الإثنين، 27 مايو 2019

السعيد بوطاجين: الكُتّاب يتصوّرون أنفسهم آلهة، وهم لايختلفون عن الجماعات المسلّحة

أجرى الحوار: محمد بوزرواطة

السعيد بوطاجين لم يقل كل ما يريد قوله، فرغم ما قضاه من سنوات طويلة في الكتابة والتّرجمة والقراءة والنّقد والتّدريس في الجامعة، ما يزال الرّجل يحتفظ لنفسه بموضوعات مهمّة، فضّل أن يتحدّث عن بعض منها في حواره مع «نفحة».

من الصّعب تصنيف الدكتور السعيد بوطاجين(1958-) في خندق واحد، فهو يكاد يكون حاضرا على كلّ الجبهات الأدبيّة، كتب في القصّة: «ما حدث لي غدًا» و«اللّعنة عليكم جميعًا» وفي الرّواية: «أعوذ بالله»، وفي النّقد: «السّرد ووهم المرجع» و«التّرجمة والمصطلح»، كما ترجم لمالك حداد وكاتب ياسين ومليكة مقدم وجان ماري غوستاف لوكليزيو.

في هذا الجزء الأول من حواره المطوّل مع «نفحة»، يقدّم الكاتب آراء له في موضوعات تتعلّق بالترجمة والرّواية.

 قمت بترجمة رواية مليكة مقدّم «أدين بكل شيء للنسيان»(2008). كما ترجم محمد ساري روايتها «الممنوعة»(الصّادرة عام 1993)… عدا هذين العملين فإن أعمالها المترجمة في الجزائر إلى العربية قليلة، لولا تراجم الآخرين من لبنان والمغرب، وكما تعلم فإن روايتها الأولى «الرّجال الذين يمشون»(1990) ترجمها مغاربة. أين نحن يا ترى؟

لا أدري كيف أرد، المشكلة عامة وتتعلّق بكلّ الكتَاب الجزائريين، لا يوجد قانون للتّرجمة، أما البلد فمنشغل حاليًا بالراي والشّعوذة والطبل والمزمار. لقد قمت بترجمة بعض الكتب إلى العربية، أما أغلبها فنشر خارج البلد. المؤسسات الجزائرية لا تهتم بك، وقد تستعبدك، ما عدا بعضها. سيظلّ المشكل قائما ما لم نفكر في إستراتيجية ترجمية واضحة ونعيد الاعتبار للقارئ والمترجم، بعيدا عن عقلية كرة القدم وما جاورها من سفاسف وتبذير للأموال على حساب العقل والجمال والرّوح.

صدقت وأنا هنا أتحدّث عن كاتبة جزائرية متميّزة، لها مواقفها الواضحة تجاه التّطرف الدّيني وسنوات المحنة في التسعينيات، لعلها الوحيدة من بين قلّة من الجزائريين من الكُتّاب ومن المثقفين، ممن جاهروا بأصواتهم ومواقفهم بشكل صريح، أي دون لجلجة كما فعل البعض. وكتاباتها تعكس ما أقول.

أتفق معك. مليكة مقدم(1949-)، مثقّفة وطبيبة ولها موقفها من الأمراض التي عصفت بالمجتمع. قد نحتاط من بعض تصريحاتها وسردها للأسباب، لكنها تظلّ كاتبة متمكنة ولها ما تقوله بجرأة.

السعيد بوطاجين

حينما قرأت لها رواية «المتمرّدة» أحسست بشيء من الهلع، خاصة حينما وقفت عند هذه الجملة: «أحاول أن أنام وسط هذه الغرفة المظلمة. أسحب الغطاء إلى وجهي… أحدّق في السّقف وسط الظّلمة الحالكة… ترى كيف يأتيني النّوم وعلولة والطاهر جاووت، قد أغتيلا للتوّ». ما تعليقك؟

مقطع مثير. يجب القول بأن لها تجربة سردية مثيرة، وأفكارًا لا نعثر عليها في الرّواية الإباحية الجديدة التي أهملت ما لا يجب إهماله.

الروائية مليكة مقدم

لعل عبقريتها تكمن هنا بالأساس، في استخدامها للألفاظ العامية الجزائرية البذيئة بطريقة مدهشة. وهي في هذا السّياق تكاد تكون متفردة هذا إذا استثنينا طبعا رشيد بوجدرة(1941-)، فهو الرّائد في هذا المجال. أليس كذلك؟

قد تحتاج المسألة إلى بعض النّقاش. الألفاظ البذيئة، من منظوري، ليست مقياسا لغويا سليما، ولا تدخل، إن لم تستثمر وظيفيا، في باب الجمال وترقية الأدب والذّوق العام. ثمة مسافة بين الواقع والمتخيّل، وأتصوّر، كما قال رولان بارث، أن الواقع هو الذي يتبع الفنّ، وليس العكس. مليكة مقدم لها سياقاتها السّردية ومبرّراتها، وقد تحتاج هذه النّقطة إلى نقاش واسع ومتخصّص. لقد قمت بالتّرجمة، لكني لم أتدخّل إطلاقا في هذه القضية، رغم أن لي تحفظات، تحفظاتي الخاصّة من عدة كتابات جزائرية.

أحيانا أحسّ في استعمال الألفاظ السّوقية الجزائرية في روايتها، أو في روايات رشيد بوجدرة مثلا هشاشة الجزائري المجروح في العمق والمنكسر، ولا أحسّ إطلاقا بشيء من الاستفزاز أو إثارة لمشاعر أو عواطف القراء. ما رأيك؟

عندما يكون هناك سيّاق حقيقي يفرض ذلك، كما يكتب هنري ميللر. هناك جزائريون يتّخذون اللّغة السوقية موضة، لذا لم يعد هناك فرق واضح ما بين السرد الفني والرّاي، أو الراب، أو ما يقدم لنا في قنواتنا بلغة تسيء إلينا جميعا. لا هي فرنسية ولا هي أمازيغية ولا هي عربية. أتألم لهذا كثيرًا.

أصحاب الموضات والصرعات ليسوا مدار حديثنا في هذا السّياق، ولكني هنا أتحدّث عن تجارب روائية معينة، كهنري ميلر، والكاتبة النمساوية ألفريد يلينيك، الحائزة على جائزة نوبل عام 2004، خاصة في روايتها «معلمة البيانو»(1983)، التي حوّلت إلى فيلم نال صدى كبير.

قد نتفق في ذلك. هناك فرق كبير بين «سوقية» لوكليزيو، أو سكوت فيتزجيرالد، وسوقية بعض كُتّابنا. أقول بعض كتّابنا الذين يعتقدون أن ذلك يدخل في باب الحداثة، في حين أن الواعين بالبذاءة، ومنهم مظفر النّواب الشّاعر، يدركون أنها شكل من أشكال تقوية الفعل التواصلي وتقوية الدلالة.

لنكن أكثر تحديدًا صديقي السعيد، ولننطلق من ترجمتك لرواية مليكة مقدم «أدين بكل شيء للنسيان». ما هي العوائق الترجمية التي اعترضتك؟ ألم تتصرّف في سياقات بعض الجمل والتي ربما تراها أنت لا تخدم الذائقة العامة للقارئ الجزائري والعربي؟

أبدًا. لم أتصرّف في جملة واحدة، وقد فعلت أكثر: كنت أهاتف جماعة بشار لأسألهم حول كلمة أو جملة أو دلالة قد أجهلها، من هؤلاء الدكتور محمد تحريشي عميد الكلية. هي حرّة في التّعامل مع معجمها، ثم إنها لم توظّف كلمات نابية، إلا نادرا جدًا.

ماذا عن ترجماتك الأخرى، وأعني بها رواية «نجمة» لكاتب ياسين، «الانطباع الأخير» لمالك حداد، و«نجمة تائهة» لجان ماري غوستاف لكلوزيو، وهي عوالم مختلفة، كيف أمكنك القبض على هذه المناخات؟

كل رواية ومناخها الخاص بها. هناك حالات أطلب فيها من الكاتب، إن كان حيّا، اللّجوء إلى بعض التّحوير الجزئي، كرواية «معركة سطيف» لعبد القادر بن عراب، ورواية «رقان حبيبتي» لفيكتور مالو سيلفا. لاحظت أن هناك أمورا سردية غير منسجمة. بالنسبة للوكليزيو فقد قمت بتهذيب جمل قليلة جدًا، مع الحفاظ على دلالاتها. المتغيّرات تحصل في البناء والنّحو والمعجم والأساليب، ولا يمكن تفادي ذلك أبدا. النّاس يتحدّثون عن الخيانة دون أن يعلموا أنها ضرورة ملحة لاستقامة الجملة والمعنى. لا أتحدّث، بطبيعة الحال، عن التبديل والتّصرف، تلك أمور أخرى.

غلاف ترجمة الرواية

لقد أشاد النّاقد مخلوف عامر بترجمتك الرائعة لرواية «رقان حبيبتي» لفيكتو مالو سيلفا. بل ذهب بعيدا بقوله إنها –الرواية – تبدو كما لو أن بوطاجين هو من أبدعها. ما رأيك؟

أنت، بصراحة، متابع جيّد للشّأن الأدبي. كل الشّكر لك على الدّقة. أما بخصوص «رقان حبيبتي» فقد ترجمتها لأسباب، منها الأدبية ومنها غير الأدبية. النّاشر في فرنسا حاليا، ودار النشر هناك(منشورات عدن). لقد أوصيته بأن يرسل لي بعض النّسخ لأني بحاجة إليها، ولأن بعض المؤسسات تريد أن تشتغل عليها. هذا الكتاب يجب أن يطبع بعدد معتبر من النّسخ لأنه مهم جدًا.

يقول واسيني الأعرج عن رواية «نجمة» لكاتب ياسين، أنه لا أحد استطاع أن يصل – من مترجمي نجمة إلى العربية – إلى روح النّص ومناخاته المعقّدة . فلا ملك الأبيض العيسى ولا محمد قوبعة ولا السعيد بوطاجين استطاعوا أن يصلوا إلى تخوم «نجمة». تُرى، أين الخلل ؟ هل هو في النّص أم في المترجمين؟

الخلل في الذي قال هذا الكلام، ليس إلا… زوجة العيسى قدّمت ترجمة ممتازة جدًا. الجزائري كنود، وعادة ما يريد أن يكون كل شيء دفعة واحدة. كلام واسيني يلزمه وحده. وإن لم تعجبه التّرجمات السّابقة فليتفضّل بترجمة «نجمة» ترجمة ربانية.

نعم، والكلام مثبت، وقد نشره في عمود أسبوعي له بعنوان «دياسبورا» بجريدة الخبر اليومية، ربما يدخل هذا في باب النرجسية أو التطاوس أو الإفتئات على الغير؟

يا صديقي، لا يمكن أن نكون أنبياء في الترجمة، كل ما نقوم به هو مقاربات، وقد نقع في حيص بيص في تعاملنا مع لفظ واحد، ولنذكر على سبيل المثال كلمة الفلق، أو كلمة الله، أو كلمة الأسد(إلى الفرنسية). المشكلة تطرح على المعجميين بسبب عدم وجود تكافؤات دلالية كافية لنقل الحالات الثقافية والأحاسيس والمشاعر والمقاصد. لا توجد ترجمة منتهية، ولن توجد أبدا، مهما كانت عبقرية الشّخص. أما صديقنا واسيني فيمحو كل شيء، وهو يريد أن يكون الأول والأخير، المبتدأ والخبر، وزير الشّؤون الدينية ووزير الرواية والترجمة والفكر والحداثة والسّرد والشّعر والحمص. أنا لا أميل إلى هذه النّماذج. أعرف حدودي وفقري وضعفي ووضعي البشري الهشّ. لكني أجتهد، دون ضجيج. كلّ الوطن العربي أعجبته ترجمة «نجمة»، ما عدا واسيني، وقد كتب مقالا في «دبي الثقافية» يتهجم عليَ. على كل حال: هو حرّ.

طوّل بالك صديقي الكاتب الحبيب المتواضع السعيد بوطاجين، تأكد أننا نحبك إنسانا مبدعا ومترجما متميزا. كل ما في الأمر أن هذا الضجيج أو على نحو أدق النّقع الذي تثيره حوافر البقر والثيران الهائجة موجودة. في مثل هذه الحالات ينبغي على المبدع الحقيقي ألا يلتفت كثيرًا إلى الوراء، يجب أن يعمل في صمت بعيدا عن الضّجيج والزعيق الذي لا يجدي.

لم أقلق أبدا. لكل منا مربعه، ولا يمكن أن نتدخّل باستمرار في صلاحيات غيرنا. ليس من باب الأخلاق أن يحلّ المهندس محل الإمام، والإمام محل الطبيب، والإسكافي والفلاح محلّ المهندس، والمهندس محلّ الفقيه والفقيه محل عالم الفلك. نحن بشر محدودون، ولكل منّا دور ما يحاول أن يؤديه بإتقان، وأما الأخطاء فحاصلة. هناك في البلد من يحتكر المعرفة والدّين والله، وهؤلاء خطر على الثّقافة والحضارة والإنسان. وما أكثر هؤلاء في وقتنا وسياقنا.

غلاف رواية (أعوذ بالله)

لنعد إلى سياق الموضوع، يبدو أن عالم التّرجمة قد استهواك واستحوذ على كتابتك للرواية والقصة القصيرة. فبعد حوالي خمس مجموعات قصصية ورواية واحدة، هي «أعوذ بالله»، اتجهت رأسا نحو حقل الترجمة، هل هو اختيار ظرفي أم ماذا؟

مسألة ظرف. كتبت خمس مجاميع قصصية، والسادسة ستطبع في الإمارات هذه السّنة، إضافة إلى بعض القضايا النّقدية. سأعود قريبا جدا إلى السّرد. أتصوّر أنّي ضيّعت بعض الوقت مع التّرجمة، وهذا أمر لا يناسبني. كلما فكّرت في التوقف عن ذلك «حشَمني» أحدهم، ناشر أو مؤسسة. لا أريد، في واقع الأمر، أن أبتعد عن الكاتب. أنا بصدد إعداد رواية. أكتب ببطء، وهذا خيار. بالمناسبة: أنا لا أتحامل على أحد، وأعتبر التجارب الجزائرية رائعة، سواء تعلق الأمر بواسيني أو بالحبيب السائح أو بإبراهيم سعدي أو سمير قسيمي وغيرهم. هناك جهد عظيم يبذل هنا وهناك. مع بعض التحفظات. لكن، مع ذلك، ليس لنا أن ندير ظهرنا لكتَابنا وتجاربنا.

أريد أن أفتح معك ملف الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، ما هي رهاناتها في العشريات المقبلة؟ ما هي أبرز التحديات التي تواجهها في ظلّ عالم موار بالتّساؤلات والإشكالات الحادّة؟ هل صار اليوم، بالإمكان التّحدث عن رواية جزائرية في الصّميم، تحمل خصوصياتنا وملامحنا الاجتماعية والتراثية الأصيلة؟

نشرت سلسلة من المقالات في «الجزائر نيوز» بخصوص المسألة، كما حاورت عدّة نقّاد وروائيين، وخاصة ما تعلق بفعل التّحديث المستورد من المنجز الغيري. أتصوّر أن النّص له هوية وبطاقة وطنية، طبعا يمكن الاستفادة من السرد الوارد، على أن يكون ذلك بمهارة، وليس على حساب هويتنا السردية كأشخاص مختلفين، وكأمم ليست امتدادا آليا لأمم لها خصوصياتها. هذه النّقطة ضرورية في أي نقاش جاد يتعلّق بواقع الرّواية ومستقبلها. إنما هناك مشكلة جوهرية في الجزائر: الكُـتّاب يتصوّرون أنهم آلهة، وقد أصبحوا، مع الوقت، لا يختلفون عن الجماعات المسلحة من حيث استقبال الموقف النقدي. لذلك لا يمكن أن نخلق نقاشا مؤسسا على خلفيات معرفية وسردية. أن نكتب رواية لا يعني أننا وصلنا، ولا يعني أبدًا حلولنا محلّ المنظرين والنّقاد والأكاديميين والعارفين. القارئ هو السّلطة الوحيدة، هذه قناعتي. وهو الذي يستطيع توجيهنا إن نحن دخلنا في مرحلة عمائية أو سديمية. أتحدّث هاهنا عن القارئ المنبه الذي يملك الوسائل الكافية للملاحظة والتقييم والتقويم. التّجربة السردية الجزائرية مهمة وجادّة، لكنها بحاجة إلى أن تقرأ نفسها، وأن تتعلّم السّماع. من لا يعرف المفعول به لا يمكن أن يكون أكبر مما هو عليه.

الرواية الجزائرية التي أعني، وقد تتّفق معي، هي التي حينما أباشر قراءتها، أحسّ بالانتماء إلى الجذور وروائح الأرض، وإلى عطور أمهاتنا ورنين الخلاخل في أقدامهن، رواية شبيهة برواية «الجازية والدراويش» التي أقرأها أكثر من مرّة، وأحسّ من خلال سلاسة اللّغة وقدرة  عبد الحميد بن هدوقة الفائقة على التّعبير بصدق، بانتمائي لهذه التّربة وذلك الكوخ.

بالضبط. ذلك ما أشرت إليه في مقالي: عودة إلى المحلية. لا أتصوّر رواية عظيمة من دون ذات. كل شيء يتأسّس على الأنا، أما الباقي فتوابل للتّجميل. سُئلت مرة في ندوة عن الحداثة فأجبت ببساطة: هي الزغاريد والناي ومسبحة جدي ومنديل جدتي المرقّع. هذه جواهر وجب ترقيتها إلى مصاف الموضوعات الإنسانية الكبرى، وذلك ما فعله ماركيز، وطاغور، ومكسيم غوركي، وتشيكوف. النّاس عندنا يقفزون من الولي الصالح إلى كارل ماركس، دون مسوّغات أو علاقات سببية لذلك. ما ذكرته عن «الجازية والدراويش» في الصّميم تماما، وهو جزء مما ظللت أفكّر فيه طوال تجربتي السّردية، إن استطعنا أن نسميها تجربة. النّاس ذهبوا إلى الجنس والفلسفة والإلحاد وجاك ديريدا، وفوكو، وهذا مهم جدًا، لكنهم نسوا جحا، وتلك خسارة كبرى.

في هذا السّياق يقول الشّاعر الداغستاني رسول حمزاتوف إن العالم يبدأ من عتبة بيتي، المحلية هنا لا تعني الانغلاق، ولكنها تفتح أجنحة لمعانقة الإنسانية. كل الرّوائيين الكبار كما ذكرت، انطلقوا من مراتع الطفولة وسفوح قراهم النائية. يمكن الإشارة إلى الروائي القرغيزي جنكيز إيتماتوف(1928-2008) في معظم رواياته وبالأخص رواية «الوداع يا غولساري»(1968). هذه الرواية المتميّزة التي يحسّ القارئ من خلالها بعظمة الفلاح البسيط المتشبث بحصانه وضيعته وخرفانه. سؤالي، أين نحن من كل هذا؟

أجل. قرأت جنكيز آيتماتوف، وأتصوّر أنه أحد أصدقاء البساطة والعفوية، الشّيء ذاته بالنسبة لكل الروس: راسبوتين، رسول حمزاتوف، جنكيز آيتماتوف، بوشكين، غوركي، تولستوي، ماياكوفسكي، دوستويفسكي. هناك جملة رائعة قالها الشاعر الهندي طاغور: «زرت كل العالم والبلدان والمحيطات ولم أر قطرة ندى على وردة قرب باب بيتنا». مشكلتنا السردية تكمن في هذا تماما: الاستيراد الآلي للموضوعات والمنظورات الغيرية.

جنكيز إيتماتوف

من بين الأسماء الروائية الجزائرية التي تسترعي انتباهك. وترى أنها يمكن أن تذهب بعيدا؟

أفكر في الخير شوار مثلا، علاوة حاجي، حكيمة صبايحي إن عادت إلى الكتابة، الحاج الزيواني، عبد الله كروم وآخرين اهتموا بذواتهم قبل سرقة ذوات الآخرين. طبعا: هناك روايات جميلة جدًا كتبها روائيون مكرّسون وهواة. لا يمكن إغفال عناوين رائعة، ومنها بعض ما كتبه مؤخرا حميد عبد القادر. المجال لا يتسع لذكر الأسماء التي ستذهب بعيدا جدا، وهي موجودة.

ألا ترى معي أن الروائي في نهاية المطاف، لا يكتب إلا رواية واحدة. ما صحة هذه المقولة؟

ربما. هذه جملة لناظم حكمت، ثم تكرّرت بأشكال مختلفة عند بعض الكتّاب. الكاتب العظيم نيكوس كازانتزاكي(1883-1957) كتب عدّة روايات مذهلة، لكن منطلقه كان واحدا، وهو كتاب «تصوف» الذي بنى عليه تجربته اللاحقة. مع ذلك فإني أتصوّر أن في هذا الحكم بعض المغالاة.

غلاف (تقرير إلى غريكو)

نيكوس كاتب عظيم وعلامة فارقة في الأدب العالمي الحديث. في مجمل أعماله الروائية: زوربا، الإخوة الأعداء، المسيح يصلب من جديد. لكن في اعتقادي مذكراته هي الأهم. أعني تقرير إلى غريكو. هل توافقني الرّأي؟

طبعا. «تقرير إلى غريكو» عمل فظيع وكارثي. كانت لي معه حكاية طريفة جدا بجامعة تيزي وزو. كانت هناك قاصّة جيّدة تستشيرني في مسائل سردية، وذات مرّة أهديت لها «تقرير إلى غريكو»، وقلت لها: سيكون هذا معلمك ومنقذك. وعندما نشرت لاحقا كتابا قمت بتقديمه، وفي التّقديم سردت هذه الحكاية. لكن كازانتزاكي يظلّ قويًا في كل منجزه. هذا الشّخص لن يتكرر ثانية. أنا أطمح في أن يكتب الجزائريون أعمالا خالدة من هذا النّوع، وليس سفاسف تتحدّث عن السفاسف.

ما يعجبني في نيكوس رؤيته المتميّزة للدّين بوصفه ملاذا روحيا ومنبعا ثريا للتّأمل في الطّبيعة والكون. في هذا السّياق استوقفتني هذه الجملة التي ظلّت راسخة في الوجدان في كتابه «تقرير إلى غريكو»: «سألت أين الله، يا شجرة اللّوز، فأزهرت شجرة اللوز». هذا البعد أراه غير موجود في رواياتنا، باستثناء أعمال محمد ديب في أعماله الأخيرة، ما تعليقك؟

أتذكّر هذه الجملة جيدًا لأني أحفظها أصلا. كنت أحبّ أن أقول لك إن روايتنا بحاجة إلى أثاث، لكنّي خشيت أن أُتهم بالتّطاول. لا أجد، في أغلب سردنا، ما يمكن أن يظلّ حيًّا مع الوقت، وأما السّبب فيكمن في هذا الفقر الذي يعاني منه السرد. لا توجد أسئلة، أما الدين فيتمثل في البيرة والروج ورمضان. كأن هذه موضوعات.

لكن محمد ديب في اعتقادي يشكّل الاستثناء، فقد نحا، في أعماله الأخيرة، منحى تصوفيا بحيث يلحظ القارئ هذا التماهي بين الطبيعة والوجود، بين المحسوس واللامحسوس. أعني روايات الشمال، سطوح أورسول، الصحراء بلا حد، إغفاءة حواء،إلخ… ألا تشكّل هذه الأعمال للروائيين الجزائريين المحدثين عتبة للانطلاق؟ أم أننا مصابون بعقدة التّطاول والمجاهرة بقتل الآباء المؤسسين؟

هذه استثناءات، وهناك، إلى جانب محمد ديب، آسيا جبار، والطّاهر وطار في بعض أعماله، وابن هدوقة في «الجازية والدراويش»، ومالك حداد في أغلب أعماله. أتحدّث عن منحى الجيل الجديد الذي لم يستفد كثيرا من قراءاته الكثيرة، ومن التّجارب السردية الكبرى. قد ينتبه إلى المعضلة وينتبه أن مناقشة المسائل الدينية لا تتعلق بالبيرة.

 

..يتبع

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 …

كاتب ياسين في تسجيل نادر، ينتصر للمتنبي وعمر الخيّام

في هذا الفيديو النادر، سيتحدّث كاتب ياسين (1929-1989) عن الشاعر المتنبي، يُعرّف به، وعن سرّ …