الخميس، 29 أكتوبر 2020

الشيخة الجنيّة، الصّوت المضاد لسطوة القبيلة

كلما أستحضُر الجنيّة، أو فاطنة مباركي (1954-2004)، بصوتها المبحوح الشجيّ الممزوج بحُرقة الأسى واللوعَة، إلا وترتسم في ذاكرتي العديد من المشاهد المؤلمة، لما كابدته هذه المرأة من معاناة، بعد أن نذرت حياتها للتّشرد والتّيه، سواء تعلّق الأمر بفرارها من زواج قَسري مبكّر مع رجل طاعن في السّن، وهي لم تتجاوز بعد سنّ السّادس عشرة ربيعاً، بقرية المرحوم (ولاية سيدي بلعباس)، أين كانت سطوة الذّكور، هي المهيمن الوحيد على أفراد القبيلة، أو باكراهات ومضايقات المجتمع، الذي كان يرى في المرأة صوتا نَشازًا، يغرّد خارج المألوف.


لقد شكّل هروُبها من قبضة القبيلة عام 1970 جرحًا رمزيًا؛ سينعكس لاحقاً على أغانيها المرتبطة باللوعة والشّبق والغربة، من خلال تلك النّبرة البدوية القوية الأصيلة لمنطقة الغرب الجزائري. وسرعان ما ستجدُ أغانيها كل التّرحاب والقبول من قبل الرّجال والأعيان، الذين كانوا يرفضونها منذ البداية، هَاهُم يقيمون لها الأعراس والحفلات الخاصة؛ ويطلبون ودّها من كل الأماكن والجهات، لقد مسّت وتراً حسّاسًا في قلوبهم، واستثارت لديهم العواطف المكبوتة والرّغبات الدّفينة، حيال ما يتأجّج بداخلهم من عنفوان وهَوس بالمرأة، في وسط رَعوي شغوف بجسد الأنثى حدَ التّطرف.

تحوَلت الجنيّة وفي ظرف قياسي، رفقة البراح الزوَاوي – الذي أصبح فيما بعد زوجها في منتصف السبعينيات – إلى ظاهرة، امتلكت قلوب الآلاف من متذوّقي أغانيها، طبعا في ظلّ تعتيم كبير من وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية، التي كانت تحظر هذا النّوع من الغناء، باعتباره يشكل مساسًا بالأخلاق والذائقة العامة حسبهم!

لكن الجنيّة، ظلّت صامدة في وجه كل محاولات الإحباط والموانع، التي اعترضت مسيرتها الفنية؛ استطاعت النّفاذ إلى عمق النّاس، بلهجة بدوية جارحة أحيانا، وأن تكشف المخبوء والمسكوت عنه في ثنائية العلاقة بين الرّجل بالمرأة، وما يكتنفهما من التباس وغدر وخيانة، تقول في إحدى أغانيها: «مُول ُجوج محَاين بالرصَاص يموت»، أو في أغنيتها اللاذعة «العاَقلة في سَكرتها»؛ حيث تكشف لنا النّقاب عن الوجه الحقيقي للمرأة التي تدّعي في الظّاهر العفّة والنّقاء، لكنها في الخفاء امرأة شهوانية جامحة. وعلى هذا المنوال تتوالى أغانيها الأخرى، المستوحاة من معجم الفقدان والحسرة واليتم والقساوة الجارحة، كأغنيات: «لغبينة»، «آالراي آالراي»، «لياه تبكي»، «كاين ربي كاين ربي».

طوال مسيرتها عنـّت الشيخة الجنيّة، بصدق ملامسةً الأعماق من وجدان الإنسان البدوي، في لحظات عشقه القصوى، ونزعته الفحولية في أعتى درجاتها تطرّفا.

برحيل فاطنة مباركي، المدعوُة «الشيخة الجنية» أو «الشّيخة الجنيّة الكبيرة الحقانية بنت سعيدة» في الأول من شهر أفريل عام 2004، إثر حادث مرور مأساوي مروّع، تنطوي صفحة مضيئة من الغناء البدوي الجزائري الأصيل. وهو الغناء الذي أبهجنا لسنوات طوال، حيث كان للمتعة مسرّات، أنعشت به أرواحنا الظمآى، والذي نفتقده الآن للأسف، رغم كثرة الأصوات… للإشارة الفقيدة غنّت لأوّل مرّة في باريس في قاعة الزينيت عام 1999، وحظيت هناك بحفاوة واستقبال جماهيري كبير… كما خصّصت لها جريدة «ليبيراسيون» الفرنسية ثلاثة أيام بعد وفاتها، ملفا خاصا تناول مسيرتها الفنية. هذا وقد أفردت لها الكاتبة الفرنسية «فرجين لو» كتابا مهما بعنوان «الجنية والراي» صدر سنة 2000، عن دار غاليمار المشهورة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاب عز الدين: أريدهم فقط “يخلّوني طرانكيل”

قبل رحيله ، كانت صحيفة “الوطن” الناطقة باللغة الفرنسية، قد أجرت حوارا مع المطرب الراحل …

20 سنة مرّت والفرجة ما تزال طازجة

بعد عشرين عاماً، ما نزال نتذكّر ذلك اليوم، الذي استوى فيه الرّاي على سماء باريس، …