الجمعة، 3 ديسمبر 2021

اللغة والمقدّس والمظهر

د. إسماعيل مهنانة

ملاحظات طارئة..

هناك خيط تاريخي ينبغي تتبّعه بتأملّ، ويتعلّق بعلاقة المسلم بالنّص القرآني، فهي ليست علاقة فهم بسيطة، بل أولاً، وقبل الفهم، علاقة انجذاب جمالي بالصّوت والصّورة، بالتّرتيل والخطّ العربي، لقد ازدهر فنّ الخطّ العربي كأثر لهذه العلاقة.

إن تاريخ قراءة القرآن هو تاريخ المتعة الجمالية التي تسكن الخطّ الذي تُكتب به المصاحف، والمخطوطات القديمة التي احتفظ بها التّاريخ، إلى اليوم، في المتاحف تكشف المعادلة وتقلبها كالتالي: ليس تقديس القرآن هو السّبب في الاحتفاء بالخطّ العربي، بل هو إحدى نتائجه. إن كتابة المصحف، قبل اختراع المطبعة، كانت عملاً فنيًا أكثر منها عملا توثيقيًا.

الصّوت أيضا يُمارس سحرًا وجذبًا في استيلاء «الشّيء» على جُماع النّفس الإنسانية، لهذا ظلّ القرآن محلّ ترتيل ومدائح وحضرات صوفية وغيرها من طقوس فنّية تسدل حجابا نفسيًا على إرادة الفهم داخل المؤمن وتحلّ محلّه.

يستمدّ المقدّس معظم سطوته من الالتباس، كما يستمد رجال الدّين سلطتهم من المؤثّرات السّمعية – البصرية حين يحيطون المكان بهالة من المظاهر، كاللّباس والعصا والصّليب والطّقوس والرّسميات، كلّها تختزل الدّين الجماعي إلى عمل مسرحي.

في عصرنا، واللّغات الأوربية هي اللّغات السّائدة في كلّ الغرب المسيحي، لاتزال الكنيسة تتشبّث باللغة اللاتينية، وهي لغة ميّتة، لأنها ربطت مصيرها بمصير اللاتينية التي كانت لغة طبقية بامتياز، تمنح لمن يتقنها، أي رجال الدّين لوحدهم، السّلطة التّفسيرية والسّياسية، وبالتّالي الاقتصادية. كذلك الإسلام الذي ربط مصيره بمصير اللغة العربية إلى الأبد، لا تزال الشّعوب الإسلامية غير العربية، وهي الأكثرية، تتعاطى مع القرآن مباشرة في لغته العربية، وترفض ترجمته إلى اللّغات التّركية والفارسية والأردية، رغم أنها لغات قومية كبيرة، فالمسلم هنا يفضّل التّقديس بدون فهم على الفهم بدون تقديس.

ماذا سيحدث لو تعاطى المسلمون القرآن باللّغة التي يفهمونها؟ أي بمصحف مترجم إلى التركية أو الفارسية أو الأردية أو الأمازيغية؟ بكل بساطة، سيغدو النّص المقدّس محلّ فهم معمّم على الجميع، ويكسر احتكار رجال الدّين للسّلطة التفسيرية التي يدّعون أنها نابعة من علمِ لدني. رغم أنه لا توجد أيّة آية قرآنية أو حديث يحرّم ترجمة القرآن إلى لغة أخرى، أو يمنع الصّلاة بسور مترجمة، لا يزال فتح هذه المسألة إحدى أكبر الطابوهات السّياسية، وكل الدّول الإسلامية المعاصرة ترفض الدّخول في خطوة «بروتستانتية» من هذا القبيل. وفي ظلّ ذلك، يستمر احتكار رجال الدين لهذه الصّناعة الكهنوتية، فهم يعلمون جيدًا أن حركة إصلاحية من هذا القبيل ستعصف بكل اقتصادهم.

ولهذا أيضا، تفرط الحركات السلفية المعاصرة في تخريج الإيمان في حلّة مظاهرية مميّزة، إلى حدّ التهريج، ففي صفوف الحركات السلفية لا نميّز الإمام من المأموم، والجميع يتهافت في حرب العلامات حتى يكاد المقدّس يتلاشى في مَراق القمصان واللحى والسّواك والمؤثرات الصّوتية التي صارت توفّرها التقنيات الحديثة للخطب الدينية.

إن مُسلمَ العلامات هو المسلم الأخير بامتياز، فبعد أن تُبتذل هذه الامبراطورية السيمائية يكون الدّين قد أُفرغ من كلّ جوهره الرّوحي تماما، فيحل الخريف على أشجار التوت ليفتحها على ريّاح شتوية أخرى لا تتحكم في اتجاهاتها المتقلّبة.

الفراغ هو الوجه الآخر لإرادة المظهر، فقد انتقل الخطاب الدّيني من براديغم افتراض «العوالم الخلفية»(النفس، الرّوح، الإله، إلخ) إلى براديغم «العالم الظّاهري»، أي اختراع المظاهر التي توهم بالحقيقة واليقين والسّلطة في حدّ ذاتها. وهو انتقال لم ينتبه له الفكر النقدي لحدّ الآن، انتقال خلّفه ارتطام الدّين بمعطيات الحداثة والعلم والتقنية، التي لا تعترف إلا بمبدأ العلّة وبالتّعليل العقلاني للأحداث والظّواهر في العالم.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …