الخميس، 17 أكتوبر 2019

الجزائري يُمارس العنصرية ويتنكّر لها

هل الجزائري عنصري؟ هذا سؤال لم نتعوّد عليه، كما لم نتعوّد على النّظر إلى أنفسنا ومساءلتها بعمق، لكن أحداثا، مرّت في السّنوات القليلة الماضية، أثبتت وجود عطب ما في علاقة الجزائري مع «الآخر»، وصارت «العنصرية» المُبتدعة بحسب تغيّر الظّروف غطاءا يلجأ إليه الجزائري في لحظة الضّعف، ومرجعية يتّكئ عليها للتّعتيم على حقيقة فشله في الانفتاح على الاختلاف. كيف صرنا «عنصريين»، ولماذا؟ هذا ما سيحاول الإجابة عليه كُتّابون ومثثقون في هذا الاستطلاع.

خيري بلخير

لا فرق بين قرية ومدينة

يتحدّث الرّوائي خيري بلخير عن تجربته الصّادمة مع العنصرية المحلية، ويقول: «سمعت كلمة «العنصرية»، لأول مرّة، وأنا ابن عشرة أعوام، في أغنية «مونبرناس» لعبد الوهاب الدوكالي، كنت أحسبها بندقية صيد».

ماكان يظنّه بندقية صيد تحوّل إلى «كابوس» في حياة الرّوائي، الذي يضيف: «في الثانوية، عشت العنصرية من خلال تهميش أستاذ الانكليزية لنا نحن أبناء القبيلة التي رعت الغنم وسكنت الخيّام، ولم تدخل المدينة إلا بعد الاستقلال، كانت تلك النّكت التي يخترعها عن «البقارة»(البدو) أبشع من تلك الدمامل التي نمت كفطر متعفّن في وجهي. في الجامعة، صُدمت حين رفض صديق أسمر من أدرار الصّلاة خلف إمام من مدينته، حين سألته، قال: «أنا لا أصلي خلف عبد!». تخيّلته في صورة أبي جهل، وأجبته: «كلنا عبيد!». فهاج كالبعير وقال لي والزّبد يخرج من فمه: «أنا سيّد، حرّ، مانيش حرطاني (لست عبدًا) والعبيد خدمنا!». ومن يومها لم يدخل غرفتي كي يمارس هوايته البائسة في تحضير الشاي. تذكّرت هذه الحادثة منذ أيام في حصّة «جورنال القوسطو»، حين قال المراسل دحمان على حدود مالي: «أنا نكره الكحاليش»، لو كنا في دولة تحترم حقوق الإنسان لحوكم على هذه العبارة العنصرية».

واستمرت المعاناة من العنصرية في حياة الخيري بلخير لاحقا، حيث يسرد بعضا منها: «لاحقا، توظّفت معلما في قريتين، ولم أكره شيئا فيهما كما كرهت السؤال المبتذل: «أنت عموري أم بوتخيلي؟»، فكرت مرّة أن أقول لهم أنا يهودي! لم يتحسّن الوضع حين درّست في المدينة/القرية، أوّل شيء صدمني وجود مقبرتين، واحدة للأشراف البوبكريين والثّانية لسكان القصر العتيق، ولكل واحد منهما وليه الصّالح الذي يتبرّك به. أذكر موظفة(في منتصف الأربعينيات) من تلك القرية الكبيرة تعنّست رغم أنّها ما تزال تحتفظ بمسحة جمال خرافي، لأنها تنحدر من عائلة شريفة، وطوابير الخطّاب لم يكن فيهم واحد شريف، لأن الشرفاء يتزوّجون فقط الماكثات في البيت، مع ملاحظة أنه يحقّ حسبهم للرّجل «الشّريف» الزواج بمن يشاء«.

السّعيد جاب الخير

تجديد قراءة النصّوص الدّينية

بحسب الكاتب والباحث السّعيد جاب الخير فإن «العطب الموجود في علاقة الجزائري مع الآخر المختلف – سواء كان هذا الآخر محليا أم أجنبيا – ليس خاصا بالجزائريين وحدهم، بل يشمل الأغلبية السّاحقة من المسلمين، وهو يرجع في الأصل إلى المنظومة الدينية الفقهائية».

ويعتقد جاب الخير أن الكثير من النّصوص الدّينية تكرّس رفض الآخر وإقصاءه وتكفيره، كما هي الحال مع ما يسمى في علم الكلام «الفرق الضّالة»، وهي في الأصل تمثّل المجموعات التّاريخية المعارضة لمؤسسة «الخلافة»، المتحالفة مع الفقيه. ويضيف: «الحال نفسها تنسحب على المجموعات العرقية المختلفة، مثل الذين كانوا قديما يُسمون «العبيد» أو «ملك اليمين»، وغالبا يكونون من السّود ذوي الأصول الأفريقية، حيث ما يزال التمييز مسلطا ضدهم في الكثير من المناطق في الجزائر، وبقية العالم العربي والإسلامي. ومع أن مجتمعاتنا تدعي الإسلام، إلا أنها في عمقها ما تزال عنصرية وطبقية». ويري السّعيد جاب الخير أن «المنظومة الدينية لا تعترف بشيء اسمه المواطنة، ولا الحقوق المدنية، ولا الحريات الفردية والجماعية، ولا الحقّ في الاختلاف وقبول الآخر المختلف فكريا أو عرقيا أو مذهبيا أو سلوكيا. وجاءت حركات الإسلام السّياسي والدين الوهابي لتدخل على الخطّ وتكرّس هذه النزعة الإقصائية العنصرية ضد كل ما هو مختلف. من هنا يبقى السّؤال: ما هو تأثير النّص الديني المؤسس (القرآن) في محو هذه النزعة الطبقية العنصرية التي يُفترض أنه جاء ليحاربها؟ ولماذا لم يتمكن هذا النص من القضاء عليها طوال أكثر من أربعة عشر قرنا؟ هل لأنه تم تعريب الإسلام بدلا من أسلمة العرب ؟». والخروج من هذه الوضعية – بحسب المتحدّث نفسه –  يستدعي تجديد القراءة الجذرية للنصوص الدينية، مع ضرورة مراجعة برامج التعليم لتكييفها مع مفاهيم العصر.

بوداود عميّر

أفريقي يسخر من أفريقي

يتذكّر الكاتب والمترجم بوداود عميّر واقعة صادمة، حصلتّ السّنة الماضية «في إحدى مدن الشمال الجزائري، وأثناء مقابلة في كرة القدم، ردّد جمهور الفريق المُستًقبل، هتافـا غريبا، مقلّدين أصوات القردة، في سلوك عنصري واضح، ضد لاعب أفريقي كان يلعب مع الفريق المُنافس، الأمر الذي أوقع صدمة قوية في نفوس اللاعبين الأفارقة. بعد نهاية المباراة، صرّح اللاعب نفسه، مستاءًا، للصّحافة: «أن يحدث ذلك في ملاعب أوروبية، يمكن قبوله بمضض، العنصرية استفحلت في أوروبا السّنوات الأخيرة، لسبب أو لآخر… أما أن يحدث ذلك في مدينة تقع في بلد أفريقي، فهو ما لم نهضمه على الإطلاق…».

لنكن صرحاء ونعترف بأن هناك فعلا عنصرية في الجزائر، سواء بين الجزائريين بعضهم البعض، أو مع الآخرين. عنصرية ترسم أبعادا تتنوع في التسميات، ولكنها تنتهي إلى النتيجة نفسها: عروشية، جهوية، عرقية وطائفية أيضا.

يعتقد بوداود عميّر «أن أول شيء يجب القيّام به في سبيل مواجهة هذه الآفة المقيتة هو أولاً الاعتراف بوجودها، ومن ثمّ السّعي في سبيل معالجتها قبل استفحالها، من خلال العمل على ترسيخ قيّم المواطنة لدى المجتمع، على جميع المستويات، خاصة التّعليم والميديا بمختلف وسائلها، والأهم من ذلك تعزيز حجم الوعي في أن مكوّنات هوية المجتمع الجزائري ليست فقط الإسلامية، العربية والأمازيغية. هناك أيضا البعدين الأفريقي والمتوسطي. وبالتّالي يجب التعامل مع جميع مكوّنات الهوية هذه، على قدم المساواة. لننتقل كمرحلة تالية صوب زرع قيمة الأنسنـة بمفهوم أركون، بوصفها السّبيل الوحيد لفهم العالم والحياة كبديل لا مناص منه في التصدّي للهويات القاتلة».

الشّيخ ضيف الله

موجة تحررية فكرية

«عندما نتحدث عن العنصرية في أميركا، فإننا نتحدّث عن تمييز في اللّون أو العرق، وإذا تحدّثنا عن عنصرية في روسيا فإننا نتحدّث عن عنصرية أيديولوجية، ولكن في الجزائر الأمر أوسع، فهي عنصرية تشمل كل ما له علاقة بالاختلاف: العرق، اللّون، الدّين، الجنس، الطّبقة الاجتماعية، التمدّن  والمستوى الثقافي» يقول المدوّن الشّيخ ضيف الله.

ويشير المتحدث نفسه إلى أن «الدّولة الشّمولية استغلت، بشكل كبير، اللاتجانس في فرض سيطرتها على الحكم.  ومع كل تلك الفوضى، وفي غياب فكر حرّ، يبنى على مبدأ الإنسان فوق كل اعتبار، يبدو من الصّعب التّحكم غدًا في تلحيم الرّوابط المكسورة، بين مختلف الأطراف الفاعلة والتي يقوم عليها المجتمع، لذلك لا بد من موجة تحررية فكرية، تزرع في الأذهان ضرورة وضع الجزائري بصفة خاصة والإنسان بصفة عامة قبل كل شيء، وإعادة فهم الاختلاف على أنّه رحمة، أي أنّه يقوم على تنوّع حضاري يكسر حاجز التّشابه، ويقود نحو ثقافة واعية مستمدّة من العقل والحكمة وبعد النّظر».

محمد بوزرواطة

تمزّق الذّات

الكاتب و الإعلامي محمد بوزرواطة يُرجع العنصرية الممتدة، في الجزائري، إلى «ترسبات الإرث الكولونيالي»، الذي «أحدث شرخًا كبيرًا في سلوكيات الإنسان الجزائري، والتي اتسمت بالتوجّس والحذر من الآخر» بحسب المتحدّث نفسه. «هذا الأمر انعكس في ردود أفعاله التي تنزع نحو العدائية، والعنف والكراهية، بل والعنصرية المقيتة. هذا ما تشي به طبيعة الألفاظ الجارحة أحيانا التي يتداولها الجزائريون، في مختلف الجهات من الوطن. فهي تعبّر بشكل صارخ عن نزعة تدميرية قاتلة تكرّس مبدأ الإقصاء، والجهوية، والنّبذ والتفتيت بين عناصر القبيلة الواحدة، وبين العرش من جهة، والأعراش الأخرى من جهة ثانية» يضيف محمد بوزرواطة، الذي يختتم: «تغدو العنصرية على هذا النّحو، مؤشرًا دالا على تمزّق الذّات وانغلاقا على الهويّة عوض أن تكون هذه الأخيرة، فضاءً مفتوحا على الحوار والتّسامح والتّعايش بين الطّوائف والقبائل والتّجمعات البشرية في البلد الواحد».

عبد القادر ضيف الله

جزائري يكره نفسه

من جانبه، يقول الرّوائي والنّاقد عبد القادر ضيف الله، متحسرًا: «الجزائري لم يكن عنصريا في تاريخه أكثر مما هو عنصري اليوم»، والسّبب، هو «تراكم مخلفات التّخلف وانحسار الوعي، في التّفكير القبلي والدّيني، وذلك بعد أن أصبح، جراء السّياسات المتعاقبة منذ الاستقلال، يمقت التّنوع الإثني، ويمقت الآخر، بحجج تتعلق أحيانا بما هو تاريخي، وأحيانا أخرى بما هو ديني، مع الآخر المختلف في الدّين مثل اليهود أوالمسيحيين. وفي السنوات الأخيرة، وجراء ما سمي بالصّحوة الدينية، التي ضربت انسجام المجتمع الجزائري في العمق، وجعلت الجزائري ينقسم على ذاته، أصبح الأبناء يرون في تديّن الآباء تديّنا متخلفا، وغير صحيح يجب تغييره، وهذا ما عزّز العنصرية في داخل الجزائري، وأصبح يكره نفسه، ويكره الآخر».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …