الإثنين، 21 سبتمبر 2020

تمرّد على صيف الجنوب

سعيد خطيبي

ماذا يمكن لجنوبيّ أن يفعل في صيف الجنوب؟ حيث مؤشر الترمومتر لا يُفارق الأربعين، حيث انقطاعات الكهرباء تكاد تصير عادة يوميّة، حيث الضّجر يتّسع والحياة تضيق، حيث الأيام تتشابه وتسير بلا طعم!

ماذا يمكن لجنوبيّ أن يفعل في صيف الجنوب المتواطئ؟ حيث الحياة تتوقّف ما بين الظّهر والعصر، حيث الفقر يمنع النّاس من السّفر، حيث الفراغ ينكّل بالفرد، حيث المواطن لا يشعر بالانتماء إلى وطن عادل!

قد يفكّر الجنوبيّ في الفيلسوف الفرنسي (جيل دولوز) ويفعل مثله، بأن يبقى في المكان ذاته ويتخيّل نفسه مسافرًا، بأن يتحرّك ولا يتحرّك في آن، بأن يرسم لنفسه دائرة أسفار في مكان عيشه، ويحدّد تنقلاته من فضاء لآخر بحسب مؤشر تغيّر الانفعالات، بأن يدور حول نفسه، ويؤمن بأن الدّوران حول المكان هو لبّ السّفر.

«العطلة» لم تعد أمرًا مهما في حياة الجنوبي، بحكم أنها ليست ترتبط بفكرة تغيير المكان بقدر ما ترتبط بفكرة الانصراف لانشغالات ثانوية، فقد أدرك الجنوبيّ عدم وجود عدالة في الحركة، وعدم توافره على قدرة لاطلالة، ولو سريعة، على الشّمال المحاذي للبحر، فالجغرافيا البعيدة وتراكم «الحاجات» يفرضان عليه الاكتفاء بسفر  إلى الذّات وحولها، وعدم المغامرة بالخروج من نطاق الدّائرة التي رُسمت له سلفا.

الجنوبيّ يظلّ في جنوبه ليحترق بالانتظار، وفي الانتظار قد يحترق بالشّمس، لا يفكر كثيرا في تقمّص دور «السّائح»، فطبقات الحياة الخاوية ألزمت عليه التّعامل مع السّفر باعتباره مرادفا لمهام شخصية أو طلبا لخدمات علاجية، أو، في حالات قليلة، استجابة لواجبات عائلية أو إنسانية، ورحلة البحث عن القوت اليومي الشّاقة تمنع عنه النّظر أبعد من البقاع التي يعيش فيها، تفرض عليه تقبّل سفر محدود، دائما ضمن إحداثيات المكان الذي وُلد فيه والذي يعيش فيه، هكذا يجد نفسه في الغالب مجبرا على قبول السّائد ومحروما من اكتشاف لذّتي الاختلاف والتّعدّد.

يمكن للجنوبيّ في صيف الجنوب الخاذل أن يتماهى مع الكاتب و الجنرال كزافيي دوميتر، الذي كتب «رحلة حول غرفتي»، بعدما قضى 42 يومًا يتسكع في غرفة صغيرة، حفظ كلّ تفصيلاتها وارتبط بها وخلق معها ذكريات حميمة، وهو ما يحصل أيضا مع الجنوبيّ، الذي يشعر بأن مدينته أو قريته قد ضاقت وصارت أقلّ حجما من غرفة، بحكم أنه صار يحفظ كلّ التّفصيلات التي فيها، وصار بإمكانه أن يدشّن ما يمكن أن نسميه ﺒ«السّفر في اللامكان» أو «الحركة السّاكنة».

الجنوبيّ يعيش قهرًا مضاعفا، فقد خانه التّاريخ وما تزال الخيانات مستمرة، لم يعد يقدر على التّفكير في حياة بديلة عن حياة «الصّيف اللا أخلاقي» الذي يعيشه كلّ عام، فقد تصالح مع الضّجر ومع الاكتئاب، ولم يناور كثيرًا للانقلاب على الواقع، لكن هذا الوضع أكسبه مع الوقت خاصية استثنائية، ميزة له وحده، لقد منحته حياة الرّتابة سعة في الحلم وفي التّخيل، هكذا صار الجنوبيّ يرسم لنفسه دوائرا ومربعات داخلية، ويسافر بنصّه وإنسانيته حول ذاته، ويستشعر ما يحسّ به أيّ سائح آخر أو أيّ عابر للبلدان والمدن.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …