الجمعة، 25 سبتمبر 2020

أسبوع الملل واللّعن والطّعن في اللّغات

سعيد خطيبي

إنّه أسبوع الشّائعات بامتياز، أسبوع الملل المبلّل بالأخبار المتناقضة فيما بينها، أسبوع صحف صنعت من الشائعة عنوانا لها، أسبوع التّعليقات والتّعليقات المضادّة، أسبوع الكلام الفاحش والكلام المباح، ففي لحظة عدم تحريّ للمعلومة، سارعت بعض الصّحف لإعلان حرب على اللّغة العاميّة، وراحت أخرى تزايد وتضع العربية الفصحى في هرم رموز الهوية الجامعة، كان فعلا أسبوع سقوط الأقنعة، صرنا فيه مجتمعا «شفهيا» في عصر الحوسبة القصوى، وأدركنا مجددًا أن النقاشات الجادّة في الجزائر لا تخرج عن دائرتي «التكفير» و«الشوفينية الصّرفة».

لقد تعوّدنا على لغة وزيرة التّربية الرّكيكة، وعجزها المكرّر في تسمية الأشياء بمسمياتها، يبدو أن لسانها يتعمّد خيانة أفكارها، هكذا جاءت شائعة التّدريس باللّغة العامية في أقسام السّنة الأولى لتحرّك قلوبًا رهيفة، وتضعها على خطّ المواجهة المباشرة مع الوزيرة نفسها، كما لو أنهم كانوا ينتظرون هذه السّقطة بفارغ الصبر لقذف حقد وكراهية قديميين للمرأة، وجهوا كلامهم لها، وليس للمسألة التّعليمية في البلد، تناسوا، في لحظة غضب غير مبرّر، كل القضايا الأساسية، واختصروا فشل المدرسة في مشروع التّدريس بالعامية. منذ متى كانت المدرسة الجزائرية بخير؟ هل سننجح في انتشالها لو حافظنا على اللّغة العربية؟ هل سنجني ثمارًا لو غيرّنا العربية بلغة أخرى؟ في كلّ الحالات، نحن في مواجهة مدرسة منكوبة، ومهزوزة في أعماقها، واللغة ليست وحدها سببا في رفع المستوى الدراسي، أو الحطّ منه.

المشكلة ليست تُطرح في قضية توظيف العامية كلغة تواصل، مع الأطفال، في الأقسام الإبتدائية، وهو أمر متعامل به منذ عقود، ولا تُطرح المشكلة في حال تمّ توظيف العامية كركيزة لغوية لتمرير بعض الدروس، فهذا لا يعني التّخلي، بشكل راديكالي عن العربية، مما سيعزلنا عن محيطنا، وعن فضائنا الجغرافي القريب منّا، مع أنه من المهم جدًا التفكير في إعادة تكوين المدرّسين في العربية، فضعف هذه اللّغة، مثلما هو الحال مع اللّغات الأجنبية الأخرى، نابع، بالدرجة الأولى، من ضعف المدرسين، وقلّة معارفهم، هذا ما تسبب في تدني مستويات الأطفال، تراجع تحصيلهم العلمي ثم التّفكير، شيئا فشيئا، في البحث عن بديل لغوي آخر.

أغرب ما حصل هذا الأسبوع، مع زوبعة كلام الوزيرة الرّكيك، هو صحوة «الشعبوية الفايسبوكية»، التي سرعان ما انتقلت إلى بعض الجرائد الصّفراء، وطعنت، بدون تفكير، في العامية، ورأت فيها «شيطانا» يهدّد الوحدة الوطنية! دونما فهم لهذه اللّغة، ولا تمعن فيها وفي مفرادتها، المقتبسة في جزء كبير منها من اللّغة العربية (يمكن العودة إلى الدّراسات المهمّة التي قدّمها الدكتور عبد المالك مرتاض عن الأصول العربية في العامية)، فالعامية الجزائرية تكتب بحرف عربي، والتّحامل عليها هو تحامل على المكوّن اللّساني للفرد الجزائري، الذي حافظ طويلا على عاميته دونما أن يغفل قلبه عن اللّغات العربية والأجنبية.

مع مرور أكثر من نصف قرن، يمكن أن نقرّ، بكل تأكيد، أن مشروع التّعريب لم ينجح في الجزائر، والمشكلة ليست في اللّغة العربية، بل في الهيئات التي أشهرت اللغة كسيف قاطع، لا كمحمول لغوي وثقافي، التعريب الذي ولد من رعونة سياسية، ومن جرّة قلم رجل عسكري، وضع المدرسة على منحى تنازلي، أوجب عليها عجزًا في إنتاج نخب، ومنحها حظوة هدم عقول مستنيرة، ولكن العامية أيضا لن تحمل جديدا و لا حلا للمشقّات التي تعرفها المنظومة التربوية، القضية الأهم التي ينبغي أن نناقشها اليوم هو كيفية تحسين المقررات الدراسية، تحديثها وتخليصها من سطوة الأيديولوجية ومن وهمي الدّين والتّاريخ.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …