السبت، 5 ديسمبر 2020

اللغة والطّبقة والدولة..

د. إسماعيل مهنانة

اللغة ليست مجرّد أداة تواصل، بل هي «مسكن الكينونة» كما يقول الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، وبما أن السّكن والإقامات غير متشابهة، فكلّ ما يحكم تراتبها يحكم تراتب اللغة أيضا.

تاريخيًا، ظلّت اللغة مسألة سياسية جوهرية وحسّاسة في كلّ دول العالم، دوما كانت ثمّة لغة للدّولة وأخرى للشّعب، ولهذا أيضا ظلّت اللغة محل إكراه أو تهميش وتعميم وفرض من طرف الدّولة على شعوبها، ووحدها الدّول التي استطاعت التّصالح مع مجتمعاتها في لغة واحدة أو عدة لغات رسمية وشعبية، في الوقت نفسها، هي ما يسمّى بالدول الديمقراطية الحديثة.

يعود الشرخ الهووي واللغوي في الجزائر إلى تاريخ الحركة الوطنية، بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، وانفجر، لأول مرّة، في «الأزمة البربرية» سنة 1949، حين انشقّ دعاة الأمازيغية عن الزّعيم مصالي الحاج لما التمسوا فيه توجّها عروبيا خالصا، وبقيت المسألة معلّقة ومؤجّلة في كل مرة بأولويات وطنية أهم، وعلى رأسها التخلّص من الاستعمار.

بعد الاستقلال السّياسي، استولت جماعة عسكرية ثورية، لا تمثّل كلّ الثّورة، على الحكم، استغلّت الإرهاق الذي خلّفته الحرب الكبيرة على نفسية الشعب وفرضت كلّ أيديولوجيتها ومقولات ولاءاتها الداخلية والخارجية على كل مفاصل الدولة، بدءًا بسياسة التعريب الشاملة بزعم استرداد «هوية وطنية» شمولية ومُخترعة إلى أبعد الحدود، وما تبعها من تسرّب فادح للإطارات الفرنكوفونية وهجرتها الجماعية، تسرّب اضطر النظام بعده إلى تعويضه بإطارات من مصر والعرق وسوريا، ولم يكن صدفة أن يكون هؤلاء من المعارضين لأنظمتهم الديكتاتورية، تمّ التخلّص منهم ليتدافعوا في تجريب كل وصفاتهم الأيديولوجية في أرض «الهوية صفر».

النتيجة ستظهر بعد جيل من الزمن، ربما مباشرة بعد أحداث أكتوبر 88: فرانكشتاين هووي يخرج من قمقم الطبقات المسحوقة ومُدن الصفيح التي لم تترك لها بورجوازية الدّولة إلا العنف واللّه واللغة التي تتكلّم بها. في أكتوبر 88 تبّين أنّ تلك الدولة التي أفرزها الاستقلال لم تكن إلا نسخة مبتذلة من بورجوازية الأطراف، وأنها تورّطت في خيارات تاريخية لا تملك تُجاهها أية حيلة سياسية. أكثر من ذلك، اكتشف المجتمع المغدور أن الطّبقة الحاكمة احتفظت لأبنائها بالفرنسية كلغة امتياز سياسي واجتماعي، وتركت العربية للأهالي واليتامى والمؤلّفة قلوبهم.

إذا كان سوط الدولة حتمية تفرضها «الوحدة الوطنية» فلا يمكن سياسيا أن تحكم بلدا في حجم قارّة بسوط واحد، كان يجدر بهم على الأقل تلوين الأسواط بألوان مختلفة. هناك خدعة خطابية تقبع وراء مقولة «الوحدة الوطنية» ينبغي فضحها: كل التّجارب التاريخية تبيّن أنّ الوحدة السياسية لا تتحقق بطمس الأقليات الثقافية واللغوية بقدر ما تتحقق بمبدأ العدالة والحقّ في الاختلاف. بقدر ما كان الاستقلال سياسيا فقط لا يمكن للوحدة الوطنية إلا أن تكون سياسية فقط، لم يكن الاستقلال في الجزائر ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، ولهذا فإن القفز على هذه المعطيات التاريخية نحو«هوية صافية ومُخترعة» هو ضرب من الجنون السياسي.

بعد الحرب الأهلية، بعد الطوفان، عادت السّفينة مُرقّعة إلى فلكها القديم وعلى متنها زوج من نفس الحيوانات، هذه المرّة تحت حلف الذئاب تمّت القسمة بين أطراف النّزاع، بين النّظام السياسي والإسلاميين: نُسلّم لكم المجتمع بكلّ أطيافه لتدجينه داخل خطاب شمولي واتركوا لنا السّلطة والمال، هذا ما سمّي ﺒ«المُصالحة الوطنية»، والنتيجة دوما واحدة: غلق المجتمع داخل مقولات شمولية خانقة، تظهر الحرية الفردية والأقلوية داخلها ترفا بورجوازيا لا يحق للشّعب الصّغير الحلم به.

النتيجة النهائية أيضا أن الجزائري وجد نفسه عالقا بين عالمين ولغتين، لغة منزلية ولغة مدرسية، لغة رسمية ولغة موازية، لغة يتكلّمها وأخرى يحلم بها، لغة يتقنها وأخرى يمضي حياتها في تعلّمها، فرنسية كانت أو عربية فصحى، لغة للأرض ولغة للسّماء دنيوية كانت أو آخروية، وبالعودة إلى عبارة هيدغر، كمن يسكن منزلين بمنزلتين متناقضتين، لم نرث من زمن الاستقلال إلاّ هذه السكيزوفرينيا الوطنية المُعممة.

يسري على اللغة ما يسري على الكائن الحيّ، فالعضو الذي لا يعمل يضمر ويموت، وهذا ما يحدث الآن، فاللغة الدارجة التي نستعملها يوميا تتطوّر وتتغيّر بسرعة مذهلة لا يمكن أن تجاريها اللغة الفصحى لأننا لا نستعملها إلا بشكل تمثيلي وفي محاكاة ساخرة أحيانا، ولهذا فبالنسبة للأكثرية، التي لا تقرأ الكتب والشّعر والروايات، توقّفت اللغة العربية عند الخطب الدينية والصّلاة، وبقيت تتكرر بشكل آلي قاتل، فهي لغة المسجد ونشرة الثامنة فقط. أن تكون جزائريا الآن هو أن يتعارك داخلك قدّيس ومُنحرف، هو أن تركب عربة تاريخية تسير بسرعتين كأنها تجرُّ بحصان أعرج.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …