الجمعة، 25 سبتمبر 2020

سخرية من المواطن بطريقة «سبيسيفيك»

سعيد خطيبي

مشهد هزليّ واحد كان كافيًا، ليجعل من برلماني مغمور نجمًا سياسيًا، ينتقل من مقعد مبنى زيغوت يوسف البارد، إلى مقاعد الشّاشات الدّافئة، ويتحوّل، فجأة، صاحب خطاب «سبيسيفيك» إلى محلّل سياسي، يقدم قراءات «سبيسيفيك»، في الاقتصاد والرّياضة و الاستشراف، يحدث هذا في بلد صارت فيه السّخرية مذهبًا سياسيا، والضّحك على الذقون صناعة وطنية.

عندما يميل شخص ما نحو السّخرية، فهو يعبر عن تواضع في شخصيته، وعن نضج أيضا، أمّا ما شاهدناه في مداخلة البرلماني، التي تحوّلت إلى «أيقونة» في الفايسبوك الجزائري، فهي لحظة استسلام لعجز وعدم ثقة في النّفس وعدم امتلاك لأدوات النّقد، هكذا وجد البرلماني المغمور نفسه منساقًا للعب على وتري الضّحك المبتذل، وتتفيه القضايا الأساسية، ليجد، فجأة، صدى لثرثراته في الفضائيات الجديدة، هذه الأخيرة التي فهمت بأن «التنكيت» ينوب بفصاحة عن الجدية حين يتعلّق الأمر يالقضايا الأساسية التي تهمّ المواطن.

لطالما ارتبط المسؤول السّياسي، في الجزائر، بصورة الرّجل الفظ، الغليظ، الذي لا ينكت، ولا يبتسم سوى نادرًا، وكان مسؤولون يبالغون في تطوير هذه الصّورة، المستلهمة من الحقبة البومدينية، عن أنفسهم، للظهور أمام الملأ بصلابة، تطمينا للنّاس، وكسبا لثقتهم ولأصواتهم، أمّا اليوم، فقد اختلت الموازين، وفهم السّياسي أن ثقة الشّعب فيه قد اهتزت، ونسب المشاركة في الانتخابات، التي أجريت في السنوات القليلة الماضية، تكشف بوضوح عن تدني شعبية السّياسيين، وتقلص ثقة المجتمع فيهم، وهذا ما صار يدفع ببعض منهم للبحث عن التفاف شعبي، بطرق غير سياسية، وهكذا شاهدنا كيف صنع الوزير الأول شعبية له، وتقبلا نسبيا بنكته، لا بمواقفه و قراراته، فكثير من الجزائريين يحفظون سقطات الوزير الأول اللّسانية، وقليل جدًا منهم من يتحدّث عن مواقف سياسية جادّة له، ويكون البرلماني «سبيسفيك»، الذي روّج لنكتة تفيد أنه كان سببا في إقالة وزير من منصبه،  وغيره من صغار السّياسيين – الموظفين، قد التقطوا الرّسالة، بشكل لائق، وبدل أن يبذلوا جهدًا في تشريف منصبهم، راحوا يتفّهون كبريات القضايا، مما أكسبهم لايكات، في مواقع التّواصل، وإعجابات من مواطنين، قد يستثمرونها لاحقًا في انتخابات قادمة.

السّياسي الميدياتيك، في الجزائر، يكرّس حضوره اليوم، بالسّخرية من القضايا الحرجة، لكنها، في الأساس، هي سخرية ناعمة، سخرية خجولة، سخرية تتّفق مع القوانين والتشريعات، سخرية تضحك الحاكم، وتسليه، سخرية تدخل في باب «تدجين» النقاشات، وتمييعها.

صعود السّخرية الفجّة، وما واكبها من سقوط حرّ للخطابات السّياسة الجادّة، يعبّر فعلا عن أزمة الثّقة التي تعيشها الحكومة، التي عجزت عن إقناع المواطن بالكلام الملموس، فلم تجد سوى النكت للترفيه وللتعتيم على زلاّتها.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …