الجمعة، 20 سبتمبر 2019

رسالة مفتوحة إلى برنار هنري ليفي

نصّ الرّسالة التي وجّهها المفكر الجزائري أحمد دلباني إلى الفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي.

برنار هنري ليفي

 

«لا القوة انتصرت،

ولا العدلُ الشريدُ»

محمود درويش

1

أيها المثقف،

آثرتُ أن أبدأ رسالتي إليك بكلمة للشّاعر الفلسطيني الرّاحل محمود درويش، وردت في عمله الملحميّ الكبير «جدارية»، الذي توّج به مسيرة من المنفى والنّضال والتأمل في دلالات الضياع التراجيديّ والجميل في آن بين بابيْ الأبدية والعدم.

آثرتُ أن أفتح معك حوارية أراها ضرورية ونحن ننتمي بالمولد إلى بلد واحد، هو الجزائر، وإن كنا مُثقليْن – خارج اعتبارات الجغرافيا – بذاكرة تاريخية منقسمة على ذاتها وبأشكال من الانتماء تحدَّدت تاريخيا وعرقيا وثقافيا منذ قرون خلت. وإذا كانت تنقصُنا، اليوم، اللّغة الواحدة والمواطنة الواحدة فلأنَّ للتاريخ الكلمة العليا دائما في رفع حصُون الهوية ورسم الحدود التي تتأبى، في أحايين كثيرة، على مغامرات الجغرافيا في تشكيل وجه العالم. ربما لم تكن الأرض مريضة كما هي اليوم ونحنُ نراها تُجلدُ بسوط التّاريخ والهويات المغلقة التي تنهلُ من حضور السّماء عندنا وعندكم. سأحدثك أيها المثقفُ، لاحقا، عن الموقف من التاريخ وعن هوس الحرية الملازم لكل تجربة فكرية تضعُ وصايا الأب في المُتحَف، باحثة عن طفولة ما زالت تقيمُ في فراديس البدايات وعن بيت يجمعُ الأطراف. هذا من قواسمنا المشتركة التي دعتني إلى مخاطبتك. لم تكن الأرضُ مريضة كما هي في عهود انتعاش المُقدَّس الذي لا ينتفضُ إلا ليُعلنَ عن فشلنا جميعا في تحقيق مبدأ العدالة البسيط بين البشر. نحنُ نحتاج إلى المُقدَّس، عادة، لتبرير حماقاتنا وعُنفنا وعطشنا إلى الدّم ومحو الآخر. المُقدَّسُ يُسعفنا في أزمنة شيخوخة العقل والقلب. نحتاجُ إلى كلمة تتدلى من شرفة الأبدية كلما ثقلت علينا أمانة البشرية أو عجزنا عن ابتكار كلمةٍ تحملُ رائحة الإنسان ولون الأرض. ما زال العدل شريدًا، فعلا، في أرض تئن تحت أقدام بعض أسلافك وقد جعلوا القوة خمرة مُعتقة تقدم للآلهة.

أكتبُ إليك، أيها المثقف، وأنت ترى معي ما يجري في الشرق الأوسط – وعلى الأرض الفلسطينية تحديدًا – من مذابح ومجازر مُرعبة. وبداية أقول لك إنَّ مواقفك المعروفة من القضية – منذ سنوات – لا تحملُ إلا إرث الأيديولوجية الصهيونية التي برمجت لتشريد الشعب الفلسطينيّ و زرع كيان استيطانيّ في قلب الأرض العربية. يبدو لي أنك وريثُ الأيديولوجية الاستعمارية الحديثة لا الفلسفة التي تضعُ التأمل في المصير البشريّ وفي مشكلة العدل هاجسا أبديا لها. أنت وكيل على كيان سياسيّ وعلى مؤسَّسة تنوبُ عن الأمبريالية العالمية في الشرق الأوسط. فكيف رضيت بهذا الدَّور أيها الفيلسوف؟ كيف أصبحت ناطقا رسميا باسم تاريخ انحرف عن مسار أجمل التطلعات البشرية وغرقَ في العنف الأعمى؟ أنت تتحدثُ كالعادة، طبعا، عن «إرهاب» حركة حماس التي ترفض السّلام مع إسرائيل. وتتحدّثُ عن انسحاب إسرائيل منذ عشرية من غزة. وتتحدثُ عن نواياها «الحسنة» باعتبارها كيانا يتأفف من الحرب. بل وتتجرَّأ حتى  على الحديث عن حساسية «جيش الدّفاع الإسرائيلي الأخلاقية الفريدة». لقد سئمنا فعلا هذه الأغنية المُبتذلة المتواطئة علنا مع الظلم التاريخيّ الذي لحق بالعرب في تلك المنطقة. لقد أكثرت من كتابة عرائض الدّفاع عن قايين. لا يُعجبني أبدا أن ينحط الفيلسوف والمثقف إلى رتبة المُوظف عند الزبانية. لقد رمت البربرية، أخيرًا، قناعها الإنساني الذي تحدثتَ عنه يوما وأنت تفضحُ النزعات الشمولية. أقول هذا مع التّذكير أنني لا يمكن، أخلاقيا، أن أسقط في وحل العنصرية المقيتة أو أن أتحدّث بسوء عن اليهود الذين أحترمهم وأحترمُ حقهم الإنسانيَّ الكامل في العيش بسلام كباقي البشر. وليس بوسعي، أيضا، أن أبرّرَ قتل أي مدنيّ يهوديّ أو إسرائيلي. بل أذهبُ مع سارتر العظيم إلى الإعلان أنَّ «مُعاداة السامية ليست قضية يهودية. إنها قضيتنا»، كما يُعبِّر. أجل، فدورُ المُثقف الأوليّ، كما تعلمُ، هو أن ينتصرَ للإنسان أينما كان، مُفككا أنظمة الهيمنة المادية والرَّمزية وفاضحا مُؤسَّسة التاريخ الرَّسمي التي تتناسلُ شوفينية وكراهية وعنصرية إزاء الآخر المُختلف. ولكنني هنا، أيها المُثقف، أحدّثك عن تراجيديا تاريخية منظمة وعن ثقل تاريخ يجب أن لا يُنسينا أبدًا مأساة الفلسطيني الذي يَكتبُ – منذ أكثر من ستين عاما – فصلا آخر من فصول الهنود الحُمر في طبعة جديدة. فالمأساة الفلسطينية ليست قضية فلسطينية أيضا. إنها مأساتنا وقضيتنا جميعا. ورسالتي إليك، أيها المثقف، أننا نرفض مطلقا أن يُصبح الفلسطينيّ هنديا آخر أو ذكرى حماقة بشرية قد يجدُ لها بعضُ فلاسفة المُستقبل مكانا هامشيا في نسق فكريّ يتحدّثُ عن عناية علوية لم تتبيَّن ملامحُها، بعدُ، لبصائرنا الشرقية الضعيفة.

2

أيها المُثقف،

هل تعلم أنَّ حركة المقاومة العربية – الفلسطينة كانت حركة تحررية من أجل استعادة الأرض والكرامة السليبة ولم تكن أبدًا حركة عنصرية ضد اليهود؟ لقد ولد النضال العربيّ المقاوم من رحم المشروع التحديثيّ العربي يقودُه هاجسُ التّحرر من الخارج الأمبرياليّ من جهة أولى، وبنيات التخلف الموروثة عن مؤسَّسة التّاريخ الراكد من جهة أخرى. مشكلتنا، أيها المُثقف، ظلت دوما مع الأيديولوجية الصهيونية التي رأت النور في الغرب الحديث إبان ظهور الحركات والنزعات القومية المعروفة ولم تكن مع اليهود الذين عاشوا بيننا تاريخيا كبعض أسلافك. ونحنُ نفهمُ، جيدا، الأسباب والدواعي التي جعلتكم تفكرون في وطن قوميّ يجمعُ شتاتكم بعد فشل حداثة العقل والدولة القومية والمواطنة الحديثة في استيعابكم والإبقاء على خصوصيتكم الثقافية والدينية ضمن الجسم الاجتماعي/الثقافي/السّياسي الغربي. نفهم عُنفَ العقل الحديث المُضمَر إزاء مسائل الاختلاف والتّعدد والنّظر إلى الآخر. نفهمُ أنَّ اليهوديّ ظل المنبوذ كحيوان أجرب في حظيرة أوروبا المزدهرة والمزهوة بقوتها وحداثتها الظافرة منذ «عصر الأنوار». ولكنني أردتُ التنبيه فقط، أيها المُثقف، إلى أنَّ «معاداة السّامية» لم تكن نتاجا عربيا ولم تحبل بها حياتنا بالشّكل الرَّهيب المُرعب الذي رأيناه في الغرب الحديث وهو يزيحُ الآلهة من المشهد التاريخيّ ويستعيضُ عن العلو المُضمحل بالقبائل القومية الحديثة وعبادة الذات الجماعية حدَّ الهوس الفاشي المعروف. لم يكن «شايلوك» شخصية درامية عربية، كما لم تكن قضية «درايفوس» فضيحة عربية أيضا. وأهم من ذلك كلّه لم يفكر عربيّ واحدٌ في ذلك «الحل النهائيّ» على شاكلة النازيين إبان الحرب العالمية الثانية. إنَّ العربيّ، أيها المُثقف، هو ذلك الشيخ الذي يحتفظ بمفتاح بيته القديم في المُخيَّم بعد تهجير العام 1948. العربيّ هو مُحمَّد الدرة الذي لم يجد حماية، وهو الطفل الأعزل، من رصاص جنود الاحتلال الذين أنجزوا ويُنجزون، جيِّدًا، مهمَّة تطهير التاريخ من حضور الأرض والإنسان العربيّ الفلسطينيّ ليُعيدوهُ إلى زنزانة أساطيركم الشوفينية العنصرية المُؤسِّسة التي تطفحُ بها كتبٌ «آتية مما وراء الطبيعة» كما تُعبِّرُ غادة السمان.

لقد تحمَّل العربُ وزرَ الآخرين وهم يضطهدونكم ويفشلون حضاريا في بناء فسيفساء ثقافية واجتماعية تستوعبُ المختلف في وحدة أعلى تتجاوز الشوفينية القومية الضّيقة الخانقة. لقد تحمّل العربُ كثيرًا فشل نقاشات الغرب الحديث حول «المسألة اليهودية» التي أضحت عبئا على العنصرية الغربية المتفاقمة لأسباب كثيرة منذ قرنين على الأقل. وكان الثمنُ باهظا. فقد تم استدعاءُ الأساطير المُؤسِّسة لسياستكم، وتمَّ بعثُ الآلهة من قبورها لتذكركم بوعدها بخصوص «الأرض الموعودة» وكان للأيديولوجية الصهيونية – ذات الصبغة العلمانية بالأساس – أن تتنازل وتتماهى قليلا مع الذاكرة الألفية ومع نوستالجيا الفراديس الموعودة من أجل ضمان شرعية طرد الشعب العربيّ من أرضه. لقد كان آدمُ اليهوديّ ثملا بسعادة ماكرةٍ وهو يطرحُ عنه خطيئة التيه الذي دام قرونا ويحظى، أخيرًا، بالغفران والجائزة. هكذا اكتملت فصول المأساة مع القوى الاستعمارية التقليدية لتكفر عن ذنبها بمنحكم وطنا قوميا يخلصها من حضوركم، وتتجاوز قليلا أزمة الضّمير الفاجعة التي سببتها مأساة «أوشفيتز». وليس لأحد، بالطبع، أن يلومَ الإرادة الإلهية وهي تتفضل على «الشعب المختار» بأرض كانت تقطنها أجناسٌ دنيا. صراحة يحتاجُ الإنسانُ، أحيانا، إلى عقل أرقى كي يفهمَ ويستوعبَ «العقل في التاريخ» ولو على حساب الإنسان المُبعَد من أرضه وبيته إلى المنافي وأرض الشّتات ليعرف حياة المُخيم. يحتاجُ الإنسانُ معكم أحيانا إلى الاعتقاد بـ«مكر التاريخ» كي يفهمَ لطائفَ الحكمةِ من ضرورة تكرار مأساة الهنديّ الأحمر في غير موضع في الزمان والمكان.

ولكن كيف أبحت لنفسك، أيها المُثقف، أن تسقط في هذا الأمر وتخونَ نضالك منذ سبعينيات القرن الماضي؟ ألم تكن في طليعة حركة «الفلاسفة الجدد» التي أدانت الشمولية الأيديولوجية وفضحت العقل التاريخيَّ الغربيّ وهو ينسجُ معتقلا للمعنى قائما على الاستبعاد والنّبذ والعنصرية والأحادية الفكرية؟ كيف أمكنك أن تسقط في العنصرية محاباة لإسرائيل وأنت تعلمُ، جيدًا، أنها كيانٌ عنصري وصنيعٌ استعماريّ زرعهُ الغرب الأمبريالي في أرضنا العربية، وفرضته القوة التي توفرت عند الصهاينة آنذاك وهم يُشعلون الحرائقَ في القرى الآمنة؟ يبدو أنك بمواقفك المعروفة من القضية، أيها المثقف، لا تنظرُ إلا إلى الجزء الظّاهر من الجبل الجليديّ. فالدّفاعُ عن إسرائيل وحقّها الأبديّ في الأمن لا يليقُ إلا بأهل السياسة المنحازة والمواقف المُعلبة وأصحاب المصالح وأهل النّظر الضّيق ممن لا يستوعبون القضية بشكل كامل باعتبارها قضية عدالة وحقوق تاريخية لشعب عاش تراجيديا التّهجير القسريّ والاضطهاد والعيش في المخيمات لعشريات خلت. الأمنُ يأتي بعد العدالة. ربما هذا ما يقومُ عليه خلافنا تحديدًا.

كيف سقطت هذا السقوط المُروِّع، أيها المُثقف، وقد كنت – طيلة عقود مضت – في طليعة الشّبان الذين حاولوا فضح معنى القوة في منظومات الفكر الشموليّ بحثا عن تحرير قوة المعنى الذي يهجرُ مركزية نظام ثقافي أسَّس له تاريخٌ كامل من العنف الرمزي ونبذ الآخر في الفكر الغربيّ الحديث؟ كيف رضيت بأن تخلع عنك جبة الفيلسوف النقديّ لتلتحق بالبلاط عند آلهة العصر ومُؤسَّسات فرض الأمر الواقع القائم على القهر والعنصرية؟ كيف رضيت بأن تنحاز إلى القوة في شكلها المُؤسَّسي المُرتبط بالهيمنة وأن تدُورَ كجرم صغير وضيع في فلك المصالح الأمبريالية وهي تمدّ أذرع أخطبوطها في منطقتنا العربية؟ لقد أصبح «الأمر الواقع» العولميّ حجابا كثيفا أمام بصيرتك أيها المثقف الذي تجرَّأ يوما على نثر الشوك فوق مرقد العقائديات الأيديولوجية المتصلّبة في نهاية النصف الثاني من القرن الماضي. ربما هي التوبة التي تسكنُ آدم بعد أن كفَّ عن اقتراف خطيئة البحث المُضني عن الحقّ والعدل والجمال والحرية. لقد علمتني شيئا خطيرًا: هو أنَّ الآلهة لم تمت والإنسانية لم تدخل، بعدُ، مملكة بروميثيوس الموعودة.

أنا مُضطر، أيها المُثقف، إلى أن أسحبَ اسمك من بانتيون الفلاسفة والمُثقفين اليهود الكبار الذين فتحوا بصيرتنا على مآزق العقل الأنواري الغربيّ وانحرافاته منذ النصف الأول من القرن العشرين. لقد كانوا يمثّلون شرفَ العقل والنّقد، وإرادة فضح الحقيقة التي تلبسُ خوذة المُحارب العنصريّ وتحمل في داخلها الغولاغ. لقد كانوا أنبياء جُددًا حذرونا من أهوال الأزمنة الحديثة ومن وعيد الحداثة الذي قاد العالمَ وأسلافك، كما تعرف، إلى الكارثة. فأين أنت من ذلك؟ لقد مثل النقد اليهودي للحداثة أفقا لإعادة التفكير في الآخرية خارج أسوار العقل الكلاسيكي الأوروبيّ المُتصدّع تاريخيا بفعل نرجسيته ومُغامراته وحماقاته. فكيف تفكر، أنت اليوم، في الآخر الفلسطيني الذي يعيشُ مأساة الحصار والاضطهاد والتهجير وسلب الأرض؟ ما مكانتهُ في تفكيرك الذي هجر، بكل أسفٍ، فضائل البحث عن العدالة والحقيقة ليسقط في فخّ تبرير معنى القوة وفائض الهيمنة؟ كيف لك أن تسكت عن الاستيطان في الأرض الفلسطينية وعن الحصار والتجويع والاعتقال التعسفيّ والقتل الأعمى؟ إلى متى تظلّ الغشاوة التي ألقاها هاجسُ «أمن إسرائيل» على بصيرتك تقودك دائما إلى «لوم الضحايا» كما يعبِّرُ الراحل إدوارد سعيد؟

3

أيها المُثقف،

أعلم، جيِّدًا، أنك لا تعدمُ وأمثالك حُججا كثيرة للدّفاع عن الكيان الصّهيونيّ وعن ديمقراطيته المزعومة وعن حقه في الأمن من خلال نقد «المقاومة» في شكلها المُسلح كما تقودها حركة حماس تحديدًا. أعلم أنك لا تجدُ كبيرَ عناءٍ في إدانة «الإرهاب الأصوليّ» الذي تقودهُ رغبة جنونية في محو إسرائيل وإبادة اليهود. سيكون هذا الأمرُ معينا ثرا يرفدكم دائما بالمُبرِّرات الكافية للدّفاع عن إسرائيل مهما اقترفت من فظاعات وجرائم. أعلمُ ذلك. وأنا، شخصيا، لست من الذين يُبرِّرون الإرهاب على الآمنين والمدنيين أيا كانت الأهداف. كل مدنيّ أعزل يُقتلُ في العالم هو هيروشيما كاملة التفاصيل والرّعب. لستُ من الذين لا يُميِّزون بين اليهود باعتبارهم شعبا كباقي شعوب العالم من جهة، وإسرائيل باعتبارها كيانا استعماريا عنصريا من جهة أخرى. اليهود هوية ثقافية وتاريخية بينما إسرائيل مُؤسَّسة وكيلة عن الغرب الاستعماريّ في تلك المنطقة الغنية من الشرق الأوسط. أعتقدُ أنَّ المقاومة العربية، منذ فجرها، لم تكن مُوجهة ضدَّ اليهود كشعب، وإنما ضدَّ كيان سياسيّ زرعتهُ صفقة إجرامية منظمة بين الصهيونية وكبار العالم في أرضنا العربية الفلسطينية بعد تفكّك السّلطنة العثمانية وانحسار الهيمنة التقليدية عن بلداننا التي عانت من الانتداب والاستعمار والاستغلال. لقد دفعنا الثمن، أيها المُثقف، لقاء رضا الإله يهوه ولقائه بشعبه «المُختار» بمباركة من الأمبريالية العالمية وأوروبا المريضة بتأنيب الضمير من جرَّاء تكنولوجيا المحرقة.

لستُ من الذين يُهللون للحروب الدائمة بعيدًا عن التسوية العادلة؛ كما أنني لستُ من الذين يُفضلون السلاح على المقاومة الشعبية السلميَّة. ورُبما أمكنني أن أقول مع صديقي الكبير أدونيس: إننا، نحنُ العربَ اليوم، في حاجة إلى غاندي لا إلى غيفارا. ولكن كان عليك أن تتساءل قليلا، أيها المُثقف، عن الأسباب والدوافع العميقة للمقاومة في شكلها المُسلح الحالي وهي تقصفُ تجمعاتكم السكنية المدنية. كان عليك أن تبحث مُتحريا عن جينيالوجيا الجنون الحالي قبل أن تتحدث كصحفيّ أو كشاهد وقع ضحية لسلطة الإعلام المُوجَّه. كان عليك      – قبل أن تلعنَ ثمرة شجرة الزقوم – أن تبحث عن الأرض التي طلعت فيها: أعني الجحيم. لقد عاش العربي جحيما مُضاعفا – منذ ما يُقاربُ نصف القرن – كان من نتائجه الأكثر مشهدية تنامي الأصوليات الدينية وأشكال التطرف المعروفة. لقد عرفنا مرارة الهزيمة وانتكاسَ المشاريع التقدمية النهضوية. عرفنا الاحتلال وسلبَ الأرض والهيمنة الأجنبية الأمبريالية على ثرواتنا. عرفنا تدخل الغرب في شؤوننا وتحالفاتِه مع الأنظمة الرجعية التي برمجت لتخلفنا وجعلت منا سوقا استهلاكية تعيشُ على هامش حركية العالم وخارج مدارات التقدم الاجتماعي والسياسيّ. عرفنا الديكتاتوريات وغيابَ الحرية والحجرَ على الفكر. فما الذي تتوقعهُ من أوضاع مُماثلة؟ ماذا بوسع جحيم مُماثل أن يُنتج؟ لذا أقول، أيها المُثقف، إن التراجيديا التاريخية التي عاشها العربيّ لم يكن بإمكانها أبدًا أن تحبل بالتسامح والاعتراف بالآخر. لم يكن بإمكاننا أن نحلمَ إلا بالخلاص الذي توفرهُ السَّرديات الدينية. ففي عالم قاس و «بدون قلب» كما يُعبِّرُ ماركس لا يتوفر ملاذ دافئ كالدين. هذا هو أصل حركة حماس أيها المُثقف. لقد أدَّى غيابُ العدالة عن واقعنا الشامل إلى ما تراه اليوم. فماذا فعلتم، أنتم، من أجل الدفاع عن ضحايا الظلم التاريخيّ من العرب والمُسلمين؟ لماذا تبنيتم خطاب المُنتصِر والمُؤسَّسة الغربية الرَّسمية مُشيحين بوجوهكم عن عذابات المقهورين؟ لماذا انحزتم إلى إنجازات الآلهة الجديدة وهي تبارك السِّلاحَ و القمع وتؤسسُ لمدنيَّة الغيتوهات الأبدية؟ كيف تريدون الأمن والسّلام دون التفكير الجاد في العدالة واسترجاع الشعب الفلسطيني لحقه التاريخيّ وكرامته السليبة؟ كيف لكم أن تتحدثوا عن السلام العادل والأمن والحقوق الإنسانية وإدانة الإرهاب وأنتم تسكتون عن الاستيطان وتنوبون بفكركم عن مراكز القرار الأمبريالي الذي لا يتورعُ أبدًا عن نقض القرارات الأممية القاضية بانسحاب إسرائيل من الأرض العربية المُحتلة؟ لعلكم في هذه اللحظة، أيها المُثقف، تمثلون أفول الضمير والعقل وميلادَ حارس نوم الآلهة على الجماجم. لعلكم تمثلون تلك  المُسوخ    من الخنازير الصّغيرة التي ترتعُ في حظائر سيرسه (Circé) الحديثة: أعني المُؤسَّسة الرسمية الغربية. لقد رضيتم بدور غير مُشرِّف أمام حضرة أوليس الباحث عن إنقاذ وجه الإنسان فيه مهما كانت الظروفُ وأشكال الإغراء.

إنني أتحدَّثُ إليك، أيها المُثقف، وفي نفسي احترامٌ كبيرٌ للموروث الفكريّ الذي جعل بعض أسلافك اليهود في الغرب يناوشون قلعة المركز المُهيمن انطلاقا من الهامش ضمن حركية فكرية/ثقافية غنية كان لها أن تزعزعَ شرعية النظام الثقافي الغربي برُمَّته. لقد ظلّ هذا الهامشُ يقظة فكرية وسياسية واعية بأهدافها في ضرورة الانقلاب على نظام النّبذ والتهميش وطمس المُختلف والتأسيس للشمولية. كنتم تمثلون، أيها المُثقف، الآخرَ الانقلابيَّ والصعلوك الشريف الذي مكن لفكر ما بعد الحداثة من أن يتسلّل إلى قلعة المشهد الثقافي والسياسيّ الغربي، وهذا قبل أن تتحوّلوا إلى كلاب حراسة تنعمون بجنة العولمة وهي تُنبِّهُ الليبرالية المُنتصرة إلى ضرورة الاهتمام بالحدُودِ الثقافية بين الشعوب حفاظا على نقاء وجه نرجس الأطلسيّ. لقد رضيتم بأن تكونوا مُتحدثين باسم تاريخ يكتبُهُ القرصان. هذه هي حقيقتكم العميقة. رضيتم بأن تكونَ كلمتكم شهادة تبرئة للمُجرم التاريخيّ. لقد انحزتم إلى المُؤسَّسة الأمبريالية وإلى جماعات الضّغط ودوائر السياسة والمال التي تخطط لتفكيك العالم إلى طوائف وعصبيات وقبائل قومية مُتناحرة حفاظا على المصالح. لقد اخترتم أن تكونوا شاهدين على انحلال العالم واندثار أجمل التّطلعات باسم الدّفاع عن حقوق الإنسان ومُحاربة الشمولية. لقد أردتم أن يطول عُمرُ تشرّدِ العدل في سراي العالم الجديد.

4

أيها المُثقف،

أحب سلطة المُثقف الحقيقية النّابعة من كونه مرجعا للحقيقة العارية من ضغط الهيمنة، ومن كونه مرجعية أخلاقية وأدبية تعيشُ بهاءَ الصعلكة والحرية خارج التجاذبات المُختلفة التي ترومُ تدجينَ الكلمة وتحويلها إلى جارية في سرير السيِّد. لا يُعجبني ذلك المُثقفُ الذي يلمِّعُ بوابة الجحيم أو يمنحُ بركاته لأوضاع لا تطاق مُنتصرًا لـ«الأمر الواقع». لقد قرأت مُداخلات مهمة ونبيلة لبعض المُثقفين اليهود المُطالبين بالعدالة وزوال الاحتلال. كما استمعتُ، مُؤخرًا، عبر وسائط الإعلام المُختلفة، إلى تدخلات بعض المثقفين والناشطين الحقوقيين اليهود أيضا في العالم وفي فرنسا تحديدًا. وقد كانت هذه التدخلات عادلة ومُشرفة للغاية لأنها انتصرت للحقّ وكان لها أن تدرك، جيِّدًا، جذر المُشكلة التي طال أمدها. كان لها أن تتجاوز النّظر القاصر إلى مُشكلة الشّرق الأوسط الأولى باعتبارها قضية حق تاريخيّ بالأساس لشعبٍ يعيشُ مأساة التهجير والاحتلال منذ عشريات خلت، لا باعتبارها حربا بين إسرائيل وحماس، أو بين جيش نظاميّ وفصائل مسلحة تقصفُ المدنيين الإسرائيليين. علينا النظرُ إلى القضية ضمن منظور «المُدَّة الطويلة» كما يقول بعض المُؤرخين، بعيدًا عن كل نظر قاصر لا يرى فيها إلا مناوشات مُعتادة تتطلبُ تدخلا من «مجلس الأمن» الذي سيطلبُ، كالعادة، من الأطراف المُتنازعة ضبط النفس والتهدئة. ولكن هل يُمكنُ تأجيل ثورة البركان أبديا؟

لقد ذهل العالمُ، أيها المُثقفُ الصَّامت، أمام مشاهد الدّم تملأ سجن غزة المُحاصرة الجائعة منذ سنوات. لقد ارتاع العالمُ أمام المذابح وشلال الدّم النافر من جثثٍ تحت الأنقاض سوَّى بها الطيران الحربيّ الإسرائيلي الأرض. لقد ارتاع الخيال البشريّ من شلله وعدم قدرته على تصور الأطفال – المقتولين بوحشية بالغة – ملائكة صغارًا يعودون، أخيرًا، إلى موطنهم السَّماويّ الأصلي بعد الإقامة القصيرة في المنفى الأرضي. ولكنكم ستهرعون، طبعا ككلّ مرة، إلى الدّفاع عن «أخلاقية الجيش الإسرائيلي» المُبالغ فيها وهو ينذر المدنيين الفلسطينيين بضرورة إخلاء بيوتهم قبل قصفها. وستحمِّلون حركة حماس مسؤولية كل شيء. ولكنني أقول لك، أيها المُثقف، إنني أحمِّلُ المسؤولية التاريخية الكاملة لعنف التاريخ الأعمى الذي كنتم وكلاءَ عليه. وأحمِّلُ كلماتكم ومواقفكم مسؤولية التمويه المنظم للقضية، والانحياز إلى الرّواية الرّسمية التي لا تخرجُ عن سردية «الأرض الموعودة» وقداستها الاستثنائية المزعومة. سيبقى الأمرُ كذلك على ما أرى. لن تنتصرَ القوة نهائيا ما دام العالمُ متضامنا مع أصحاب الحقّ التاريخي كما تلاحظون عبر ربوع الأرض من خلال المسيرات الغاضبة. ولن ينتصر العدلُ نهائيا ما دامت لكم القدرة على إبقائه شريدًا يضربُ في الأرض بحثا عن مُستقر أخير. أعرفُ أنكم ملحمة باذخة انفرط عِقدُ إيقاعها ولم تعُد تستطيعُ إقناع العالم بالاندماج المذهول في حركاتها. وأعرف، أيضا، أننا لحنٌ رعويّ شريدٌ تردِّدهُ الأرضُ والعوسجُ البريّ، وتستأنسُ بصداهُ الآسر جبالٌ بعيدة تختبئ خلفها شموسٌ خجولة تتأهبُ، كل أبديةٍ، كي تشهدَ تحطمَ سفينة القرصان.

أحمد دلباني

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع