الأحد، 16 يونيو 2019

هل انتهت حقبة الجنرال مدين، المدعو توفيق؟!

احميدة عياشي

كل المؤشرات تقول أجل، لقد انتهت حقبة الجنرال توفيق أو في أحسن الأحوال هي في لحظة الاحتضار، تلفظ أنفاسها الأخيرة..؟!

لقد بدأت المعركة بين بوتفليقة وسلطة «الدياراس» منذ اللحظات الأولى التي عاد فيها إلى حكم الجزائر، يوم صرخ، وفي خطاب رسمي، أنه لا يرضى أن يكون ثلاثة أرباع رئيس، وكانت تلك الصّرخة في عزّ قوة الدياراس إعلانًا عن بداية حرب طويلة، معقّدة مختلفة الأشكال والأساليب بين بوتفليقة وجهاز الجنرال توفيق.. وكان هذا الأخير يومها وهو يعلم أنه صنع من نفسه أسطورة كصانع لرؤساء الجزائر ومحوهم أن المقيم بقصر المرادية، بالرغم من شخصيته الكاريزماتية وماضيه في إدارة الدبلوماسية الجزائرية، فإنه يفتقد إلى الرّجال الذين يمكن الاعتماد عليهم في تلك المعركة القاسيّة التي راحت تكشف عن ملامحها الأولية.

وكان الجنرال توفيق في غاية الاطمئنان واليقين أن الجهاز الذي صنعه هو جهاز رهيب، متجذّر في عروق الدّولة ونافذ في مفاصلها العميقة وكان لا ينظر إلى تلك الصّيحة إلا على أنها تعبيرا غير جدي في مناطحة أعتى جهاز لا يمكن مراقبته أو تحديه أو الدّخول معه في معركة، لأن نتائج المعركة بادية للجميع، أن المنتصر فيها معروف وهو من يملك السّلطة والسّيادة الفعلية على جهاز الاستخبارات..

العهدة الثّانية وبداية حرب الاستنزاف

شكّلت معركة العهدة الرّئاسية الثّانية في 2003 منعرجًا هامًا في تغيّر ميزان القوة بين الرّئاسة والدياراس، فمعظم رفاق الجنرال توفيق الذين كانوا ضمن عصبة واحدة وعتيدة في دفع الشاذلي بن جديد نحو الاستقالة، والذين قاموا بإيقاف المسار الانتخابي والقضاء سياسيا على الفيس«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» وخوض الحرب ضد الجماعات الإسلامية المسلّحة وإلحاق الهزيمة العسكرية بها وسدّ الباب أمام الرّئيس الشّرعي ليامين زروال، ودفعه للخروج من الحكم في لحظة كان يأمل فيها تحقيق حصاد الانتصار على جماعات الإسلام المسلّح سياسيًا، راح الجنرال توفيق يتخلّص منهم ومن نفوذهم ليعقد حلفا مقدسًا مع بوتفليقة، بحيث بات مقتنعا أنه يفتح عهدا جديدا خالٍ من التّهديدات التي قدّ يشكّلها على موقعه وسلطته الفعلية الخفية رفقاءه القدامى.. خاصة الجنرال محمد العماري الذي ظلّ نجمه ساطعا داخل المؤسسة العسكرية وفي أوساط من يوصفون بالجمهوريين والعائلة الوطنية الديمقراطية المتحفّظة تجاه صفقة المخابرات مع جماعات الإسلام المسلّح، تلك الصّفقة التي أضفى عليها مشروع بوتفليقة في المصالحة الوطنية الطّابع الأخلاقي والشّرعية السّياسية.

ولقد فهم بوتفليقة أنه تمكّن بدهائه وصبره ومراوغاته التي اكتسبها من خبرته الطّويلة في الدّبلوماسية أنه حقّق نقطة مهمة ضد خصومه من العسكر الذين تمّ استبعادهم، مثل محمد العماري، بعد انتصاره في العهدة الثانية، حيث كان يشكّل ثقلهم وانسجامهم خطرًا على مستقبله السّياسي في الحكم. لكنه لم يكتف بهذا الانتصار، فسرعان ما وضع خطته الجديدة على السّكة والمتمثّلة في إطلاق حرب استنزاف مستمرة وهادئة، وكان أول ضحاياها الجنرال العتيد العربي بلخير الذي كان يشغل منصب رئيس الدّيوان في الرئاسة، والرّجل السّابق في المخابرات نور الدين زرهوني، بسبب تردده في مؤازرة من أعاده إلى الحكم (بوتفليقة) بالإضافة إلى المواليين للجنرالين بلخير والعماري من ضباط ساميين باستعمال سلاح التّرقية والتقاعد..

وكانت هذه المرحلة مهمة في خطّة حرب الاستنزاف اتخذت دفعا جديدا بعد مرور بوتفليقة بسهولة ودون أية معارضة تذكر من داخل الجهاز العسكري إلى العهدة الثالثة.. ورافقت هذه الحرب على الصّعيد السياسي عملية تظهر للمشهد السّياسي بشكل عميق، حيث قلمت أظافر من كانوا يحلمون وهم يضعون رجلا عند رجل الدياراس ورجلا أخرى في عرين بوتفليقة، حيث تمّ الإجهاز على صدقيتهم وإعادتهم إلى مرتبة الموظّفين السّياسيين فاتحًا الباب على ميلاد عصبة جديدة تتشكّل من النّواة الصّلبة لبطانته يمثّلها المقربون منه، ومن الأثرياء الجدد الذين تم صنعهم في ظلال سلطته وتحت رقابة مقربيه.. كما اتصفت هذه الفترة من حرب الاستنزاف بخلق تحالف متين مع رئيس هيئة الأركان للجيش ڤايد صالح الذي كان قد تعرّض في السّابق إلى التّهميش، من طرف مجموعة الجانفويين، وإلى الانتقام من خلال تشويه السّمعة، ويعرف على هذا الرجل صلابته وماضيه في جيش التّحرير الوطني، وصراحته التي تنم عن انعدام كل عقدة نقص تجاه من كانوا يشكّلون أساطير داخل المؤسسة العسكرية عند السياسيين وإلى جانب كل هذا وفاؤه الذي لا تشوبه شائبة لبوتفليقة، ولقد لعب الڤايد صالح دورًا حاسمًا في تغيير ميزان القوة داخل مؤسسة الجيش، وبالتالي انعكس ذلك على المستوى السّياسي في إعادة الهيبة لموقع ودور الرئيس، ووضع نقطة النهاية للسّلطة القوية التي ظلّ يتمتّع بها الدياراس لأكثر من عقدين..

نهاية عهد وبداية خلافة جديدة؟!

إن التّغيرات الجديدة تدلّ أننا أصبحنا قاب قوسين من إنهاء معركة خلافة بوتفليقة التي اتسمت بالحروب التكتيكية الضّارية، وبلعبة القطّ والفأر وقد تكون نهايتها بالرحيل الكبير لرجل المخابرات الأول محمد مدين، المدعو توفيق الذي إلى حدّ الآن ظلّ متخندقا في صمته وفي رفضه الانجرار إلى المعركة التي استهدف فيها، منذ وقت طويل، كشخص من طرف الأمين العام لجبهة التّحرير، فهل هذا الكمون يدلّ على بعد نظر وأسلوب خاص بالجنرال الذي راحت أسطورته تتآكل أمام عينيه، أم أن الرّجل يملك ورقة لا يزال يخشاها خصومه؟!

على كلّ، تبقى أنظار المتفرجين إلى هذه اللّعبة التي راحت تستهدف البلاد وتستنزف قواها معلّقة إلى آخر لحظة، وهي على عتبة الانكشاف.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …