الأحد، 16 يونيو 2019

غرداية.. شهيدة العبث الفلكلوري

د.عمار كساب

عندما تخطّت قدماي، لأول مرة، عتبة المبنى الشّهير لمنظمة الأمم المتحدة للتّربية والعلم والثّقافة (اليونسكو)، بباريس عام 2008، كانت المحادثات، المتعلّقة ﺒاتفاقية اليونسكو حول حماية وتعزيز أشكال التّنوع الثّقافي، قد بلغت أشدّها بين ممثلي الدّول الأعضاء في المنظمة نفسها.

حضرت أول لقاء رسمي حول هذه الاتفاقية الجوهرية في جوان من السّنة ذاتها، وكانت التّجاذبات بين الأطراف المختلفة، في قاعة الاجتماعات الكبيرة، تصبّ أساسا في خانة البحث عن آليات جديدة لتطوير وتفعيل ما يسمى ﺒ«حوكمة التّنوع الثّقافي» أو «التّسيير الرّشيد للتّنوع الثّقافي»، وقد تحوّل حينها موقع كل فاصلة أو نقطة في نصّ الاتفاقية إلى قضية دول بأكملها لما لبنود الاتفاقية من وزن على أمن وسلامة أهالٍ وقبائل وشعوب.

وقد شدّ انتباهي يومها، بشكل خاص، مندوبو كلّ من كندا والمغرب وقطر داخل الهيئة الأممية، والذين تميّزوا بالحيوية، وظلّوا يطلبون الكلمة، في كلّ مرّة، لإقناع مندوبي دول أخرى بضرورة إدماج جملة هنا أو هناك في النّصوص التّطبيقية.

وأتذكّر جيدًا ممثّل الجزائر، في منظمة اليونسكو، الذي قضى كل الفترة الصّباحية في قراءة الجرائد وشرب القهوة، قبل أن يختفي تماما لمدة اليومين ونصف اليوم المتبقية من الاجتماعات. وإن كان ذلك يدلّ على شيء فإنما يدلّ على عدم اكتراث النّظام ومن يمثله بقضية حماية وتعزيز أشكال التّنوع الثقافي، فالنظام في الجزائر يكفر بالتّنوع الثّقافي ويؤمن بهوية متصلّبة مزدوجة البعد: عربية – إسلامية.

في سبيل محاربة كل تنوّع ثقافي في الجزائر، يستعين النظام، منذ الاستقلال(1962)، بأداة تشكّل خطرًا كبيرًا على وحدة الوطن، هي أداة «العبث الفلكلوري». وقد ازدادت حدّة استعمال هذه الأداة في زمن وزيرة الثّقافة السّابقة خليدة تومي(2002-2014) التي تتحمّل مسؤولية تاريخية كبيرة في الموضوع بسبب تسييرها «الإرهابي» لقطاع الثقافة طيلة 12 سنة.

العبث الفلكلوري كإستراتيجية هيمنة ثقافية استعملها المستعمر الفرنسي في الجزائر، ويستعملها المغرب في الصّحراء الغربية والصّين في إقليم التبت… وهي إستراتيجية لاتقتصر على طمس فنّ المجتمع المُسيطر عليه والمُضطَهد، بل تتعدى ذلك من خلال انتقاء، أو في بعض التّجارب، خلق «فنّ شعبي» يُنقص من قيمة الشّخص، بما أن هذا«الفنّ الشّعبي»لايعبر عن قدرة المجتمع المُضطهد في الإبداع، بل هو مجرد تجربة عادية يعيشها يوميا، لذلك نجد أن النظام يفضل غالبًا التّركيز على الغناء والرّقص الفلكلوري من خلال تنظيم مهرجانات فارغة المحتوى، ويهمل متعمدا فنون المسرح والسّينما والكتابة، لأنه لايوجد «مسرح فلكلوري» أو«سينما فلكلورية»أو «كتابة فلكلورية».

ولايزال العبث الفلكلوري يُستخدم بصورة خطيرة في الجزائر، هكذا تحوّل التّنوع الثّقافي إلى نقمة في غرداية عوض أن يكون نعمة. ويتحمّل النّظام المسؤولية كاملة، في «فلكلرة» ثقافة بني ميزاب، إلى درجة أصبح فيها الميزابيون يشعرون بأنفسهم غرباء على أراضهم أمام ما يطالهم كل يوم من هتك أعراض وضرب وقتل.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …