الأحد، 16 يونيو 2019

في غرداية.. الجلاد يبحث عن ضحية

سعيد خطيبي

لحظة المأساة تتحوّل إلى سخرية، هكذا، وسط الفوضى، نجد إماما يتّهم، ورئيس حزب يتهم، ومواطنا التبست عليه الأمور يتهم، ومناضلا بقناعات فجّة يتهم، وفايسبوكيا يئس من أمره يتهم، وعابر سبيل يتهم، لتتداخل المفاهيم فيما بينها وتزداد ضبابية، وننتقل بسلاسة من التفكير إلى التّكفير، بعدما فشلنا في تحديد مسافة بين النّقد والاتهام.

لما نتّهم أحدا ما فنحن نضعه في زاوية «الدّفاع عن النّفس» رغم أنفه، نرسم له دائرة يتحرّك فيها بصعوبة، ونفرض عليه أمرًا ربما هو بعيد كلّ البعد عنه، فالمتهم في الجزائر هو ضحية قبل الآوان، هو ملزم بدفع ثمن ما، وليس له الحقّ في مرافعة أخلاقية، ولا الحقّ في البحث لنفسه عن محامٍ ولاعن شهود براءة، المتهم هو الكائن الأضعف في كلّ لحظة تشتّد فيها الأزمة ويغيب فيها المنطق عن التّفكير.

هذا المتّهم، الذي يُكرّر نفسه في كلّ مرّة بلا ملل، يصعب الإمساك به، فهو كائن زئبقي في العادة، هو الطّائفية تارة، وتارة أخرى الأيادي الخارجية، وأحيانا يحمل اسم «أعداء الأمة»، وقد يصير، بحسب الحاجة، فلانا في بعض المرّات، هو متّهم يغيّر لونه، من عام لآخر، بما يليق بهشاشة الوضع، وبما يُناسب قواميس دولة مركزية تخاف من ظلّها.

المتّهم هو طرف نحمّله وزر أفعالنا، نتحامل عليه كي نتبرأ من خساراتنا، نحوّله من صفته الأساسية إلى صفة أخرى تتفق مع ضعفنا، نجعل منه «سيزيفا» معاصرًا كلما اقتضت الضرورة، وننتقهم منه بأن يحمل صخرة خطايانا إلى الأعلى، لتتدحرج بها إلى الأسفل، بلا توقّف.

يبدو أن النّظام، الذي قضى عقودًا في عرض وصفات لم تنجح، وفي تبرير ما لا يُبرّر، ينظر إلى نفسه في المرآة، كلما ضاقت رؤاه، يتلمّس ملامحه المجعّدة، ثم «يتّهم» المرآة بضعف البصر، نظام يحاول تقويم الوضع بتعميق الهوة بينه وبين من يثق فيه، يكرّر خطابات أثبتت فشلها من أجل فقط اختلاق كبش فداء يفيده في مسعى التبرّؤ من مسؤولياته أمام الرّأي العام.

في غرداية، اكتشفنا بأن البحث عن متهم أهمّ بكثير من فهم ما يحدث فعلا على الأرض، سارعنا إلى ابتكار لعبة للتّحايل على التّاريخ، فتحايل علينا التّاريخ بتكرار نفسه، هكذا عرّت غرداية عوراتنا، ووضعتنا في مواجهة فشلنا وحقيقتنا كأفراد وجماعات تتعامل مع الحدث بالعاطفة لا بالواقعية.

بعد تحويل الموروث الثّقافي لبني ميزاب إلى فلكلور، غير متطابق مع حقيقة أهله وميولاتهم، وذلك بعد سنوات من التّسيير الانفرادي لقطاع الثّقافة، ها هي الكوميديا السياسية تجد لنفسها اليوم مكانا تحت الظلّ في غرداية وتحوّل موضوعا حاسما إلى فلكلور، ألم يكن التعامل السياسي مع الأحداث الأخيرة أشدّ مأساوية مما حصل فعلا؟

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …