الجمعة، 23 أغسطس 2019

ناصر القصبي.. مع داعش وضدّها!

جمال جبران

يبدو الممثل ناصر القصبي(1961) وحيداً تحت سماء مملكة القهر السعوديّة، وهو يحمل على ظهره مهمة نقد تفاصيل الحياة اليومية المُحيطة برعايا واقعين تحت سلطة آل سعود، ولا يحقّ لهم رفع أصوات الانتقاد عالياً.

ويقوم بطل مسلسل «سيلفي»(2015) بتلك المهمّة بذكاء، وهو يعرف بشكل مُسبق حدود ذلك النّقد وسقفه، وأين يمكنه الكلام، مع إدراكه الخطوط التي لا يمكن الاقتراب منها بشكل مُطلق، الأسرة المالكة بشكل حصري.

وقد كان ناصر القصبي، ومعه عبد الله السدحان(1958)، قد اشتركا في السّنوات ماضية في انتاج كوميديا «طاش ما طاش»(1992 – 2011)، وهي سلسلة درامية استمرت نحو 19 عاماً، نجحا خلالها، بشكل تدريجي، في تقليب آفات المجتمع السّعودي وتعريضها للنّقد في إطار قوالب كوميدية شديدة السّخرية. لمسا خلالها سلوكيات مريضة لعدد من طبقات ذلك المجتمع، والثّرية منها على وجه الخصوص، طريقة تعاملها مع العاملين الأجانب في المملكة والعنصرية والسّفاهة في صرف المال، ومَنع النّساء من قيادة السيّارات.

وقد انتبهت الأجهزة الأمنية لحجم الانتشار والسّطوة التي بلغها «طاش ما طاش» لدى الناس، فقامت بتوسيع هامش القضايا التي يمكن لذلك الثّنائي السّاخر انتقادها، ما أعطى رعايا المملكة شعوراً بأنهم صاروا مثل النّاس في البلاد الأخرى، يقدرون على انتقاد ما كان يستحيل سابقاً أمر الاقتراب منه ولو تلميحاً، كجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدينية على وجه الخصوص، والتي كانت قد بلغت درجة قصوى في ارتكابها لممارسات مُهينة، باسم الدّين، في حقّ رعايا آل سعود.

من هنا يبدو ذكاء الأسرة المالكة وهي تقوم بوضع لعبة مطاردة بين كيانين يقعان تحت سلطتها، تشرف على آلية عمل جماعة المعروف والمنكر في إهانة النّاس من جهة، ومن جهة أخرى تعطي الضّوء الأخضر للقصبي والسدحان في انتقاد ذلك، وتقف تلك الأسرة في نهاية الأمر مُتفرجة على الجميع.

على آلية الانتقاد نفسها يأتي مسلسل «سيلفي»، الذي عُرض شهر رمضان، لعب فيه ناصر القصبي دور البطولة منفرداً، وهو يذهب في سخريته من جماعة داعش والتنكيل بها بطريقة الكوميديا السّوداء السّاعية لإظهار تلك الجماعة بصورة قادرة على إخراج الضحك من داخل المتلقي وصدمه في الوقت ذاته. لكنّ العمل لا يذهب إلى أصل الجماعة ومنبعها وأصل خزانة المال التي تدفع لها. لو بحثنا في أصل المال الذي دُفع للشباب الذين ذهبوا إلى الشام لوجدناه سعودياً، لو بحثنا في الإعلام الذي حرّض «المجاهدين» لوجدناه سعودياً (قناتي وصال واقرأ)، لو بحثنا عن الدّعاة الذين حثّوا على ذلك الجهاد لوجدناهم سعوديين ( محمد العريفي مثالاً). وتأتي السّعودية اليوم لتدعم عملاً درامياً هدفه انتقاد داعش!

هيّ لعبة لا تذهب بعيداً عن منطق آل سعود وهوايتهم في اختراع طرق سهلة، يعتقدون أنها تعفيهم من مسؤولية ما يحدث اليوم من حرائق في الآراضي العربية، وما يحدث من مذابح على أيدي شباب داعش القادمين من الأرض الحرام وقد انتشروا اليوم في كل البقاع المحيطة بها.

ناصر القصبي على اليمين

وفي السّياق نفسه، لا نخجل من تضامننا مع ناصر القصبي وحقّه في الحياة التي طالتها فتاوى ورسائل وصلته من طرف داعش بسبب «سيلفي»، لكنّ قد يأتي الاستغراب من جملة حملات التّضامن العربية السّهلة التي يلقاها من نخبة ثقافية تعلم جيداً حقيقة داعش ومصدرها التمويلي. وهي النخبة ذاتها التي صمتت عن حكم السجن بعشرة أعوام والجلد بألف جلدة والمنع من السفر في حقّ المدّون والنّاشط السعودي الشّاب رائف بدوي. إنه لا يجد بياناً تضامنياً واحداً والسّبب معروف، سلطة آل سعود لا تريد ذلك، ومَن يقدر من داخل تلك النّخبة على مواجهة هذه السّلطة!

وبالمناسبة، هي النّخبة ذاتها التي صمتت عن جرائم آل سعود والعدوان القائم اليوم في حقّ الشّعب اليمني لكنّها نخبة لم تتردد في إعلان مباركتها وتأييدها لقرار الملك سلمان إقامة «مركز الملك سلمان لإغاثة الشّعب اليمني».

عندما يقرر القاتل إقامة مركز لإغاثة ضحاياه فهو يستحق بيانات تهنئة وشكر!

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع