورية. يردّ عليّ أحدكم: إنّ مصير هذا المثقف، هو القتل كأقصى العقوبات أو السّجن كأدناها أو النّفي كأوسطها!.. أردّ بمقولة تشي غيفارا المشهورة: «لا يستطيع المرء أن يكون متأكّدا من أنّ هنالك شيئا يعيش من أجله، إلاّ إذا كان مستعدًا للموت في سبيله».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سوسيولوجيا الفشل والنّجاح في جزائر 2015 – (ج1)

إنّ طبيعة الأسئلة التي يطرحها أيّ مجتمع أمام مشكل ما، ليكن مشكل البطالة مثلاً، تحدّد …

الجزائر وأغلال الجغرافيا المتخيّلة

لا يمكن الحديث عن الجغرافيا بمعزل عن الثّقافة والسّياسة، ففي أيّ حيّز جغرافيّ تظهر ثقافات وترتسم …