الأربعاء، 26 يناير 2022

أبو الأسود الدؤلي وكلّ فخور مثل قملة!

رشيد فيلالي

1

من اللغويين العرب الذين تستحق حياتهم متابعة متأمّلة لزخمها وأصالتها، اللغوي الشّهير أبو الأسود الدؤلي(603-688)، واضع علم النّحو بأمر من علي بن أبي طالب، حسب الأسطورة المتداولة، وأقول الأسطورة لأن هناك روايات عديدة متباينة من حيث المضمون تتكرّر في كتب تاريخ النحو واللغة العربية، وفق منظورات مختلفة وحتى متناقضة.

المهم أن الرجل من المجدين والمجتهدين والمبدعين فعلا، كونه واضع علم النحو، كما قلت، وهو أحد أعمدة اللغة العربية رفقة سيبويه والفراهيدي وغيرهما، والطريف في الأمر أن أبا الأسود صاحب الاسم الغريب «ظالم بن عمرو»، وهو من التابعين الثقاة في رواية الحديث، اشتهر بالبخل والبخر أي الرائحة الكريهة في الفم، وقد أصيب بالفالج، مما تسبّب له في العرج على غرار زميله الزمخشري الذي قطعت رجله وعاش معاقا هو الآخر، ومع ذلك لم يثنه كل ذلك عن ممارسة هوايته المفضلة وهي البحث والكتابة والابتكار، وقد مات أبو الأسود الدؤلي بالطاعون في سنّ متأخرة نسبيا(85 عاما)، وهناك بيت من الشّعر ينسب لغيره، معروف جدّا، يقول:

«لا تنه عن خلق وتأتي مثله/عار عليك – إذا فعلت –عظيم».

ومن أطرف الخرجات التي قام بها أبو الأسود الدؤلي أنه عندما تأذى من جاره باع داره في البصرة، فقيل له: «هل بعت دارك»؟ فردّ: «بل بعت جاري!».. فتأمل.

أبو الأسود الدؤلي كان واضع علم النّحو

2

ثمة مقولة فرنسية طريفة و شائعة الاستعمال هي: «Fier comme un pou»، أي فخور مثل قملة! وهذه المقولة في الحقيقة غريبة فعلا، لأن القملة أصلا ليس لها ما تفتخر به، أو على الأقل هذا ما يعرف عنها، فهي كائن متناهي الصّغر، قبيح و منفّر ومزعج ولا يعيش إلا في الأوساط القذرة، بمعنى أنها لا تصلح إطلاقا لتكون مثلا يُحتذى به في الفخر والاعتداد بالنّفس، وعليه فإن المقولة إياها قد تبدو في الظّاهر لغوا فارغا من كل معنى، لكن المتأمل في الدراسات الإيتيمولوجية الفرنسية، أي تاريخ الألفاظ الفرنسية يكتشف دون شكّ فحوى هذه العبارة الشّائعة وخلفياتها التي يمكن تبريرها، حيث أن كلمة «pou» هي في الأصل طريقة نطق دارجة  لكلمة تعود للفرنسية القديمة، وهي«pouil» أو«poul»، وتعني كلاهما الدّجاجة أو الدّيك، وطبعا هل يوجد من يعتد بذاته ويفتخر إلى حدود الغطرسة مثل هذا الطّائر الذي يرمز لفرنسا، وهو الدّيك، وطبعا بعد هذا التّوضيح يتجلى  المدلول الحقيقي للعبارة محلّ حديثنا، علما أن هناك عبارة أخرى مماثلة لتلك التي ذكرنا وهي «fier comme un paon»، أي فخور مثل طاووس، ويرى اللغويون الفرنسيون أن العبارة الشّهيرة «فخور مثل قملة، Fier comme un pou»، مجرد تحريف لفظي لكلمة الطاووس الفرنسية.. فتأمل.

فخور مثل قملة

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …