السبت، 5 ديسمبر 2020

عثمان بالي: الكاف والنون

 

الحفلة جرت بداية 2005، في بلجيكا، لا دليل على اليوتيوب أو على الأنترنت إجمالاً لتحديد التّاريخ بدقّة. 2005 هي السّنة التي توفي فيها عثمان بالي(يوم 17 جوان)، عندما باغتُه طوفان وادٍ من وديان مدينة جانت، وهو عائد، بسيارته رباعية الدّفع، إلى بيته… جرفه السّيل ودُفن في مسقط رأسه.

ربما يرتبط عام 2002 في أذهان الكثيرين بنهاية العُشرية السّوداء، التي انطلقت – حسب المهووسين بتدوير أرقام سنوات مِحن البشرية – عام 1992، لكن 2002 يعني أيضا بداية خروج فرق الموسيقى الترقية لأوروبا، بداية الألفية الثالثة كانت فترة خروج موسيقى الصّحراء للعالم، بقوّة.

قبل وصول الفايسبوك، وقبل أن يصير اليوتيوب «صندوق عجب» نجد فيه كل شيء، أي قبل حوالي عشر سنوات، عندما كنت تلميذًا في الكوليج (المتوسّطة)، كنت أستمع لراديو«البهجة» كلّ ليلة، قبل أن أنام… كانت «البهجة» القناة الوحيدة «المُمكن سماعها» على الراديو بالنسبة لمن كان في سنّي، كنت أملك ترانزيستور صيني الصّنع بحجم الكفّ، يستقرّ كل ليلة على الوسادة، جنب أذني… لم أكن مهتمًا بالإنترنت، ولم تكن قد دخلت بيتنا… الراديو، الجريدة، التلفاز والكُتب كانت هي الثّقوب التي كنت أرى العالم عبرها.

هكذا، كمواطن صغير تحيط به وسائل إعلام الحكومة من كل جهة، كُنت أتقدّم في الحياة وأكتشف أشياءًا سجّلتها ذاكرتي (ذاكرة الفيل التي لم تنفعني يومًا في الدّراسة) المهووسة بالتّفاصيل، لأبحث عنها لاحقًا في الإنترنت، تفاصيل كنت ألتقطها من الراديو أو من الجرائد ولا أجد من أسأله عنها، أو لا أين أبحث عنها، حبّات حلوى كنت ألتقطها من الخراء المتدفّق كل يوم.

حينها كُنت أسمع المذيعة سامية مولاي، في حصّتها الشّهيرة: «Alger by night» (والتي لم تكن خرائية)، تُقدّم مقاطع عثمان بالي(1953-2005) وهي تقول: «لايف من حفلته في بلجيكا»… هكذا كلّ مرّة، حتى أنّه ترسّخ في ذهني يومها أنّ عثمان بالي(اسمه الحقيقي مبارك عثماني) لم ينشط حفلات إلاّ في بلجيكا!

لكن رغم هذه التّفصيلة الصّغيرة إلاّ أني لم أتوقّف كثيرًا عند بالي، الذي أتى موته مفاجئا للجميع… موتٌ في سيارة، كأغلب كبار المغنيين الجزائريين، من دحمان الحراشي إلى كاتشو مروراً بكمال مسعودي وآخرين…

عثمان بالي

ظلّ بالي دائمًا صوتًا ترقيًا من الصّحراء، صوتًا تُمرّره التّلفزة الحكومية لتبرز مدى «ثراء» الثّقافة الجزائرية وتنوّعها وما إلى ذلك من كلام… في الجامعة أيضاً كُنت أسمعه، مع صديقة لي، عازفة عود، كان هاتفها الذّكي محملا بأهم مقطوعات موسيقى الصّحراء الجزائرية، سواءًا من التوارق أو من القناوة، مما سمح لي بإعادة اكتشاف أهم أغانيه معها، مثل «دمعة» و«آمين».

كنت في تونس، ليلة صيف حارّة، وأنا جالس أدردش مع الصّديقة نفسها، في الفايسبوك، عندما أرسلت لي أغنية بالي:«الكاف والنون»… كاف ونون مثل «كُن»، ومباشرة بعد سماع المقطع، بحثتُ عنه في يوتيوب، مضيفًا عبارة: «لايف بلجيكا»، لأجده وأندهش…

يبدأ المقطع ككلّ أغاني بالي هادئًا، ثم يتصاعد الريتم… يصلُ إلى 15 دقيقة، الكلام المُغنّى باللّغة الترقية لم أفهمه، لكن الطّاقة تصِل، الحضور في تلك اللّيلة كانوا يظنّون أنّهم سيحضرون حفلة لموسيقى تأتي من مكان بعيد ومُبهم كالصّحراء، شيء خفيف يجربونه لليلة واحدة كما يُجرّب الإنسان مُخدراً ما، فإذا بهم مع هذا المقطع يُفاجئون بالصّحراء تنفجر في وجوههم… هدوء عثمان بالي، ونحن نسمعه، لا يهتّز حتى وهو يصرخُ ويتخلّى عن صمت الرّجل الترقي، يصرُخ مُرافقًا صيحات الكورال النّسائي الذي نفهم أن احداهن (أو كلّهن) قد دخلن في حالة «دردبة» كما يسميها أهل الصّحراء، أو الجذب كما يسميها المتصوّفة، الإيقاعات الأفريقية المُتداخلة تُسيطر على عقل الإنسان، وعثمان بالي هناك يجلس فوق الرُكح ويحضُن عوده، متحكمًا في العازفين بإشارات من رأسه المعتمر شاشا، وبصوته يسيّر الكورال «المجذوب»…

بحثت، وأنا أكتب هذه السّطور، مرّة أخرى عن تاريخ  لتلك الحفلة، بنية العثور على شيء ملموس وأكثر تحديدًا فلم أجد، المعلومات على الأنترنت شحيحة حول بالي، عرفت فقط أنّه قد أحيا حفلات بكاراكاس، عاصمة فنزويلا! البلَدُ الصّديق، أيام تشافيز. وصل عثمان بالي إلى كاراكاس؟ يجرّ عوده وكوراله النسائي الذي ينفجر على الرّكح!… أهل الصّحراء رُحلٌ لأنهم لا يريدون أن يرحلوا، أو كما قال توينبي بتصرّف.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاب عز الدين: أريدهم فقط “يخلّوني طرانكيل”

قبل رحيله ، كانت صحيفة “الوطن” الناطقة باللغة الفرنسية، قد أجرت حوارا مع المطرب الراحل …

20 سنة مرّت والفرجة ما تزال طازجة

بعد عشرين عاماً، ما نزال نتذكّر ذلك اليوم، الذي استوى فيه الرّاي على سماء باريس، …