الأربعاء، 26 فبراير 2020

أسرار مُحيّرة للغة والأدب الفرنسيين!

رشيد فيلالي

قد يتصوّر البعض أنني اخترت العنوان أعلاه، لهذا اللغز اللغوي الجديد، فقط من أجل الإثارة وجذب الانتباه، وأعترف مبدئيا بأن هذا الافتراض صحيح.. لماذ؟ لأن الموضوع في تصوّري خطير وجدير بجلب انتباه القراء والمهتمين، ولا سيما من غير المختصين والمطلعين كفاية على تاريخ اللغة والأدب الفرنسيين، حيث قطعا سيتفاجأ الكثيرون بما سأتطرّق له في السّطور القادمة في هذا الشّأن، ومنهم من قد يعتبره مجرد خيال أو ضرب من الوهم وقعت فيه وأردت أن يشاركني آخرون أوهامي وتخاريفي، لكن.. (وأضع خطًا تحت لكن هذه)، الأدلة الموثوقة جدًا التي سأسوقها ستضع حدا لهذا الاتهام، وستؤكد بما لا يدع مجالا للشّك والرّيبة صحة ما أعرضه، الشّيء الذي يحتاج في هذه الحالة إلى إعادة النّظر في الكثير من مواقفنا حيال اللغة والأدب الفرنسيين وما ترتب عن ذلك من أحكام متطرفة يقع فيها فرانكوفونييون – عندنا – تجاه اللغة العربية (مثلا) عن قصد أو عن جهل، لا فرق..

البداية..

سؤال: هل اللغة والأدب الفرنسيان مغشوشان؟.. كيف؟ هذا سؤال غريب ومبهم، ثم ما هو المقصود بكلمة مغشوشان؟ الإجابة بسيطة، أي بعبارة أوضح، إن ما كتبه مثلا راسين وموليير وجون جاك روسو وحتى مارسيل بروست، ليس هو نفسه الذي نقرأه الآن في الكتب المتداولة وتحمل أسماء وأعمال هؤلاء الأدباء الفرنسيين المشاهير! سبحان الله! هل هذا الكلام معقول؟ طبعا، هي الصّدمة المروّعة للكثيريين، ويصعب فعلا طرح مثل هذا السّؤال التشكيكي، الذي يذكرنا في هذا السياق بسؤال طه حسين حول صحة الأدب الجاهلي، والذي أوضح في كتابه الذي حمل العنوان نفسه، وبعد مقارنات وتطبيق مناهج صارمة أن نسبة كبيرة من هذا الأدب (وليس كلّه طبعا) منحول ومزيف ومغشوش..

نصوص إبداعية مزوّرة!

تعالوا نقرأ في كتاب جاد جدا، وصاحبه من أكبر المختصين في الأدب الفرنسي إبان القرون الوسطى، إنه أورلندو دو رودير(Orlando de Rudder)، وكتابه يحمل عنوان: «Le francais qui se cause – Splendeurs et misères de la langue française»، صدر عام 1986، ويقول فيه إن المنشورات الخاصة بأعمال الكُتّاب الفرنسيين أمثال راسين، كورناي، بوالو، مونتان.. قد تمّ تصحيحها منذ القرن التاسع عشر وإعادة كتابتها من جديد كي تتناسب مع طريقة الكتابة (orthographe) الفرنسية والقواعد المعاصرة، وليس هذا فقط ، حيث أن ناشر أعمال مارسيل بروست مثلا، بكل جرأة أعاد وضع علامات ترقيم لرواياته.. لماذا؟ لأن في رأيه علامات التّرقيم الموضوعة من طرف مؤلف رائعة «في البحث عن الزمن المفقود» غير صحيحة، وليست منطقية!

غلاف الكتاب

والغريب في الأمر أن كتب التّعريف بالآداب الفرنسية، قبل القرن التاسع عشر، ولا سيما المنشورة في الكتب المدرسية والتعليمية (أشهرها أعمال ومنشورات لاغارد وميشار، Lagarde et Michard) مثلا الأعمال المخصصة لكبار الكتاب الفرنسيين في البرامج الدراسية الفرنسية، قد تم فبركة حتى بعض عناوينها وتصحيح هذه الأعمال لتتناسب – كما قلنا – مع طريقة الكتابة وحتى قواعد اللغة الفرنسية المعاصرة، في حين أن بعض الكُتّاب الفرنسيين القدماء، على غرار جول ميشلي(Jules Michelet)، كان يقول: «يكفي فقط تغيير مكان فاصلة واحدة لكي تشوه معنى أفكاري!». ثم كيف ندرس جماليات نصّ أدبي وقد غيّرنا نحن لغته وكتابته وأسلوبه وحتى علامات ترقيمه!.. هل هذا سلوك نقدي وعلمي معقول ومقبول؟ أليس في ذلك تزويرًا وتشويهًا واعتداء على حرمة تلك النصوص الإبداعية القديمة؟

قضية لم يحسم بشأنها بعد

ويرى ذات المؤلف – أورلندو دو رودير – وهو للتّذكير ليس الوحيد الذي أثار هذه القضية في مؤلفاته، أنه منذ فترة ليست بالقصيرة يثار بفرنسا جدل عاصف بشأن قضية «تصحيح» نصوص الأدب الفرنسي، المكتوب قبل القرن التاسع عشر، وخاصة من النّواحي الجمالية والأخلاقية والنقدية، أي قبل تحوّل الكتابة الفرنسية (Orthographe française) في الوقت الراهن إلى ما يشبه النص المقدّس، الذي يحرم المساس به إطلاقا الآن، وهو في نظر الأكادميين المعاصرين (الأكاديمية الفرنسية نموذجا) ذروة ما وصل إليه النّص الفرنسي من اجتهاد، رغم المعارضة الكلية والثورية المتواصلة لأشهر الباحثين واللغويين الفرنسيين، ومعهم الكتاب والأدباء والإعلاميين والبيداغوجيين وجميع من له صلة باللغة الفرنسية..

جون جاك روسو

نموذج للتأمل

ومن باب توضيح الرؤية وتقديم مثال ملموس على غرابة هذا الموضوع وطرافته، نقدم نموذجا حيا لطريقة كتابة جون جاك روسو، والتي لن يفهما المعاصرون لو قرؤوها قبل تصحيحها ونشرها وفق الكتابة المعاصرة، لنقرأ النّص الأصلي لرسالة بقلم هذا الكاتب الكبير:

«…Je n’ose vous dire l’efait qu’il m’a fait , non, ce n’ais plus le tems des larmes, c’es une douleur vive qui c’es emparé de moy, mon cœur c’est sairé… vous savés que tans que le sitoien ne m’a paru qu’un philosophe, et un homme d’esprit il ne m’es pas venu en pansé de chercher a le connoitre

هذا في الحقيقة نص واضح وأقرب إلى طريقة الكتابة الفرنسية المعاصرة، و لو نقرأ مونتان مثلا وحكاياته المعروفة، فلن نفك معنى كلمة واحدة له، نظرا لاستعمال حروف الكتابة بطرق تختلف من ناحية النّطق عن تلك المستعملة في الوقت الرّاهن في الأبجدية الفرنسية.. يحدث هذا رغم أن الأدب العربي (مثلا) منذ القدم لا يزال يحتفظ بنفس خصائصه الأولى، ولم يغير قيد شعرة، إذ أن نصا للمقفع أو المتنبي أو حتى أمرؤ القيس، يكتب ويقرأ حاليا باللغة العربية مثلما أُبدع أوّل مرّة، من دون تغيير يذكر، وهذه حسنة تحسب على اللغة العربية التي رغم كل التّحديات التي واجهتها عبر مسار تاريخها استطاعت أن تحافظ على أصالتها وعبقريتها، ولولا بعض التعقيدات والضّعف في تدريس وتوصيل قواعدها المعقّدة لكانت لغة استثنائية على أكثر من صعيد!

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …