السبت، 5 ديسمبر 2020

صحراء الكوني في عالمه السّردي

إبراهيم الكوني

إنّ الصّحراء مجموعة عوالم متداخلة يُبدع الرّوائي الليبي إبراهيم الكوني(1948)، في خطابه السّردي، في إعادة صياغة هذه العوالم وإثارة روحها في جسد النص، إنه «يُتقن بمهارة فائقة لعبة تحريك هذه العوالم عبر فضاءات تعانق المطلق، وتمتد امتداد الأفق في الصّحراء، وتتراقص تراقص السّراب في عين الظمآن إلى حقيقة ما، إلى مكان ما، إلى شيء ما ضائع ومفقود، وعبر أزمنة نائية وغائرة في الوجود الإنساني تتحسّس نبضات هذا الوجود و تترسّم خطاه…»، قال الأستاذ حسين بوحسّون في محاضرة له.

كل شيء في الصّحراء، في الخطاب السردي، عند إبراهيم الكوني، علامة مختزنة بكمّ هائل من المعاني خلف كلمات بسيطة بساطة المكان الجغرافي، ولكنها عميقة في دلالاتها عمق المكان الصّحراوي، وهي تستدعي ذلك التّراث الغني من التاريخ والأسطورة والتصوّف والفلسفة والعادات والقيّم الإنسانية التي تختزل عادات وأفكار وعقائد وتاريخ فتصنع أسطورة الصّحراء، وعلى هذه الجزئيات التي تعبّر عن علاقات حياتية بين الإنسان الصحراوي ومكانه، يبني إبراهيم الكوني رواياته، فعبر علاقة «أوخيد ومهريه» تستنطق رواية «التبر»(1992)، وعبر علاقة أسوف وحيوان الودّان ونقوش الصّخور الجبلية، نتلقى رواية «نزيف الحجر»(1990)، وهكذا في كثير من رواياته المتعلّقة بالصّحراء.

غلاف رواية التبر

إبراهيم الكوني حوّل الصحراء في خطابه السردي إلى قطب مكاني في مواجهة الأمكنة الأخرى، ليس بوصفها مكانا جغرافيا وإنما بوصفها مجموعة من القيّم، كما يراها هو وكما تراها شخوصه، تقاطب الصّحراء عنده بين الصحراء الجبلية والصّحراء الرملية، كلّها صحراء واحدة، وهكذا فالصحراء هي قطب قيمي جاذب لكل قيّم الخير والحرية والسموّ الرّوحي والسّعادة… وليست مجرد حيّز جغرافي ممتدّ ومهمل وخالٍ وإنما مكتنز بالمُثل والقيم الرسالية، حتى جعل منها الكاتب رسولا لا يؤمن به إلا ذوو الألباب «في الصّحراء أيضا خلاص لا يدريه إلا ذوو الألباب، الصّحراء أيضا وصية لأنها رسول السّماء»(رواية: نداء ما كان بعيدا، 2006).

«في أعمال الكوني، لا تعني الصحراء هذا المكان المرئي، المفعم بالفراغ اللامحدود، وإنما الصّحراء هي رمز أو بالأحرى، مجموعة من رموز حيّة، وإيحاءات ثريّة مكتنزة بالدلالات المتوثبة، الحاضرة والمؤجّلة، التي تتوارى خلف تخومها النائية أسرار وأشواق وأشجان وحنين وتصوّرات و فلسفة ومواقف من حقيقة الواقع والحياة والإنسان والوجود… »(لحسن كرومي)، فيتحوّل العالم الطبيعي للصحراء إلى عالم من الأفعال السردية، ﻓ«العالم الطبيعي الخالي من أي استثمار دلالي، لا يمكن أن يستأنس إلا من خلال تحويل الأشياء إلى علامات»(سعيد بنكراد). وعندما يكون العالم الطبيعي مثل الصحراء فاستثمار مبدع، ابن المكان، وابن الثقافة الصحراوية، مثل الكوني، فيها منتجا وفاعلا، مستلهما كل ما يمكن تصوره لاستنطاق المكان، بشرا وحجرا وحيوانا، باعثا الأساطير وحكايات التاريخ وصحف المتصوّفة وتأملات الفلاسفة وأحاجي الأهالي وعاداتهم…

إنّ الحيوان الصّحراوي عنصر من عناصر البناء الروائي، في الروايات موضوع المقال، والحيوان عند المبدع ليس حيوانًا عاديًا، بل هو كائن مؤنسن، متأثرًا بصورة الحيوان في القرآن الكريم، غراب قابيل، أو نمل سليمان، أو هدهده… إن الحيوان الصّحراوي عنده كائن قيمي له مشاعر وأحاسيس ووفاء، ويملك قدرة التعبير عن نفسه، ويستلهم الخطاب عناصر الكينونة فيه، فهو صاحب رؤية محمّلة في الخطاب. «هل تظن أن الحيوان لا يفهم لمجرد أنه لا يقدر أن يتكلم مثلك؟ إنه أذكى منك ومني»، نقرا في رواية «نزيف الحجر».

الجمل في الصّحراء عنوان لها، فبجانب رمزية الصّبر والنبل والسّفر… فإنه في رواية «التبر» موضوعا سرديا، امتلاك المهري هو امتلاك القيم والشّرف، تهون دونه التضحيات والدنيا كلها، فتتطابق ذات المهري بذات الفارس، والعلاقة بين التارقي والجمل علاقة مقدّسة، لتلك القيم ولقيمة الوفاء لصديق في مكان مترامٍ، لا يجد الإنسان في مثل الصّحراء أوفى من جمل أو مهري، فترسخت تلك الحميمية التي أنسنت الحيوان وقرّبت الإنسان إلى حيوانه. «يجدر بك أن تهتم بمهريك، إذا لم تحبه لن يحبّك، إذا لم يفهمك لن ينقذك في اللحظة الحرجة، الحيوان أكثر وفاء من الإنسان» (نزيف الحجر).

غلاف رواية نزيف الحجر

أما الغزال فهو «أجمل مخلوق في الدّنيا، روح الصّحراء الرملية، فيه امتدادها وهدوءها وسكينتها وسحر قمرها، فيه المحال، فيه الحرية، ولذلك لم يطمع مخلوق في أن يقبض عليه حيا»، كتب الكوني. فإذا كان الجمل للصّبر والوفاء، فالغزال للجمال والحرية، إنها قيّم الصّحراء تتوزعها كائناتها، فالغزال الطليق مثل ابن الصحراء المنطلق في رحلة سرمدية، تتباهى به الصحراء، ولكن آفة الصّيد المتماهية مع جريمة صيد البشر الاستعمارية، تسبب نزيفا ليس فقط في الصّحراء الرملية، ولكن كذلك في الصحراء الجبلية، فينزف الحجر، في رواية «نزيف الحجر»، يُستنطق الحجر عبر نقوشه التيفناغية، من خلال نصّ سردي يروي وصية «الودّان» الأسطورية، في مكان امتدت إليه بنادق الصّيادين والجنود القتلة، لتُستدعى قصّة «قابيل وهابيل»، ويربط الحدث بحدث أعم هو الاحتلال، وكأن الصّحراء في مواجهة الخراب بيد أجنبية متعاونة مع يد عابثة كلاهما عدوّ للحرية وللحياة. «ثم أهدى له جون باركر آلة شيطانية أخرى، مع دخول بنادق الخرطوش إلى الصحراء، تضاءلت فرصة الغزلان في النّجاة وأشرفت القطعان على الانقراض والفناء»، جاء في رواية «نزيف الحجر».

إنّ الصحراء هي أنثى المكان تحمل فتنته وغوايته، والأنثى هي الصّحراء في جمالها وغموضها وجاذبيتها، «الجاذبية، آه من الجاذبية، الأنثى، إنها واضحة وبسيطة مثل الصحراء، ولكن ليس ثمة شيء يفوقها غموضا و خفاء»(التبر)، ولذلك كان للأنثى ذلك الموقع الاجتماعي في الصّحراء، لأنها شقيقة المكان، تحمل روحه وسرّه وسحره، كما تحمل خفاء طبعه، كيف نفهم الصّحراء إذا لم نفهم المرأة الصحراوية! بل كيف يكتمل سحر السرد إذا لم تكن المرأة، وكيف يكون المكان بدون حضور الأنثى، ويقول بوحسون حسين: «تُمثل الأنثى في مشروع إبراهيم الكوني الرّوائي عنصرا في بنية الغموض الذي يكتنف هذا العالم الروائي السّحري الغريب والمتناقض الذي يجسّد حضورا فاعلا لعوالم المخلوقات».

الصحراء هي الأنثى، وما الأنثى إلا وطن، لذلك يعشق الوطن.

« – ألم نجد في معشوقتنا الصّحراء وطنا؟

ـ وجدنا أنفسنا في الصّحراء لنعبر الصحراء، لا لنسكن الصحراء!

ألست صحراويا؟ ألم تعشق هذه الحسناء(التي نسميها الصحراء) يوما ؟»، نقرأ في رواية «المجوس»(1990).

كيف لا يتيّم بالصحراء وهي تلبس روح أنثاه؟ وكيف لا يحب الأنثى ووطنه الصحراوي مكان رحلته الصوفية الأبدية، رحلة السعادة في جنته الأرضية، كيف لا يحب الأنثى وهي علامة الفروسية «إن الوله بالمرأة من ميزة الفرسان و النبلاء»(التبر).

من أجل المرأة تهون الأثمان ويُضحى بالنوق والجمال، وتُقطع المسافات، ويُترك ما عداها من حطام الدنيا ولو كان المال والسلطان «فلن يبحث عن إرث الزعامة من جرّب الخلوة مع حوريات الفردوس وشرب من نهر السماوي، عقد على الفتاة المهاجرة، وردّد تعويذة أبيه نفسه، في حديث الرّسول: “أحبّ إليّ في دنياكم ثلاث: النساء، والطيب، وقرّة عيني الصلاة”. اختار الأنثى»(رواية التبر). لو لم يختر الأنثى لما اختار الصّحراء وترك من أجلها الأمكنة الأخرى بكل بهرجتها، والمرء مع من أحبّ..

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …