الخميس، 29 أكتوبر 2020

مالك بن أنس في ورطة الطّائفية

ما سبب التحريض على أبناء وادي ميزاب؟

كما كان متوقعًا، استفاقت الطّائفية من قيلولتها، ومزّقت نفسها بكل أنانية، وانتقمت من حوالي عشرين ضحية في غرداية، في لحظة انغلاق الهويات على ذاتها، وتخندّق الجزائري في دائرة مفاهيم خاطئة للأشياء.

«إباضية ضدّ مالكية» و«مالكية ضدّ إباضية»، هكذا يسير التّاريخ عكس مجراه اليوم، بسبب تراكمات عقود من العشائرية، ومن فهم غير سويّ لبراغماتيات مذهبين دينيين قاما طويلا على أرضية مشتركة.

يجب أن نقلّب قليلا في كتب التّاريخ، بحثا عن السّيرة الأصلية لأب الإباضية جابر بن زيد الأزدي، الذي تحدّث عن نفسه قائلا: «أدركت سبعين رجلاً من بدر، فحوينا ما عندهم من العلم إلا البحر الزّاخر (يقصد عبد الله بن العباس)»، جابر بن زيد الذي قال عنه مالك بن أنس بأنه «أعلم من في الأرض». هل يعقل، بعد هذا، أن يتجرأ سماسرة الدّين المسيّس على وصف الإباضيين ﺒ«الخوارج»، رغبة منهم في تأليب الرّأي العام ضد أبناء وادي ميزاب! أليس الخوارج هم من خرجوا على قرارات علي بن أبي طالب! في هذه الحالة سنجد أن السّيدة عائشة واحدة منهم والزبير بن العوّام أيضا، هل نرفع سيف التّكفير ضدهما؟

أمام هذا التّاريخ المرن، الذي صار يتمدّد ويتقلّص وفق أهواء جماعة دينية ضاغطة، متواطئة مع جماعة سياسية «صامتة»، باتت المغالطات تتسرب بهدوء في اللاوعي الجمعي، لتحلّ محلّ القناعات التي قامت عليها الهوية الجزائرية الجامعة منذ البدايات.

يعتقد المفكر سلافوي جيجيك أن «صراع الحضارات»، الذي روّج له الأميركي صموئيل هنتنجتون، ليس سوى مصطلحا تجاريا، يليق بخدمة خطابات الهيمنة الأحادية، والأصحّ أن كل حضارة تعيش صراعات داخلية، وهي حقيقة تنطبق على المشهد المحلي، ففي لحظة تزعّم رجل الدّين السّلفي «الأنتيغريست» لركح الحياة اليومية، صار من العادي أن يتحوّل «المختلف» إلى عدوّ، فهو رجل دين مزاجي، يقرأ كتب الشّريعة ولايقرأ كتب التّاريخ، لم يسمع عن دولة عبد الرحمن بن رستم، التي حكمت حوالي القرن ونصف القرن بتسامح وعدالة وتوازن في علاقاتها مع الطوائف الأخرى، ومع اليهود والنصارى، هذا الإرث الرستمي الإباضي النّاصع، الذي مُحي، مع السّنوات، من الكتب المدرسية، وتحوّل إلى نوع من أنواع الفانتازم الاجتماعي، المرغوب فيه والمكروه في آن.

إن من يصفهم أئمة الهجرة والتّكفير ﺒ«الخوارج»، هم مسلمون مثلنا، هم أهل دعوة وأهل استقامة، قاموا بدورهم التّاريخي في الاجتهاد، ومذهبهم قد يصنف فعلا كمذهب خامس مُكمّل للمذاهب الأربعة، وهم قبل كلّ شيء جزائريون، ودعوات التّحريض عليهم هي في الحقيقة، نوع من التّحريض على الهوية المشتركة، ومن الطّعن في القيّم التي دعا إليها مالك بن أنس.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …