السبت، 5 ديسمبر 2020

المدرسة بين التّعليم والأيديولوجيا

محمد حسن مرين

الأجيال لم تنل حظّها المعرفي المناسب

إن المدرسة التي أصبحت حديث الرّأي العام الجزائري تستدعي وعيًا بواقعها، والحفاظ على غاياتها العلمية والمعرفية، بعيدًا عن الغرائز السّياسية والأيديولوجية، أو حتى التّجارب النظرية غير النّاضجة أو غير المجمع على صحّتها.

الخطأ في خياراتنا التعليمية مُكلف في حياتنا الاجتماعية والوطنية، ولا أحد يقول إن التّعليم في الجزائر بخير وأنه حقّق أهدافه، ماعدا على مستوى البنية التحتية، وسعة الاستقبال، حيث استطاعت الجزائر توفير هياكل المؤسسات التعليمية والجامعية، التي تسع جموع التلاميذ والطلبة، في ظلّ استمرارها في ديمقراطية التعليم، هذا الاستمرار الإيجابي، حيث يجد مئات الآلاف من التّلاميذ الفقراء مقاعدهم البيداغوجية، وينتسبون إلى مؤسسات تعليمية، بشكل مجاني، أما على مستوى التحصيل المعرفي والبيداغوجي، فيكاد الجزائريون يُجمعون على فشل المدرسة والجامعة الجزائرية في الحفاظ على المستوى المطلوب أو ترقيته، فمع مرور السّنوات يتبيّن إن الأجيال لم تنل حظّها المعرفي المناسب لشهادات المستويات التي وصلت إليها ولم تستطع مواكبة التّحديات العلمية، وذلك نتيجة لما يلي:

أولاً: تحوّل ديمقراطية التّعليم إلى نمط شعبوي، ليس من حيث حقّ التعليم للجميع، كما كان، ولكن بانتقاله إلى حقّ النّجاح للجميع، فتعمل الوصاية من خلاله على سياسة كمّية، لاستيعاب آلاف الشّباب في نمط تعليمي، يوفر لهم البقاء والانتماء إليه، فأصبح الطّالب يعرف أن من دخل المدرسة الجزائرية فهو آمن، ومن دخل الجامعة فهو آمن، ومما كرّس هذا التّوجه، سنوات من عمل الوصاية التي اعتمدت على نفخ أرقام النّجاح المدرسي بوصفها علامات نجاح لها، فانتقلت مثلاً شهادة البكالوريا إلى نسب خيالية، كما كرّست نمط امتحانات يرتكز على التّقويم، وهي نقاط إضافية مزوّرة لصالح التلاميذ، تُنقذهم من تعثرهم في امتحانات الوزارة، وسنوات من فلسفة الكمّ، ودفع التّلاميذ إلى الأمام بأقل جهد، إلى الجامعة حيث يجدون نمطا تعليميا يخدم كذلك هذا التّوجه، فالكلّ يدرس والكلّ ينجح، وهذا لا يخدم فلسفة التعليم في الانضباط والصّرامة، والاعتماد على الكيف من خلال الجهد والتّنافس.

ثانيًا: اعتماد برامج ومناهج بدل أن ترفع المتمدرس إلى مستوى أعلى، نزلت إليه، فجاءت مهلهلة، بالاعتماد على البسيط والسّهل، يمكن أن نلتمس ذلك من خلال النّصوص البديلة التي اعتمدت في الاصطلاحات، بعضها يثير السّخرية لأنه من شبكة الإنترنت، فانتشرت في البرامج الجديدة نصوص ركيكة، ومواضيع سطحية، تزامن ذلك مع تخلّي الوزارة عن التّكوين، بفعل التّعامل المباشر مع خريجي الجامعات، الذين لم تتوفر لهم فرصة التكوين في طرق التدريس، إلى جانب فقدانهم للكفاءة المعرفية المطلوبة، ولم نستفد من توفير الوسائل المناسبة لتدريس المواد، حيث كانت السبورة الوسيلة التعليمية لكل المقاييس، مع ما تتطلّبه خصوصية تدريس اللغات أو النشاطات العلمية إلى وسائل خاصة، كل هذا ساهم في نقص التّحصيل المعرفي، خصوصا في التّعليم الابتدائي.

ثالثًا: تركيز القائمين على المدرسة، وجماعات الضّغط في المجتمع أو في النقابات على مسائل أيديولوجية، تتعلّق بالهويّة، فطبقنا التعريب بطريقة عصفت بالتّفتح على اللغات، وطبقنا تعليم الفرنسية بطريقة عصفت باللغة التكنولوجية مثل الإنجليزية، وعصفت بترقية العربية، ولم نهتم بحاجياتنا العلمية، فأثقلنا البرامج بمقاييس متعدّدة للتلميذ، بدل أن نفكّر في كيفية تعليمه المعارف والكفاءات، فكرنا أكثر كيف نحوّله إلى فأر تجارب لنظريات متلاحقة، لتحويله إلى المواطن الذي نريد، فأثقلنا التّلميذ بكل شيء، دون أن يتمكن من شيء، ودون أن نوفر شروط نجاح لمثل تلك النظريات.

رابعًا: الوضعية المزرية للمدرسة الابتدائية تحت وصاية البلديات، وبمجرد أن نقول البلدية يفهم الجزائريون، حالة المدارس التي تفتقد إلى أيّ مظهر مؤسساتي، أو تأطير إداري أو مالي، كبقية المؤسسات التعليمية الإكمالية أو الثانوية، ووصفتُه منذ سنوات بفرقة عمل بلدية، مما جعل المدرسة الابتدائية تعاني من مشاكل هيكلية وإدارية وعلى مستوى المورد المالي… أثّر على أدائها التعليمي، وهذا كذلك يحتاج إلى قرار حكومي، يُنهي زواج المتعة بين المدرسة والبلدية.

ضرورة إعادة صياغة البرامج بطريقة علمية

وإذا أردنا أن نحدّد مجموعة من الاقتراحات للخروج من هذه الوضعية بعيدًا عن التّفكير الأيديولوجي، حول مستقبل أبنائنا، وبعد صدمة اقتراحات ندوة الوزارة الأخيرة، حيث يظهر أن أولئك الخبراء لم يختلطوا بميدان وواقع المدرسة، وإلا ما معنى أن يُقترح التعليم بالعامية في ظلّ واقع مدرسة أصلا تُعلم بالعاميّة، بفعل ما وصلت إليه من تدهور تعليمي، فالتوصية بناء على الواقع كان يمكن أن تكون معكوسة، وهو منع التدريس بالعامية بسبب نتائجها الكارثية، فالعربية بالدارجة والفرنسية بالدارجة، والتّواصل بين الأستاذ والتلميذ بلغة الأم، فعوض أن نُخرج التلميذ من عالم «ماما»، ليواجه الحياة، ويمتلك كفاءات جديدة على مستوى اللغة وعلى مستوى الممارسات المعرفية، تركناه متواضعا في آفاقه المعرفية، ومن أهم تلك الاقتراحات:

أولاً: فكّ الارتباط بين المدرسة والبلدية، وتوفير الإطار الإداري والاقتصادي للمدرسة كباقي المؤسسات التعليمية، ولو عن طريق الانتماء إلى المأمن مؤقتا، وهذا مدخل مهم لأيّ إصلاح، لأنه لا إصلاح في ظلّ غياب مفهوم المؤسسة عن المدرسة، وبقائها رهينة وضعية فرقة العمل البلدية.

ثانيًا: العودة إلى فلسفة الصّرامة والكيف للمدرسة الجزائرية، من حيث بناء نظام الامتحانات والانتقال ونيل الشهادات، والتّخلي نهائيًا على نمط نقاط التقويم المزوّرة والمنتفخة في أغلب المدارس، التي تضع مخارجا لانتقال التلميذ بغض النّظر عن تحصيله العلمي، وبدل أن يكون التكوين المهني فعّال، أو الدّراسة عن بعد، وغيرها من الآليات لاستقطاب أمثال هؤلاء غير القادرين على مسايرة النّمط التعليمي النظامي، نصرّ أن تتحمّل المدرسة كل التلاميذ كل الوقت، وهذا يعود على المستوى التحصيلي، والسلوك التربوي في المؤسسات.

ثالثًا: إعادة صياغة البرامج بطريقة علمية رصينة، وتخفيفها من خلال:

– تخفيف الدّروس المحذوفة التي لازالت باقية؟

– دمج بعض المواد المتقاربة ذات الغايات المتشابهة، مثل التربية المدنية مع التربية الإسلامية، بوصفهما يهدفان إلى المواطن الصّالح، والتّاريخ والجغرافيا، لأنهما خصوصا في الابتدائي يتمحوران حول الجزائر تاريخا وجغرافية، اعتماد مقياس فنّي واحد لكل الفنون، وهذا يعطي برامج مخفّفة، تسمح للتلميذ بتحصيل معرفي في نشاطات مهمة كاللغة والرياضيات وبناء وضعيات إدماجية تعطي للمتعلم بناء كفاءته، فيحل إشكاليات مطروحة، مثل وزن المحافظ، والتشتت المعرفي بين مقاييس كثيرة ومتداخلة.

رابعًا: وضع طرق ووسائل خاصة للتّدريس حسب الكفاءة المستهدفة، فتدريس اللغات مثلا واللغة العربية ما دام الجدل حول قضية اللغة، فإن تدريس اللغة لا يتم عن طريق السبورة، بل لا بدّ من تحديث الطّرق باستغلال وسائل تواصلية تمكن المتمدرس من امتلاك اللغة، وهذا أمر معروف، لأن مسألة اللغة هي مسألة تكتسب بالتداول وليس بالتلقين النظري، وهذا أحد أهم الاختلالات في تعلّم اللغات، فالتلميذ لم يستطع التمكن من الفرنسية أو غيرها عن طريق السبورة، في ظلّ محيطه، والعربية لن ترتقي بهكذا طريقة، حتى باستخدام لغة شارع وسيطة، بل هذه اللغة الوسيطة، لغة الأم أو الشّارع، أحد أسباب التّدهور في التّحصيل اللغوي، عربية أو غير عربية، ونخرج من أدلجة مسألة اللغة، لأننا في عصر معرفة، أي لغة هو إضافة للمتعلم، نتعامل مع اللغة تعاملا حضاريا، ضمن محيطنا العربي والمتوسطي والعالمي، فلا نتقوقع باسم التعريب، ولا ننسلخ باسم التفتّح، ولا نحوّل المدارس إلى شوارع باسم لغة الأم، لأن غاية التعليم هي اكتساب علوم ومعارف للإبداع ومواجهة التحديات الحياتية والمتطلبات الاجتماعية، تفوق بكثير السلوكات اليومية التي تكفيها لغة الحياة اليومية.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …