الأربعاء، 17 يوليو 2019

في الجزائر.. أطفال بلا أسماء

أمال زعيون

زواج بدون توثيق ثم أطفال بلا هوية

من أي طينة هذا الأبّ الذي لا يعترف بأبناء له، من زوجة اقترن بها في الحلال!

كم ستكلّفه وثيقة مقارنة بالمستقبل الضّائع الذي بناه لأبنائه ولزوجته!

غريب أمر هؤلاء الرّجال، الذين يفضّلون الزّواج حسب شروط الدّين ويرفضون القيام بتوثيقه مدنيا. والأغرب من ذلك أنهم ينجبون أطفالا من زوجاتهم دون إعطائهم لقب الأب، وفي لحظة ما ما يقرّرون أنهم ليسوا أبنائهم ولا تلك النساء زوجاتهم.

يُحيرني كثيرًا تفكير هؤلاء وسهولة اختلاقهم للأعذار من أجل الهروب من المسؤولية، غير مدركين حجم الجريمة التي يقترفونها. ولكن، الزّوجة ليست بمنأى عن تحمّل جزء من المسؤولية كذلك. كيف لها أن تقبل بوضعية كهذه، وأن تستمر في التّقليل من شأنها، والقبول بأن تُهان كرامتها لهذا الحدّ! إن قبلت العيش في مثل الذلّ فعلى الأقل لا يجدر بها أن تقبله لأطفالها!

صحيح أن نساءا كثيرات مغلوبات على أمرهن، فمنهن من يجبرهن أهلهن على الزّواج من أجل تحقيق مصالح مع الزّوج، أو هروبا من ضغط المجتمع، والتّخلص من صفات عانس أو مطلّقة أو أرملة. فيعدها العريس بتسوية وضعيتها المدنية بعد الزواج ويستمر في تمثيليته إلى أن يملّ. غيرأن المشكل الآن والذي صرنا نراه منتشرًا بكثرة هو حجة الشّرع. فهناك من يتحجّج بالدّين لتشريع العلاقة الحميمة مع خطيبته، بعد قراءة الفاتحة الشّرعية خلال الخطوبة. لن ننكر أن الكثير يعدانهما زوجان شرعًا، وقد يكون رأيهم محقًا، لكن حين تتم الدخلة، بشكل سريّ، من دون أن يعلم أحد فلابد إذن من وجود خطب ما، لأنه بطبيعة الحال، في مجتمعنا الجزائري، لا نقبل أن تتم العلاقة الحميمة بين مخطوبين إلا بعد انتقالهما للعيش معًا، وإعلان ذلك في زفاف وتوثيقه مدنيا.

من المهم جدًا أن يفكر كلاهما في عاقبة فعلتهما، فمن شروط الزّواج – حسب الدّين – هو العلنية، وهما في هذه الحالة لم يعلنا سوى الخطوبة. فإن حدث وحبِلت المرأة قبل الزفاف، كيف سيتعاملا مع الأمر! وبالنسبة للمرأة، ما العمل إن توفيّ الخطيب فجأة أو قرّر لسبب ما فسخ الخطوبة! ففي نظر عائلتها هي ما تزال عفيفة، وحتى في نظر القانون، لن تجد دليلا على أن ذلك الشّخص هو والد ابنها إن لم يعترف به بنفسه. وحتى الشّاهدان اللذان حضرا قراءة الفاتحة لن يتمكنا بالشّهادة سوى بما حضرا له، فهما لا يستطيعان أن يشهدا بزواج ينقصه شرط العلنية إذ لم يتم الإعلان عنه، لا عن طريق الزّفاف ولا من قبل أهلهما بل اقتصر الاعلان على جعل الخطوبة رسمية.

نساء كثيرات مغلوبات على أمرهن

لن أتعمّق كثيرًا في أمور الدّين ولا في مسائل القانون، فهناك من هو أهل لذلك أكثر منّي. كما هنالك من يرى هذا المشكل بسيطًا والحلّ هو توثيق الزّواج مدنيا بالتّزامن مع قراءة الفاتحة الشّرعية وهو تحديدًا ما ينصّ عليه قانون الأسرة الحالي، الذي يجبر الأئمة عدم تزويج أي شخصين دون وجود عقد زواج مدني مسبقا، إلا أن الواقع مختلف، فالكثير منا لا يحترم هذا النّص القانوني، سواء كان ذلك استهتارًا أو تمسكا بالتّقاليد أو خوفا على المرأة من أن تُعد طالقا دون أن تستهلك زواجها في حال إبطال الخطوبة، وغالبا ما يكون تحجُجا بالدّين والإكتفاء بالفاتحة.

القضية إذن لا تتعلق بإجبارية توثيق عقود مدنية للزّواج بل بعقلية الأفراد ممن يتشبثون بأعذار واهية أو يحاولون التّملص من مسؤولياتهم الزوجية أو الأبوية والتلاعب ببنات العائلات. فهؤلاء لا يهمهم سوى تعدّد الزّوجات وعدم السّماح لأبنائهم الجدد تقاسم الإرث مع أخوة لهم، أو بكل بساطة إشباعا لرغابتهم الجنسية، دون التّفكير في المصير المظلم الذي حكموا به على ضحاياهم. قد لا نستطيع إيقاف هؤلاء عن استغلال الزواج الذي قدّسه الله، ولكن على الأقل يمكننا توعية أبنائنا بأن الزّواج هدفه تكوين أسرة وليس فقط حجّة لتحقيق أغراض شخصية.

ومهما كان السّبب، فلا شيء يبرر وجود أطفال شرعيين لا يحملون أسماء آبائهم. ولا عذر يمكن أن يُصحّح وضعية امرأة متزوّجة شرعا بشخص إلا أنها لا تملك أي عقد يثبت ذلك. هي حالات نشاهدها بيننا ونراها تتكاثر دون أن تطرأ على بالنا أن الشّيء نفسه قد يحصل مع واحدة من بناتنا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرمزية

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرّمزية

ما حدث أمس، في الحراك الشّعبي، من صراع بين قوّات الأمن والمتظاهرين السلميين، حول سلالم …