السبت، 20 يوليو 2019

«دياز».. يعيد تخصيب الراب

الجزائر العاصمة لا تملّ من الانتقام من نفسها، فهذه المدينة التي شحبت من تكرار عثرتها، فهمت أخيرًا أن التّاريخ لن يرحمها، وأن الأصوات القادمة من العمق هي من سيحرّرها من عجزها، هكذا، بعدما انقلبت على أصوات المؤسسين، مثل «أنيتك» و«حامة بويز»، هاهي اليوم تكتشف أن الرّحم التي أنجبت، قبل حوالي ربع قرن، الاستثناء، ما تزال قادرة على الفعلة نفسها، وعلى أن تُصدّر، من العتمة إلى النّور، وفي غفلة من زحمة الرّاهن المكتظّ، صوت «دياز» القلق، المصرّ على السّباحة عكس التّيار، صوت صادم، يستأنس بالحاضر ليحمي نفسه من الكدمات التي صارت تحملها أزمات البلد المتعاقبة.

دياز

في تعريف الراب، نجد كلمة جوهرية، هي: «الاحتجاج»، هذا النّوع الموسيقي لا يقوم سوى على أرضية خطاب مُضاد للسّائد، ليس بالضرورة أن يكون معارضا، ولكن من الواجب أن يكون مشككًا وطارحا للأسئلة الحرجة، ولم تخرج أغنية دياز الأخيرة «سيفيل(مدنيّ) في بلاد العسكر»(جوان 2015) عن هذا النّهج، واستعان المغني بقاموس سياسي، مع إيقاع بطيء ممزوج ﺒ«الشّعبي»، ليحتجّ ويندّد بالفساد، وبالمليارات التي ضاعت تحت مظلّة «الدّولة»، ويخبر المستمع بأن الصّبر قد نفذ أمام ما حصل وما يحصل، ويقرّ في مقطع من الأغنية: «أنا الشّعبي ماراني قدو، والراب ماولى قدي». هو بيان «استقالة» مبطنّ أعلنه دياز(اسمه الحقيقي فريد بلهول) إزاء حياة تتّسع فيها الخيبات، فالرابر (33 سنة) الذي أسّس تجربته على «التّنديد» بالحياة التي يعيشها، يكون اليوم قد فهم أنه يقف أمام سور عالٍ، وأن الكلمات وحدها ليست سُلّمًا لتجاوز سقطات التّاريخ، خصوصا حين يتنازل الجلاّد عن تحمّل مسؤوليتة، حيث يضيف دياز: «واحد ما مسؤول.. غير نشكيو عيناني!» ويختتم بيأس متفائل: «الشّدة فالله، شد في حبلو.. خليهم يطبلوا». هذه الأغنية جاءت كبيان «خيبة» يتستّر على نقاط مضيئة، فمجرد الحديث عن أزمة ما بصوت واعٍ هو مشاركة حتمية في حلّها.

محاولة الإحاطة بريبرتوار «دياز» هي تجربة تشبه المشي على أرض حارقة، فهذا المغني يرفض الانصياع للتّصنيفات، يُنوّع في خرجاته، ويتفادى التّكرار، يلعب على أكثر من ثيمة، ويناقش ما يدور حوله بصخب وإدراك، وتطلّع ممزوج ببعض الخوف من القادم، يبدي رؤية، تكبر أحيانا وتضيق أحيانا أخرى، في تفاعلها مع محيطه المسكون بالأسئلة، هكذا نقرأ سيرة مختصرة في أغنية «حاصل»، التي يتأسف فيها: «صعيب الجهل كي يجي من النّاس اللي قرات»، ويحكي فيها عن ضياع المفاهيم، في مقطع جدّ معبّر، يذكر فيه كيف صار «كارل ماركس» يُجاور «ابن تيمية» في يوميات الجزائر، وهي واحدة من الحقائق التي نراها كثيرا ونتحدّث عنها قليلا، أما في أغنية «عرسلو»، التي تستحقّ أن تكون عنوانًا لجيل راب ما بعد 2000، فنعيد اكتشاف دياز في لحظة انعتاقه من جذور الأبوية، التي وضعتها قبله فرق مثل «أم.بي.أس»، ويعلو بالراب الجزائري إلى نقطة الانفصال عن التراكمات الماضية، مكّرسا بذلك مسيرة التّجديد التي تأخرت كثيرًا في الوصول. لكن، كلّما تقدّم دياز خطوة إلى الأمام نشعر أنه يحنّ إلى راب التسعينيات، هذا ما يظهر مثلا في الأغنية التي جمعته مع «يوس»(الذي ما يزال رهينة ماضيه، ما بعد 5 أكتوبر88)، لكنه لا ينفصل أبدًا عن الأسئلة التي يتعاطاها باستمرار، وهو ما نسمعه في واحدة من أغانيه السّاطعة: «الله يطلق سراحنا».

ربما انتبهنا، في السّنوات الماضية، للأزمات التي خلخلت البلد، وزادته تصدعًا، من أزمات مالية وسياسية وهوياتية، لكننا لم ننتبه لأزمة الراب، التي لا تقلّ أهمية عن سابقاتيها، فعلى طول سنين، عاش الراب الجزائري تحت وطأة «التّدجين» ومنطق الإغراء، حتى كاد يفقد بريقه، ليُعاد بعث الرّوح فيه مع جيل جاء من طفولة موشومة بأصوات الرّصاص ومشاهد قطع الأعناق، وما يحمله دياز من تجديد هو ليس سوى صورة مصغّرة من جيل كامل، يمتدّ حضوره وصخبه من الجزائر العاصمة إلى عين صالح، يؤمن بخيار المقاومة بالكلمة العالية، ليس من أجل التّغيير، بل فقط للتّخفيف من صدمة الخسارات.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …