الخميس، 18 يوليو 2019

وليام فوكنر وأسطورة الرقم خمسة

رشيد فيلالي

1

يملك رقم خمسة في معتقداتنا الشّعبية حظوة خاصة، بحيث يتطلّب ذلك في اعتقادي دراسة عميقة وموسعة للكشف بشكل أدقّ عن خلفيات هذا الاهتمام الزائد والغريب بهذا الرّقم تحديدا، ولماذا هو بالذّات دون غيره، مع الإشارة إلى أن هناك بعض الباحثين يشير إلى أن هذا الرّقم بمدلوله الرّمزي الشّائع يعود إلى ترسّب معتقد شيعي في المجتمع الجزائري كون الرّقم يحيل إلى أهل البيت وهم النّبي صلّ الله عليه وسلم وعلي كرم الله وجهه وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ورغم أن هذا التفسير يحتاج إلى إثبات.

وللأرقام في الثّقافات العالمية مدلولات رمزية مثيرة فعلا للاهتمام والفضول المعرفي. مثلا رقم أربعة في الثّقافة اليابانية له مدلول سلبي جدًا والسّبب في ذلك أن نطق هذا الرّقم يشبه إلى حد بعيد نطق كلمة الموت في هذه اللّغة، ولذلك تجد هذا الرّقم معدوما في الطّائرات والفنادق والفضاءات العامة تماما، مثلما هو حال رقم 13 في الثّقافة الأوروبية الذي يعتبر رقما مشؤوما، حيث يوحي في نظر هذه الشّعوب إلى حادثة صلب المسيح عليه السلام، وفي الحقيقة أن رقم خمسة في الثّقافة الجزائرية يستعمل عادة كرمز لصدّ العين والحماية من شرورها، إذ كانت كلّ العائلات الجزائرية تقريبا تعلّق على جدران منازلها في غرف الاستقبال إطارا يتضمن صورة يد كبيرة تتوسّطها عين وتعني هذه الصّورة «خمسة في عين الحسود»! وعلى الصّعيد نفسه لجأت بعض الأمهات إلى حيل خبيثة لصدّ العين عن أبنائهن، حيث كلما سئلت عن سنّ ابنها أو ابنتها تقول مثلا أن سنّه 8 سنوات و«خمسة» أشهر، فيما الحقيقة أن سنه 8 سنوات فقط، وكلمة خمسة أشهر تزاد لصدّ العين، لكأن الأمّ قالت بطريقة غير مباشرة للسائلة خمسة في عينيك.. فتأمل.

الرقم خمسة يستعمل عادة كرمز لصدّ العين

2

لا ينكر أحد فضل الأمريكيين في تطوير اللّغة الإنجليزية على رغم الحساسية الشّديدة الموجودة بين الأمتين الأمريكية والإنجليزية لأسباب تاريخية معروفة، حيث يستاء الأخيرون كثيرا مما أسموه تشويه «أبناء العم سام» للغتهم ونطقهم لها بطرق قبيحة وبلكنة ورطانة غير مفهومة تشبه جعجعة الرحى! وفي هذا المقام يجدر بنا الحديث عن الأديب الجنوبي الأمريكي وليام فوكنر الذي يعتبر مثالا حيًا وممتازا حول مغزى ما نريد قوله تحديدا، إذ أن هذا الأديب متعدد الاهتمامات (كتب الرّواية والقصّة والشعر..إلخ)حين تحصّل على جائزة نوبل للأدب(1949) ألقى خطابا على منبر أكاديمية ستوكهولم، بلهجته الجنوبية الصّعبة، إلى درجة لم يفهم ويستوعب الحاضرون ما قاله بدقّة ويسر، غير أنه في اليوم الموالي، حين نشر ذاك الخطاب في الصّحف، وصف كل من قرأه بأنه من أعظم الخطابات التي أُلقيت من طرف الذّين حظوا بنيل الجائزة العالمية الشهيرة.. فتأمل.

وليام فوكنر

3

في عددها الصّادر بتاريخ 20 جويلية 2015، صرّح النّجم السّينمائي البريطاني تيريس ستامب(Terence Stamp) لصحيفة «ديلي ميل» أن الإنجليزية صارت لغة أجنبية في لندن! وأردف بالقول، أنه خلال تجوّله شرق العاصمة البريطانية  تفاجأ بأن الغالبية من المهاجرين يتحدّثون لغتهم الأصلية، بحيث صارت فيه الإنجليزية تشبه لغة أجنبية في عقر دارها، فيما كان العكس هو الصّحيح خلال نشأته شرق لندن في العشريات الماضية، وأضاف هذا الممثل الشّهير باستفزازه والذي شارك في العديد من الأفلام في هوليوود من بينها «سوبرمان» أن التّعدد الثّقافي جميل و يجب أن يثمن، لكن حين ينقلب إلى اجتياح للثّقافة المحلية فهذا غير معقول ولا مقبول! وكما نلاحظ، في الوقت الذي كان الغربيون، سيما الاستعماريون منهم يعملون جاهدين في فرض لغتهم على سكان مستعمراتهم وبالقوة في أحيان كثيرة، على غرار ما قام به الفرنسيون في الجزائر، ها هو السّحر ينقلب على السّاحر ، ويصبح المستعمَر يغزوا بلغته المستعمِر، علما بأن الإنجليزية بالنسبة لبريطانية مازالت تمثل أعظم ثروة اقتصادية، بحيث تحقق لهذا البلد مداخيل سنوية بملايير الدولارات.. فتأمل.

تيريس ستامب

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …