الجمعة، 3 ديسمبر 2021

دونكيشوت.. ومعارك الهوية الجزائرية

 

شكري شرف الدين

ما يُثار من جدل عقيم، حول إدخال «العامية» المسكينة إلى المدرسة من عدمه، يجعلني أصاب بغثيان، وبآلام لا معنى لها بداخلي.

لم أفهم كيف لطُغمة من الجزائريين، أن تعتبر اللغة العربية، لغة الهوية التي لا يجب التّنازل عنها، وأنّ العملية مُدبّرة من قبل أيدي خارجية وأنّ وأنّ.. وأنّ وزيرة التّربية بن غبريط تطعن الشهداء في القلب، وأنّ اللغة العربية هي الممثّل الرّسمي للشّعوب المسلمة..إلخ، من قاموس جنون شعب أخشى أن أقول عنه بأنه يصرُّ على أن يبقى ساذجًا!

إذا كان الأمر يمثّل الهوية التي لا يجب التّخلي عنها، فأنا أيضا سأكون مع البربري الذي طعنته القومجية في هويته، وأرغمته فعلا على تعلّم لغة غريبة عنه. تريدون التّعامل على هذا الأساس؟ فليكن! ولتدافع إذن كل سلالة على هويتها الأصلية، مادام «العرب» يعتقدون بأنّ لغتهم هي الأصل، ولا شيء غير هذا حتى في غير أراضيهم..

سأحاول أن أتعامل بمنطق مغاير تمامًا عن كلّ هذا: هل يتكلم الإسكندينافيون لغتهم، رغم مرونة لسانهم على تعلّم اللغة الإنجليزية؟ طبعا نعم، ولم نشهد أي اتهام للغات الإسكندينافية بالانحطاط أو بالتّخلف من طرف من يتحدّث بالإنجليزية من الإسكندينافيين. لن نتهم اللغة العربية إذن ، بهذه التّهمة التي يلصقها بها بعض «المعاقين» تجاه اللغة العربية. الأمر كذلك ينطبق على اللغات الأخرى المتواجدة في الجزائر، فاللغة الأمازيغية لن تكون عائقا نحو التطوّر. يبقى الآن أن نتساءل، ووفق وضعية بلدنا الخاصة جدًا، مقارنة مع بعض الدّول المتطورة التي تستعمل لغاتها الأصلية، دون أن تلجأ إلى الإنجليزية أو الفرسية، وهما اللغتان اللتان يرى فيهما البعض قمة التطوّر، إذا كانت المشكلة مشكلة لغة بقدر ما هي مشكلة بدائل معنوية عن البدائل المادية؟ فهل تقدّم اللغة العربية ذلك مقارنة مع اللغة الفرنسية مثلا أو اللغة الأنجليزية؟ الكلّ يعلم بأن اللغة العربية تأتي في المرتبة الثالثة مقارنة مع اللغتين الأخرتين. ومقارنة بين اللغة العربية واللغة البربرية، الكلّ يعلم بأنّ اللغة العربية تسبق اللغة البربرية، أو الأمازيغية، في ذلك.

الأمر يتعلّق أيضا بقضية مدّة استعمال اللغة. فكلما غاص استعمال لغة بعينها في الزّمن، وكثر استعمالها، كلما حصلنا على تجارب أغنى في إغناء اللغة، وفي تقديم البديل المعنوي الموضوعي للحياة المادية.

للغة البربرية إذن أن تشتغل وأن تثبت تواجدها كي تحصل على شرعية البديل. للغة العربية أيضا أن تشتغل، كي تحصل هي أيضا على شرعية البديل، ولكن على أساس متين وواقعي حقًا، يبدأ خاصة من «نقد الذّات»، كما قال محمد آركون في نقده للفكر الإسلامي.

المشكلة في اللغة العربية، ليست مشكلة حروف أو عجز عن تقديم البديل، بقدر ما هي مشكلة عمل داخلي على تجاوز كبوات الدوغمائية المقيتة التي لصقت بها، والتي جعلت المدافعين عنها(والذين هم في حقيقة الأمر كتلة سوسيولوجية بلا معنى)، يتبنّون مواقفا أيديولوجية بلا قيمة أصلا، لاغين من أجل ذلك كل بديل آخر، أو تفكير في إنابتها أو حتى العمل جنبا إلى جنب معها اجتماعيا ومعرفيا.

لقد تسلّحت اللغة العربية بأوهام هوية عكستها كتلة سوسيولوجية باطولوجية، هي الأولى التي تحتاج إلى علاج نفساني، مما خلّف تشدّدا وتيبسا لدى النّاطقين بها آذاها، وأتى على تطوّرها وأضاع كلّ من تعمّم بها، حتى أصبح منطق «المعربزين» متخلفا جدا، وعدائيا وشرسا يَعد فعلا بانقراض هذه اللغة بعد آجال يصعب تحديداها، ولكنها قد ترغمها على الدّخول إلى متحف اللغات المنقرضة إذا استمر العمل بها على هذا النّحو المتوحّش، أسرع مما نتوقّعه، وقد بدأ هذا فعلا في بلدان عربية لا قيمة للغة العربية في معاملاتها الاقتصادية والإدارية إلا فيما ندر، وفي مجالات معينة فقط!

حين يقتنع المجتمع، بأنه يمكن الترحيب بأي لغة من أجل إغناء التجرية البشرية المحلية، وتسهيل المعاملات، بحيث يكون له الخيار في تعلُّم اللغة التي يراها مناسبة من أجل تقديم البديل الموضوعي لحياته المعنوية والمادية – خاصة –، سوف تفرض كل لغة تواجدها بما يقتضيه الخيار الشخصي، وسوف تستمر الحياة بلا مشاكل مضحكة قاتلة، يسميها البعض بمشاكل الهوية كما يحدث في فنلندا مثلا، التي يختار فيها مواطنوها التعلم باللغة الأنجليزية أو الفنلدنية دون أدنى حرج، وهم أسعد مواطنين في العالم، سنكون أمام خيار بقاء لغة بعينها أومغادرة لغة من النّافذة خجِلة، لأن الأمر سيكون حينها متعلقا بفرض الذّات وقضاء الحاجيات اليومية، بدل «العنززة» الفارغة في محاولة قيادة لغة إلى فراش النّوم واغتصابها فقط من أجل اغتصابها، وإبراز فتوة «الفحولة» الرعناء التي يهوى العرب التغني بها.

لسنا بحاجة إلى حروب دونكيشوتية لغوية رجاءًا، لأن الشّعوب التي تقدّمت تجاوزت مشكلة النّطق وعبرت إلى مشكلة الإنتاج. دعوا الخيار حرًا لكل من رأى نفسه في راحة تامة مع اللغة التي يختارها. من أراد أن يكون شبيها بفولتير، فليكن، ففولتير كان رجلا عظيما، يتقن لغة العقل كما لدى ديكارت. من أراد أن يكون بن قيطون فليكن، فحيزية ما استمالتها إلاّ لغة العامية الجميلة الي لا يحسن مآلاتها البعيدة إلاّ عليّة القوم وقلّتهم. من أراد أن يكون على عظمة لالّة فاطمة نسومر، فليكن، فهي امرأة رضعت الأنفة ولم تسلم رقبتها لمن أراد استعمارها إلاّ بلسان بربري حرّ، لا يهادن، قادت به جيشا بأسرها من الرجال، وصنعت حماستهم وأحلامهم. من أراد أن يكون ابن رشد فليكن، فالعقل الغربي كلّه، أخذ حكمته وقيامه وخروجه من عصور الظلماء بفضل إعادة قراءة ابن رشد للّتراث الإغريقي الذي قتلته الكنيسة، بلسان عربي قحّ، هو البربري المنشأ والأصل.

كل اللغات بريئة من اغتصابنا لها. دعوها تطير في أغاني من أراد أن يتغنّى بها، وكفاكم من البحث عن حقوق كلماتها، فهي ملكٌ للمحبّ. هي بريئة من كل مواقفكم المتشدّدة البليدة التي تنحرها عند بداية صباحاتها المنشِدة الجميلة. ما خُلقت اللغة إلاّ من أجل تسهيل حياتنا، وما خُلق المعاقون إلاّ من أجل قيادة العالم نحو أتعس السّبل للكفّ عن الغناء وصناعة الصّمت بدل صناعة الحياة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …