الأحد، 16 يونيو 2019

أقسى مظاهر العنصرية تلك التي تتسربل رداء الفضيلة

د. بشير خليفي

هل يمكن أن ننظر إلى أنفسنا من خلال مرآة مَجلُوَة بعيدًا عن ورقة التّوت؟ هل من السّهولة أن نمارس نقدًا ذاتيا في ظلّ غياب النّقد الحقيقي؟ ومن ثمة نتجاوز لغة الإطراء لصالح صراحة مؤلمة وموجعة؟

لا بدّ من الاعتراف أننا بعيدون كل البعد في غالبيتنا كأفراد نُعبر عن ظاهرة ومظاهر سوسيولوجية، عن مواجهة الحقائق، ويبدو حالنا كحال المرأة المتقاعسة  التي تهوى «الميك آب»، أقصد الحرص الشّديد على تلوين الوجه وطلاء الأظافر… وتحِّن لحديث الجارات ومشاهدة المسلسلات المكسيكية أو الهندية أو التركية الحالمة التي تنتهي حلقاتها الأخيرة بعد سنتين… فعوض أن تكنس بقايا البيت تفضل وضعها تحت السجاد… والنتيجة معروفة.

يبدو أننا لا نحب النّقد، لأننا لم نوفر دعائمه عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية، أحيانا يكون النّقد وإن كان مُؤسسا، وإن استعملت فيه لغة متحضّرة وأسند بقرائن يبدو قاسيا ومُجحفا، هكذا تتصوّره الذهنية السّائدة في معظم حالاتها… التي قد تطال مواقع الفكر، ففي كثير من الأحيان لا يستساغ النّقد في عوالم الكتابة الأدبية والفكرية، فكيف يستساغ مجتمعيا؟

بيد أنه من اللازم التنبيه معرفيا لمسألة بالغة الأهمية، فأحيانا يُولد الإنسان بمنتهى البراءة والجمال، ليجد أمامه معايير لقيّم وأعراف مجتمعية لم يكن سببا في صياغتها وصنعها، تحدد ذوقه وتضبط تصرفاته، والأغرب أنها قد تحمل تصنيفات رحل أصحابها وأبقوها أوثانا لا سبيل لتحطيمها، فيها يتجدّر «النحن» بوصفه ضميرا متكلما ويغيب الأنا في إحالة للذّات الفاعلة الحرّة والمسؤولة، الأمر الذي يُسهل تَشكل الهويات المنغلقة أو القاتلة، على حدّ تعبير الرّوائي اللبناني أمين معلوف. في هذا السّياق تُحَدَد المواقف العنصرية بوصفها تراكما تاريخيا،  يُعبر عن نتائج أكثر من كونها أسبابا، عن نوازع نفسية وأفكار مسبقة أكثر من كونها مبررات موضوعية تجد لها سندا في المنطق والواقع.

إن سلوك العنصرية حالة مَرَضية مُفتتة للإنسانية تكاد ترتبط بكل المجتمعات ليبقى الاختلاف في الحدّة والشّدة والمبررات، قد تطال الإنسان في يومياته، في عمله، وكرامته. كما تُشكل تهديدا صريحا لتوازنه وكينونته لقيامها على الكراهية وتأجيج الحقد وإلغاء الاختلاف. إن أقصى إحساس بالعنصرية حينما يشعر الفرد بالإجحاف والغربة في مجتمعه ضمن إطار تصنيفات طبقية وقبَلِيَة وجِهَوية لا يُرى فيها أثرًا للمواطنة والتمدن… لذلك تُعتبر ملمحا نقديا للفرد والمجتمع من حيث التشخيص والمكاشفة ومن ثمة القدرة على الاعتراف بالمثالب وتجاوز النّقائص، بدءا من سبر أغوار الذّات بوصفها حالة نفسية مَبْثُوثَة في العقل الباطن تعلنها الهوية وتتمظهر من خلال سلوكات… وصولا إلى تجلياتها العنيفة والقاسية. يبدأ هذا الإحساس في أبسط وأوضح معانيه حين لا يقدر الفرد على عقد صلات وصداقات مع المختلفين في الهوية والانتماء في ظل أجواء حقيقية من المحبة، الاحترام والتسامح.

العنصرية لا تحيل إلى الارتباط بالتّخلف دوما، فقد تتأجج في أكثر الدّوائر إعلاء لقيم الثقافة، إذ كثيرا ما تحوز العقول المتقدمة زوايا معتمة وكهوفا مظلمة بحاجة إلى تهيئة، إنارة واستكشاف. كما أنها لا تتخذ دائما طابع الكلام، قد يكون الإنسان عنصريا دون أن ينبس ببنت شفة، عنصرية السّلوك أخطر، فقد يرحب بك من يبتسم في وجهك ويقدّم لك عصيرا مُنعشا مُعتقا، لكن ما إن تخرج أو تفارقه حتى يرمي بمعرفتك في سلة المهملات، وقد لخص الشّاعر العربي هذا النّمط من السلوكات بقوله: «يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً/ويَروغُ منكَ كما يروغُ الثّعلب«.

أما مظاهرها فعديدة، نراها في البيت، المدرسة والمجتمع، في مواضيع تحيل إلى التنديد والاستهجان، وقد يتعدى الأمر إلى تغليفها بالموضوعية والإنصاف، حين يُسند الموقف العنصري بقرائن الحقّ، الخير والجمال، ومثال ذلك في المواضيع الأكثر لطافة تخصيص سمة الجمال بحكم موازين القوى للحليبية ذات القدّ الممشوق والشعر الأشقر والعيون اللازوردية. كما أنها قد تطال المشهد الرومانسي، وهنا أريد أن أتعمّق قليلا،  لتتزي بلبوس المنامات والأحلام الوردية،  حينما تحلم عذراء، ضمن إطار تنشئة تحتفي بالتمييز، بفارس أحلامها الثّري وهو يركب صهوة الحصان الأبيض المطهم،  تريده فارع القامة، وفي الغالب أبيض اللون وسيما، تتخيّله ببذلة انجليزية، بحذاء إيطالي لمّاع، بساعة راما أو كارن السويسرية، تتنسّمه بعطر الغاردينيا وأريج الأوركيد البرّي… وبحكم التنشئة الاجتماعية لا تراه إلا مُنتميا، مجردا من روحه وشخصيته لصالح ما يُراد له ضمن ثقافة بعينها حين يغيب النقد المؤسس… لا تتخيّله عاملا بسيطا أو كالحا كادحا إلا في ما ندر… وبين الندرة والوفرة هوّة معرفية سحيقة ومؤلمة يصعب تجاوزها… هي نفسها ما يفرق الثرى عن الثريا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …