الأربعاء، 17 يوليو 2019

العنصرية في مجتمع لا يُحسن التّعبير عن نفسه

أحمد دلباني

لا يعيشُ العالمُ على وقع الحديث عن العنصرية بمُختلف مظاهرها – باعتبارها نزوعا مُنظما أو انبثاقا تلقائيا لسلوك يضمرُ كره الآخر المُختلف – إلا في أزمنة الأزمات التي يتمّ فيها الاستنجادُ بخطابات الهوية من أجل ترميم العلاقة بالعالم، من خلال نبذ الآخر ومُحاولة تطهير باحة الكينونة من المُختلف.

العنصرية ليست خصيصة تتعلقُ بثقافةٍ بعينها كما أنها ليست سلوكا فرديا. فلا يُمكنُ الحديث عن قابيل القاتل باعتباره عنصريا. لقد قام بفعل القتل حسدًا أو  غيرة ولكنه لم يكن عنصريًا. أدولف هتلر – تمثيلا لا حصرًا – عنصري نموذجيّ لأنه انطلق من أيديولوجية تتحدَّثُ باسم عرق يعتبره عرقا صافيا ونقيا ومتفوقا. هذا يعني أنَّ العنصرية لا ترتبط إلا بالجماعة ولا تنطلقُ إلا من مُحدِّداتٍ ثقافية ورؤية عقائدية تحمِّل الجماعة مسؤولية خلاص العالم من الآخر الذي يشوّش نقاءَ الذّات ويُفسدُ التّاريخ من خلال اقتراف خطيئة التعدد.

العنصرية، في عمقها، حلمٌ بالصّفاء الأول وكأنها حنينٌ رومانطيقيّ وتوقٌ رعويّ إلى عهودٍ لم تتعرَّض فيها الذاتُ إلى التّصدع الذي يُسبِّبه التاريخ والتغير. انطلاقا من هذا أجدني هنا، شخصيا، أتفقُ مع الملاحظة البصيرة لذلك الباحث المُفكر الذي اعتقد أنَّ الأيديولوجيات القومية الحديثة في أوروبا (وهي عنصرية في جوهرها) لم تظهر إلا باعتبارها نوستالجيا قبَلية كردِّ فعل على التّفكك الذي أصاب الروابط التقليدية للذّات الجماعية مع بداية العهد الصناعي وتوسع المدن الحديثة. هذا يعلمنا شيئا مهما: هو أنَّ العنصرية انكماشٌ أمام العالم وإفصاحٌ عن خلل عميق في العلاقة بالتّاريخ والتّغير وحضور الآخر في البيت الأرضيِّ.

لا تخلو، برأينا، ثقافة واحدة من نزوع عنصريّ جاهز لأن ينفجرَ متى توفرت الشّروط الموضوعية لذلك. كأنَّ العنصرية موجودة بالقوة في كل منظومةٍ ثقافيةٍ وفي كل رؤيةٍ للعالم ما دامت تضمرُ تمركزا للذّات مهما ادَّعت الكونية والشمولية؛ وهي جاهزة لأن تتحوَّل إلى وجودٍ بالفعل كلما شعرت الهوية الجماعية بنوع من التّهديد الذي يزحزحها عن المركز أو يشوّش على نرجس صفاءَ المرآة التي تعكسُ جماله الاستثنائي. فمن المعروف تاريخيا أنَّ هناك ثنائيات – عرقية ولسانية وثقافية ودينية – تحكم العلاقة بالآخر المُختلف، نجدها عند اليونان القدماء مثلا (يوناني/ بربري) وعند العرب (عرب/عجم) وعند أصحاب الدّيانات التوحيدية (مؤمن/كافر) وعند الأوروبيين بداية العصور الحديثة (متحضر/متوحش). وهي، كما نلاحظ، ثنائياتٌ ذاتُ طابع عنصري يُتيح تبرير الهيمنة على الآخر وإخضاعه أو استبعاده من دائرة الخلاص الأخروي.

إنَّ مُشكلة العنصرية أو النّزوع العنصريّ للأفراد والجماعات لا يُمكنُ، بالتالي، تناولها من زاويةٍ أخلاقية مثالية ولا يمكنُ، أيضا، القضاءُ عليها بمجرَّد توفر النّوايا الحسنة والإرادات الطيّبة، وإنما يكون ذلك بالقضاء على أسبابها وشروطها الموضوعية اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية؛ كما يجبُ تطويرُ آليات النّقد الفكري من أجل الكشف المعرفيِّ عن نزعات التّمركز العرقي أو الديني أو اللساني في كل ثقافةٍ. ونحنُ نعرفُ، مثلا، أنَّ صعودَ اليمين العنصريِّ المُتطرف في أوروبا يجدُ أساسه في المشاكل المتعدِّدة التي تعرفها أوروبا الغارقة في أزماتها الاقتصادية والمشاكل المترتّبة عن الهجرة والمطالب المتزايدة للفئات المُهمَّشة في ظلّ الليبرالية المُتوحشة ومناخ القلق العام من المستقبل. وهذا، ربما، ما يُفسِّرُ انبثاق خطاب الهوية في فرنسا مثلا بصورةٍ لا تشرِّفُ إرث فولتير. وبالتالي فالخطابُ العنصري ينهل دائما من الأزمات التي يرفعها فزاعة أمام الذّات من أجل تحويل الآخر المُختلف إلى «كبش فداء». ويبقى القضاءُ على العنصرية في الفضاء العام – من أجل مُجتمع مفتوح يحترمُ التّعدد – منوطا بالديمقراطية الفعلية التي بإمكانها ضمانُ العيش المُشترك من خلال الانفتاح، أيضا، على الأبعاد الاقتصادية والثقافية للمواطنة بعيدًا عن شكلانية حقوق الإنسان في طبعتها الليبرالية المُستنفدة..

ولكن، هل الجزائريّ عنصري؟ أعتقدُ أنني أجبتُ على هذا السّؤال من خلال ما سبق في كلامي عن الشّروط الموضوعية لانفجار النّزوع العنصري المُصاحب لكل ثقافةٍ ما دمنا نستطيعُ الحديث، ولو بنوع من الحذر، عن وجود «قابلية للعنصرية» في كل منظومةٍ ثقافية مهما كان انفتاحها على الآخر عظيما. ولكن يجبُ التذكير دائما أنَّ الإنسان «لا يولدُ عنصريا وإنما يصبحُ كذلك». إنَّ هذا النزوع إلى مقت الآخر أو الرّغبة في تطهير الذّات والعالم منه ذو طبيعةٍ ثقافية بكل تأكيد؛ وهو يستندُ إلى مُحدِّدات أنتروبولوجية عميقة اجتهد الكثير من الباحثين في الكشف عنها. إذ يُعبِّرُ النزوع العنصري عن رغبة توجيه العنف الكامن عند الجماعة إلى الآخر من أجل تحقيق نوع من المُصالحة مع الذّات وإفراغ المكبوت المُرتبط ببعض الغرائز التدميرية.

من هنا، لا يُمكنُ برأينا القضاءُ على العنصرية في مُجتمع لا يُحسنُ التعبير عن نفسه بكل حرية. لقد عرف الجزائري، تاريخيا، التعايش مع الآخر المُختلف وظلت بلادنا نقطة تقاطع لحضاراتٍ وثقافاتٍ عديدة شكلت طبقاتٍ ورواسب غنية جدا في اللاوعي الجمعي عبر العصور. وأعتقدُ أنَّ الإنسان الجزائريَّ كغيره جاهز للوقوع في أحابيل العنصرية المقيتة، التي تشعل شرارتَها الأزماتُ التي ذكرناها، والتي توقظ هواجسَ الهوية والرغبة في العودة إلى عهودٍ لم تعرف حضور الآخر المُختلف. وبما أنَّ بلدنا مُتعدّدٌ ثقافيا وإثنيا فهذا يستدعي منا – بصورةٍ مُلحة – التّفكيرَ في سياساتٍ تربوية وتنموية حكيمةٍ عكس ما نجدُ عند بعض المسؤولين الذين يُعرِّفون الجزائر تعريفا مذهبيا رسميا باعتبارها «بلدًا سنيا مالكيا يقرأ القرآن برواية ورش». فهل هذه هي الجزائر التاريخية فعلا؟ وبغض النّظر عن هذه المُغالطات المذهبية الخطيرة – في بلدٍ يعرف حضورَ الإباضية أيضا وأشكالا عديدة من الطرقية الصوفية – نجدنا نسأل: أين قيّم الجمهورية في ذلك؟ أين قيّمُ المواطنة والحريات الأساسية المكفولة دستوريا؟ هل يُمكنُ أن تكون الجزائرُ ديمقراطية مع تفكير مذهبيّ مماثل؟ هل يُمكنُ أن نبقى بمنأى عن انفجار المكبوت الهوياتي متى توفرت الشّروط الموضوعية لذلك كما نشهدُ في مأساة غرداية الأخيرة؟ إنَّ العنصرية ليست سببا أوَّل يُمسك بخيوط الأزمات المُفاجئة وإنما هي نتيجة على ما أعتقد. وربما لم نفعل منذ الاستقلال الشيءَ الكثير من أجل ترسيخ قيم المواطنة الفعلية – سياسيا وتربويا – بمعزل عن اللّعب على أوتار الانتماء وصور التّضامن التقليدية السَّابقة على ولادة الفكر الديمقراطي الحديث.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …