الإثنين، 25 مارس 2019

صادق بن الطّاهر فاروق يكتب: قبل أن أصرخ

أفقتُ وأنا في مكان مليء بفقع الصّابون المتناثرة، التفتُ إلى الخلف وتحسّستُ الأرض برجلي، لم يكن هناك منتهى لنظري، كل ما حولي فضاء وردي يزيد عمقا كلما أمعنت جيدا، أين أنا؟.. هل أنا في حلم؟.. حاولتُ فرك عيني لكنني فُوجئتُ بشيء غريب، كانت أصابعي تتعاركُ مع بعضها، لم أعد أتحكّمُ في جسمي، كانت كلّ أعضائي تتربص ببعضها وكأنها حرب ضروس تنمنم على جسدي، شعرتُ بأن خلطا حدث في زمن ما أو مكان ما، أو أنهم أدخلوني حوض استحمام أو ما شابه، هل يُعقلُ أني متُّ فعلا؟.. وفجأة سقطتُ بسرعة خيالية إلى الأعلى، ما هذه التخاريف!.. بدأتُ أُجّن.. كنتُ أصرخ.. أتركوني أرحل.. أنا لم أفعل شيئا، وقفتُ على أرض مظلمة، حاولتُ الفرار لكنني كلما فعلتُ ذلك اصطدمت بجدار ملتوي، يغيّر شكله كلما دفعته بجسمي، اتكأتُ وقد تمكن التّعب مني وأصابني دوّار مزمن من أصوات دافئة جدًا لم أعهدها من قبل، وبعدما غمض جفني قليلا، استيقظتُ مرعوبا، تذكرتُ شيئا نسيته لوقت طويل، تحسّستُه مهلا أين هو؟.. أين اختفى؟.. لن أستطيع العيش دونه، لم أجد أثرا له، اختفتْ رجولتي ورحلتْ حياتي الجنسيّة معها، لن أستطيع معاشرة امرأة بعد الآن! انكمشتُ وملتُ نحو الجدار مستأنسا به، أغمضتُ عينيّ بشدّة حتى كدتُ أعصرهما، فمازال الصّابون عالقا بجسدي كلّه، لكن المثير أنه لم يكن يحتوي على رائحة، بدأتُ أشكّ أنه ليس كما ظننت، ربما هو ليس صابونا، مرّ وقت طويل وأنا على هذه الحالة، لا أجوع ولا أشرب ولا أنام، فقط كنتُ أتسلّى بصراخي الذي أرسله إلى الأعلى، ليتساقط عليَّ كقطع صغيرة جدًا من الأصوات الملائكية، كنتُ كمجنون يتلاعب بصراخه المملّ في ذلك المكان، لكنّه حدث شيء غريب في اليوم الرّابع، ظهرت مرآة في الجدار الذي كنتُ أدفعه من حين لآخر، تقدّمتُ منها نافذ الصبر، فلأول مرة أرى شيئا مختلفا هنا، لكنّي خفتُ قليلا من وجهي المُخيف الذي سأراه، هل أصبحتُ وحشا..؟ أم أنَّ ملامحي شاذَّة ومروِّعة، رغم تردُّدي لكنِّي كنتُ مصرا على أن أرى ما أُلتُ إليه، قابلتُ المرآة ولكني لم أرى شيئا، تقدّمتُ أكثر لكن دون جدوى، لا أثر لي..أنا غير موجود، أيُعقلُ أني ميّتٌ حقا..!ولكن، كيف أتتْ هذه المرآة إلى هنا؟ كنتُ أُحس بنبضاتي البعيدة جدا في داخلي، وكأنها تبتعدُ راحلة في طريق أبدي، انكمشتُ كعادتي وأغمضتُ عينيّ متناسيا ما يحدث، مرّ وقت طويل ولم أعرف شيئا، أأنا حيّ أو ميت! أأنا إنسان أو شيء آخر! لا أتذكّر إلا فقع الصّابون التي تساقطتْ معي من الأعلى.

مرّ زمن طويل جدًا، بدأتُ أتعايش مع طبيعتي الخيالية، وأتعوّدُ على تلك المرآة وكأني أرى روحي فيها، وذات مرّة، بعدما مكثتُ طويلا أمام المرآة، تعال صوت كأزيز حارّ في الأعلى، انكمشتُ وتمسكتُ بالجدار الذي راح يهتزّ بشدّة، لحظتها نزلتْ ملايين من الكائنات الصّغيرة المضيئة وهي تتدحرج مع فقع الصّابون، شعرتُ بالرّعب حينها، وحالما نزلتْ بدأ كلّ كائن بدفع الجدار واستكشاف المكان، تماما كما فعلتُ أنا في البداية، لكنهم سرعان ما نال منهم التّعب اتكئوا جميعا على الجدار الملتوي، كنت أراهم ولا يرونني.. لا أعرف لماذا، مرّ وقت قصير حتى بدأ صراخهم يعلو سماء المكان، كما فعلتُ أنا تماما، لا شكّ أنّهم كانوا يلهُون بتلك الأصوات الملائكية، وبعد أيام ظهرتْ مرايا كثيرة بعدد تلك الكائنات، رأيتُ كلّ واحد منهم يقف أمام المرآة التي قربه، كان المنظر آسرا ومذهلا وخياليا لحدّ كبير، عرفتُ أخيرًا أنّي كائن ضوئي وأني أشبههم تماما، حاولتُ حينها أن أقترب منهم لكني فشلتْ، لأنّ تلك الصّورة التي أراها كانت جامدة وبعيدة جدًا، شعرتُ أنّهم في عالم غير الذي أنا فيه، ولا شكّ أنّ الكلّ يُحاول الوصول إلى الآخر.

توالت اللّحظات ولم أعدْ أكترث لهم، لكنّي بدأتُ ألاحظ ظلا خافتا يلمع في مرآتي، التي أدمنتُ على مقابلتها، والذي كان يزداد بروزا ووضوحا بعد كل يوم أعانقُ فيه الجدار الملتوي، حتى أن ملامحي بدأتْ ترتسم وتتشكّل على سطح المرآة، والغريب في الأمر أن ملامح كل الكائنات الأخرى كانت متطابقة مع ملامحي، ملايين من النّسخ عني في هذا المكان الذي لا أعرف ماهيته لحد الآن.

اختفت المرايا من المكان، وصرتُ أستطيع الاقتراب من تلك النّسخ التي تشبهني، لكن الأمر كان معقدا جدا، فكلما حاولتُ الإمساك بأحدها فرّ بنفس المسافة التي أقتربُ فيها إليه، وكأنني ألاحقُ نفسي ملايين المرات، عدتُ إلى مكاني بعدما فشلتْ محاولاتي في الاقتراب منهم.

تشكّلتُ أخيرا، صرتُ أرى يدي ورجلي وكل أعضائي، صرتُ مكتملاً وصار الكلّ مثلي، وقفتُ مستعدًا لشيء ما سيحدث بعدما فعل الكلّ ذلك، وفعلاً دقَّ جرس عظيم في المكان، وفُتحت بوّابة كبيرة، لم أشعر لحظتها إلا وأنا أتدافع معهم لنعبر للضّفة الأخرى، التي كانت تُصدر أنوارًا بيضاء ناصعة، بصعوبة مررتُ رفقة الكثير ونجوتُ بأعجوبة، بعدما تبخّر العشرات منهم على أسوار البوابة وهي تُغلق، فتحنا أعيننا على مدينة زجاجية واسعة جدًا، مشينا في صفوف منظمة في تلك الشوارع، كنا عراة وصامتين، حاولتُ مرارًا التّحدث إلى أحدهم لكنني لم أستطع، فمي كان مغلقا ولساني مقيدًا بشيء ما، كنا نقصد مكانا ما دون أن نشعر، تجاوزنا الشّارع الرئيسي للمدينة، بدت المدينة صامتة وخالية للوهلة الأولى، لكننا فُوجئنا بمنظر مذهل وساحر، ملايين من الفتيات العاريات بأشكال مختلفة وفاتنة جدا، كنّ يتزحلقن في ساحة جليدية واسعة جدا.

حينها انتشرنا في السّاحة ولاحقنا الفتيات العاريات اللواتي كن يحاولن الفرار عند رؤيتنا، جريتُ وأنا محتار في الذي يحدث هنا، كان جرس الإنذار يدوّي بقوة في السّاحة، والضجيج الجنسي ينتشر وسط ذوبان ذلك الجليد، وبينما أنا أتأملُ ذلك العدد الخرافي من الثنائيات العارية، وقعتْ عيني على أجملهن جميعا، وهي تقابلني بنظرات عسلية متردّدة، لم أتمالك نفسي، وأحسستُ بشيء داخلي يحركني نحوها، جريتُ خلفها مُحاولا مُحادثتها ربّما، لكنّها كانتْ تُقلدني تماما، أتحرّك فتتحرّك.. أقفُ وأقابلها بابتسامة.. فتبادلني ذلك، وفجأة سطعتْ أشعة بيضاء حارقة، كانت تحرق كل تلك الثنائيات العارية، فتتحوّل إلى بخار كثيف جدا، بعضهم حاول الفرار لكن البخار كان ساما وقاتلا، تساقط الملايين موتى، وانعدمت الرؤية هناك، حتى صرت لا أرى يدي، اخترتُ اتجاها وجريت فيه علّني أنقض نفسي، كنتُ اصطدم أحيانا بجدران زجاجية أمامي، وأتعثّرُ بتلك الجثث الكثيرة المتبّخرة، في نهاية ذلك الطريق الطويل، قابلني شعاع ضوئي ينفذ من وراء ذلك الشّارع، حبوتُ إليه بلهفة شديدة وأنا أكاد أختنق، بعدما نفذت كل أنفاسي، واجتاحتني فكرة أني سأموت وأنا ميّت، لاحقني حزن مجنون وتعلّق بأصابع قدماي، كنت أطرده وأنا أرى صورا كثيرة لطفل صغير وهو يلعب، وشاب ورجل وأخيرا شيخ عاجز، أخيرًا وصلتُ إلى نهاية الممرّ وألقيتُ بنفسي في الضّفة الأخرى، ليستقبلني عشر نسخ منّي وتلك الفتاة التي أعجبتني بالتّصفيق والهتاف، كانوا مجتمعين قرب منصة عالية، وقفتُ معهم وأنا في حيرة شديدة، علا المنصّة أحد نسخي، ونطق بكلمات غريبة، كنت لأول مرة أسمع كلاما حقيقيا.. قال:

– لكي تستمر الحياة، علينا أن نتقاتل فيما بيننا، ولن يبقى في الأخير إلا واحد فقط، هو الذي يستحق أن يكون مع هذه الفتاة، لم يبق إلا وقت قصير حتى يبدأ نبض الحياة من جديد، هيا التقطوا السّيوف التي أمامكم وابدِؤوا حالا القتال.

كنا إحدى عشر نسخة، تَقاتلَ خمس ثنائيات وبقيتُ أتفرج رفقة الفتاة التي لم تفارقني بنظراتها العسلية الآسرة، وبعدما انتهى القتال الأول وقف خمس نسخ وأنا معهم، لكي نبدأ المرحلة الثّانية، واجهتُ خصمي بضراوة منقطعة، بعدما راحت الفتاة تشجعني وتدفع بي نحو الانتصار، قتلتُ نسخة مني،  وبقينا نحن الثلاثة في المرحلة الأخيرة، لكن الاثنين أرادا أن يغدرا بي لما رئيا الفتاة بجنبي تناصرني، هجما عليّا، وأرادا قتلي، لكن البكاء الشديد للفتاة جعلت الأرض تنفتح وتبتلع أحدهم، زادني خوف الفتاة عليَّا قوة خارقة، هجمتُ على نسختي الأخيرة المتبقية بسيفي الذي كان يرتعد تحت ضرباته الصّلبة، كان أقواهم وأذكاهم جميعا، تهاويتُ وسقطتُ تحت قسوته وصلابته، وأسقط سيفي بعيدًا منّي، أشهر سيفه وأراد أن يغرزه في جسمي، لكن الفتاة كانت أسرع منه حينما رمتْ إليّ خنجرا، وغرزته فيه قبل أن ينال مني، ولحظة موته انفجرتُ كل تلك المدينة الزجاجية بالحمم والبراكين، أمسكتُ الفتاة من يديها وجرينا نحو باب فُتح فجأة، انعزلنا معا في غرفة زجاجية صغيرة، عانقتُها في صمت وتبادلنا نظرات أسطورية، مرَّ الوقت و لم أستطع محادثتها ولا فعل شيء، فقط كنتُ ألاحظها تزيد شدة في عناقي والذّوبان في داخلي، أحسستُ أننا نندمج مع هذا الزّمن المتثاقل، استمر الحال هكذا، زمنا طويلا ونمنا دون أن نريد ذلك.

أفقتُ أخيرا على شعور متغيّر في داخلي، واختفتْ الفتاة تماما، كنتُ أحسّ بها تتحركُ داخلي مواصلة طريقها داخل روحي، خفتُ كثيرا وانكمشتُ كما فعلتُ أول مرة، سرعان ما ظهرتْ المرآة في الجدار المقابل، حبوتُ إليها لكي أرى ملامحي التي شعرتُ بتغيّرها، كنتُ طفلا صغيرا جدا، آسر وجميل، لكنني أحمل عالما كبيرا جدا في داخلي، وهكذا صرتُ الحياة التي صارع من أجلها الملايين من الكائنات الضوئية، عشتُ قبل بداية حياتي وكنتُ متميزا عن الكلّ، ثابرتُ وجاهدتُ حتى خطفتُ الحياة من الكثيرين، وأجملُ ما قمتُ به أنّي زرعتُ الفرح في قلب أمي والأسرة بأكملها، عندما أطلقتُ أول صرخة للحياة عندما وُلدت، عرفتُ أخيرًا أني كنتُ في رحم أمي وأنّي لم أكن ميتا، وعرفتُ أنّي المختار من بين الملايين الذين صارعوا من أجل أن يُعانقوا ضوء الحياة، سمّوني كما نادتني تلك الفتاة حينما كنتُ تحت رحمة السّيف، لم أنسَ أبدًا ذلك العالم الخيالي الذي عشتُه هناك، قررتُ أخيرا أن لا أخذل آمال الملايين الذين ماتوا في رحم أمي، وأن أُقدّر الحياة وأعيشها جيّدا حتى لا أخون هذه الأمانة الأبدية.

 

*القصّة الفائزة بالمرتبة الأولى في مسابقة مجلة «نفحة» للقصّة القصيرة 2015

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أكتوبر 88 وصمت المثقّفين

جلال الدّين سماعن في الفصل الأول من كتاب “الجزائر، الكتّاب في العشرية السّوداء”، والذي يحمل …

صافية كتو : أحاسيس هوت من جسر

عندما انتقلت الشاعرة والإعلامية الجزائرية الراحلة صافية كتو (1944-1989) واسمها الحقيقي الزهراء رابحي، من مسقط …