الأحد، 16 يونيو 2019

العنصرية وأوهام الذّات المنتفخة

سامية بن عكوش

العنصرية نتيجة منطقية لذات منتفخة.

تشكّلت هذه الذات المنتفخة منذ الاستقلال(1962)، نتيجة عوامل سياسية، مدعومة بنمط معيّن من التّربية في الأسرة والمدرسة، وحمتها ثقافة الرّيع عبر تكريس طمأنينة الذّات الجزائرية إلى أوهامها.

وخير مثال عما فعلته ثقافة الرّيع بذواتنا عايناه في ردّة فعل الأنظمة المتعاقبة إزاء المشاكل التي واجهتها الجزائر، فقد اعتمدت الأنظمة المتوالية على حلّ الإنفاق الماليّ الظرفيّ بدل التّخطيط الاستراتيجيّ، فاستطاعت أن تشتري السّلم الاجتماعيّ ولعقود. لكنّها أسهمت بهذا الأسلوب في حجب الذات الجزائرية عن مساءلة نفسها في كلّ محطّات إخفاقاتها التاريخية، إذ استبدلت – كلّ مرة – المساءلة النّقدية براحة الاطمئنان إلى أوهامها: «الجزائريّ البطل، الجزائريّ الفحل، الجزائريّ الشهم»، وحمت الأنظمة المتوالية هذه الأوهام بالشّرعية الثورية وبعظمة الثورة الجزائرية، فدثرت الأوهام  بدثار الحقيقة والمعنى.

إنّ أوهام البطولة الأسطورية التي شكّلت الذات الجزائرية، جعلتها تعجز عن مواجهة ذاتها بالأسئلة النّقدية أمام أيّ موقف حياتي أو وجوديّ يواجهها. وتمظهر الأمر في طبيعة الأسئلة التي طرحتها وتطرحها الذات الجزائرية والمجتمع الجزائريّ أمام أيّ مشكل يواجههما، فالسّؤال وحده يكشف نمط التفكير. ونادرا ما يواجه الجزائريّ مشاكله بالسّؤال النّقديّ: لماذا حدث لي الإخفاق في هذا المشروع أو ذاك؟ ويستبدله بسؤال: من سبّب لي الإخفاق في هذا المشروع؟ فإذا أخفق في الزواج ﻓ«سحر» الجيران هو السبّب أو تدخل أفراد العائلتين، وإذا خاب الابن في مشواره الدراسيّ، فإنّ «العين» أصابته أو الأساتذة ظلموه، وإذا أخفق الشّاب في مشروعه الاقتصاديّ؛ فإنّ «بيروقراطية» الإدارة هي السبّب وهلّم جرى.  ولم يقتصر السّؤال على أفراد المجتمع فقط، بل انطلق وانبثق من الأنظمة السّياسية المتعاقبة. فغالبا ما غطّت الأنظمة المتوالية على إخفاقات سياساتها بالخطر الأجنبيّ، لصرف النّظر عن عجز استراتيجيّ في المشاريع التنموية.  وليس سرّا أنّ الجزائر من البلدان التي لا تمتلك مراكز للدّراسات الاستراتيجية.

إنّ رفض مواجهة الذات واستبداله بموضوع خارجيّ، هو ما يسمّيه التحليل النّفسيّ الإنكار. وإنّ الإنكار يحجب الذات عن مواجهة قصورها وأمراضها في مرآة المساءلة النّقدية. وإنّ مضي الجزائريّ في تجسيد هذا النّمط من التفكير، قد خلق ذاتا نرجسية مطمئنة إلى فشلها وعيوبها. فاستكانت في ليلها البنيويّ الطويل، الذي سمّاه مالك بن نبي ﺒ«إنسان ما بعد الموحدين»، وحدّد سماته ﺒ«التفكير الأسطوريّ، عجز الإرادات، انتشار الزوايا والأولياء».

تكشف الذات النّرجسية عن علاقة مزدوجة بالذات وبالآخر. فاطمئنان الجزائريّ إلى ذاته الأسطورية حجبه عن الانفتاح على الآخر، ومنعه من التفاعل مع تجارب الآخر، فأضاع فرص الاستفادة مما حقّقه الآخر من مكاسب حياتية هامة. وإذا واجه الجزائريّ الآخر فلا يرى منه – في كثير من الأحيان – غير القصور والنّصف غير الممتلئ من الكأس. وأسرد مثالا واقعيا: كنا في رحلة سياحية ومعرفية إلى بلد شقيق. وقد عايننا في الواقع لا في الخيال: المجاهدة الحياتية لأفراده لضمان عيشهم الكريم، رجالا ونساءا. كما عايننا في الواقع لا في الخيال تسويقهم الجيّد للثّقافة، من خلال المعروضات الثقافية في الأسواق والأرصفة قبل دور الثقافة. عندما عدنا إلى الجزائر، وجمعني نقاش مع زملاء العمل، انصرف معظمهم عن ملاحظة مظاهر النّماء، واكتفوا بملاحظاتهم حول انتشار الدّعارة بكثرة، وكذا ظاهرة تنظيف الأحذية، بحسبهم النّيف والرجلة الجزائرية لا يقبلان بهذه الظواهر.

إنّ عمى الذات عما اكتسبه الآخر من مكاسب حياتية، يقودها إلى رفض الآخر؛ لأنّ الآخر يوقظ الذات من سباتها البنيويّ الطويل، فيذكّرها بقصورها وعيوبها. وهو الأمر الذي تخشاه الذات الجزائرية. لماذا؟ لأنّها ببساطة لم تهيّأ لمواجهة الحقيقة، لا أسريا ولا مدرسيا ولا سياسيا. ومازاد الطين بلّة أنّ السّياحة ضعيفة في الجزائر، مما يقلّص فرص الالتقاء بالآخر. وتقتصر السّياحة على البعض ممن تسمح لهم وضعيتهم المادية المريحة، فرصة السّفر إلى الأقوام الأخرى. وإذا استبدل الجزائريّ السّياحة في الآفاق بالسّياحة في النوادي الافتراضية –  الفايسبوك مثلا – فإنّ اللايكات تزيده تيها وإعجابا بذاته. كأنّ حاله يشبه حال من وصفهم القرآن «في ظلماتهم يعمهون».

تقود وضعية انغلاق الذات الجزائرية على نفسها واطمئنانها إلى أوهامها النّرجسية، إلى ما يشبه العنصرية، قليلا أو كثيرا. لأنّ العنصرية تعني رفض الاختلاف والاعتقاد بسيادة الذات وأفضليتها مقارنة بالآخر الأجنبي وإلغاء الآخر، وهو ما تجسّده الذات الجزائرية المنتفخة، بكلّ تجلّياتها السّابقة، فالعنصرية نتاج الذات النّرجسية المنتفخة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …