الأحد، 28 نوفمبر 2021

«توحّشتك!».. ما الذي أسكت الحبّ فينا؟

د. خيرة منصوري

يتردّد هذا التّساؤل، في محاولة بحث في عمق ذاتنا، عن ما يمكن استرجاعه من أخلاقيات وآداب محمودة، اختفى الكثير منها… لقد تعدّدت مظاهر الحبّ في المجتمع الجزائري؛ فكان سلوكا ومعاملة في الحياة اليومية وتعبيرًا تلقائيًا، مادّته: كلمات وعبارات مشحونة بحرارة الودّ والمحبّة، ناطقة بأسمى العواطف الرّابطة بين أفراد المجتمع المتماسك.

كلمات وعبارات ماسكة في مجتمع مهدّد بالتفكّك

وفي رحلة البحث عن الذات، نستحضر بعض تلك العبارات؛ منها قول أحدهم، عندما يلتقي بآخر لم يره منذ مدّة: «توحَشْتك!»،  وهي عبارة يتداولها الجزائريون بتصريفها على مختلف الضّمائر، المتكلّم منها، والمخاطب والغائب؛ «توحشناك» تعني اشتقنا إليك كثيرًا، وهي جملة دارجة في العامية، وعلى الألسنة جارية، و«الوَحْشَةُ»: الهمّ والحزن لفراق الأحبة. و«الوَحْشَةُ»: الخلوة والهمُّ ، و«أوحش المكان من أهله و توحّش»: خلا وذهب عنه الناس، وأصبح خاليًا، وأرض وحشة، أي خالية وتوحشّت: صارت وِحْشة، وهناك بيت شعري، لكثيّر أنشده لعزّة قائلا:

«لسلمى موحِشا طٌلَلٌ… يلوح كأنّه خِلَلُ».

ومنها «توحشتك»، أي أنّه مشتاق لرؤية الآخر ولقائه، وقد وجد فراغا في قلبه، لا يملؤه إلاّ هذا اللقاء، والقلب خلو متوحّش. وهذا تعبير عن إحساس عميق، لا يشعر به إلاّ من وجد وحشة في نفسه. هذه الجملة على قصرها، عند إدراجها في سياقها بصدق، تجد صداها عند المتلقّي. وجواب هذا الأخير يكون: «يتوحشك الخير»، تقابلها في الفصحى: لا أوحشك الله.

ونظرا لتفاوت أحوال الوحشة وتعدّد ألوانها في النّفوس، لا يُكتفى لتصوير كثافة تلك المشاعر وحرارتها ؛ بـ«توحشتك» منفردة؛ فأتبعوها بكلمة يسيّدها الاستعمال في القاموس اليومي للجزائريين، وهي كلمة: «بزّاف»، «توحشتك بزّاف»، وأصل «بزّاف»، من الجُزاف في الشِّراء والبيع، وهو بالحدس، بلا كيل ولا وزن، تقول: بعتُه واشتَرَيتُه بالجُزافةِ والجُزافِ. وما يباع بغير كيل ولا وزن أي بغير حساب فيجب أن يكون بالكثرة. ولنا أن نتوقّف قليلا، لنتساءل: كم من مرّة تتردّد هذه الجملة على مسامعنا في أيّامنا هذه؟

ثمة مفردات يتداول استخدامها بشكل يومي في الشارع الجزائري مثل: «نبغيك»، «عاش من شافك»، «زارتنا بركة»، «يدوم هناك»، «الله لا يورّيك باس»، «سلامات»، «عقبال لك»، «الله يحمّر وجهك»، «الله يسجّيك»، «حتى ضيقة ما تدوم»، «روح راك رابح»، «وما بنتناش»، و«دعوة الخير وراك وقدامك»، إلخ.

و كلّ امرأة هي «خالتي»، و كلّ رجل هو «خويا أو عمّي»، وكلّ طفل هو «ولدي أو بنتي». كلمات محمّلة بالحبّ ومشحونة بالودّ والتقدير: خالتي، عمّتي، عمّي، سيدي، لالا، دادا، جاري، جارتي، جارنا، جوارنا، حبابنا، بنتنا، ولدنا، دار فلان، زنقتنا، حومتنا…  فمن «ياء» النسبة الدّالة على المفرد إلى «نا» المتكلّمين الدّالة على الجمع، الكلّ يخضع لقانون العرف في مجتمع متماسك، يجد له مكانا ويحظى بنصيبه من التقدير والاحترام. يقول المثل العربي: «كلّ ذات صدار خالة»، والخالة في مكانة الأمّ، فكلّ امرأة يناديها الأصغر منها خالتي، وأما الأكبر منها فيناديها بأختي، أو بنتي، و هي تنادي الرّجل بـ: خويا، أوعمّي . احترام الكبير، «كبير الحومة»، فهو بويا وسيدي وجدّي، والكبير تدبير، واللي ما عندو كبير ما عندو تدبير، فهو يستشار، و يجار به، و يستعان به كجاه في الإصلاح بين المتخاصمين، فيناديه الصّغير بـ«سيدي»، ويقبّل رأسه المعمّم، وهو الآخر يرفق بالصّغير، وينصح بالكلمة الطيّبة، ويحمل في جيبه الحلوى، يوزّعها على أطفال الحومة، يطأطئ رأسه ليقبّلوه.

أما المرأة المسنّة، فهي مصدر «دعوة الخير»، و«البركة». «زارتنا بركة» يُقال، و يا سعد من تحضر وليمته ، فهي تزار وتهدى لها الهدايا، وتقضى حوائجها، فهي مصدر الحنان والعطف، وتدبير أمور البيت وتهدئة الأجواء، والكلّ ينتظر منها «دعوة الخير»، فهي «لالاّ»، و«دادا»، و«جدّتي»، وهكذا يؤخذ بيدها وتطبع القبلات على رأسها…

ترى كم من مرّة تطرق مسامعنا، هذه الكلمات والعبارات الماسكة في مجتمع مهدّد بالتفكّك؟

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …