الخميس، 17 أكتوبر 2019

من أين جاء العرب..؟

رشيد فيلالي

1

من الألغاز التي حيّرت العلماء والباحثين العرب وحتى الأجانب قضية الأصل المختلف فيه بشأن جذور العرب واللّغة العربية، وربما كان الدّكتور طه حسين من أكثر المثقفين العرب جرأة في طرح هذا الموضوع ضمن كتابه الشهير«في الشّعر الجاهلي»(1927) الذي أثار حين صدوره موجة من النّقد والنّقد المضاد ولم تهدأ عاصفة هذا الجدل في رأي حتى يومنا هذا، طالما أن السؤال المحوري الذي أثاره عميد الأدب العربي لا يزال«طازجا»ولم يحسم فيه بشكل قاطع ، ولبّ هذا اللّغز القول بأن العرب ينقسمون حسب التقسيمات الكلاسيكية إلى عرب عاربة وهم القحطانيون وعرب مستعربة وهم العدنانيون، والقحطانيون حسب أصحاب هذه المقولات التّاريخية هم الذين ولدوا عربا بالسليقة وموقعهم الجغرافي جنوب الجزيرة العربية(اليمن حاليا)، أما العدنانيون فهم عرب تعرّبوا وموقعهم الجغرافي شمال الجزيرة العربية..

وإلى غاية اليوم نجد هذا التقسيم سائدا في الكثير من الكتب الأدبية والتاريخية العربية، لكن المثير في الموضوع أنه بعد تطوّر الدّراسات اللّسانية والاكتشافات الميدانية الحديثة تبيّن بأن القحطانيين أوالعرب العاربة لايتكلمون لغة عربية، بل لغة أخرى تدعى«الحميرية»، وهي لغة أقرب إلى اللّغات الحبشية، أما العدنانيون فهم يتحدّثون خليطا من اللهجات العربية، ومن ثمّة فهم الأكثر عروبة من غيرهم، وهذا في الحقيقة هو ما دفع طه حسين إلى طرح فكرة أن الشّعر الجاهلي كلّه منحول وموضوع، أي مزوّر، ولا سيما أنه كتب في العصر الأموي وبعربية فصحى شمالية، مع أن من أبرز شعرائه امرؤ القيس مثلا الذي كان«قحطانيا»حسب التّقسيم الشائع، ورغم نظرية هجرة الجنوبيين واختلاطهم بالشّماليين و«تعرّبهم»، إذا جاز التّعبير، فإن القضية لا تزال مع ذلك محل نقاش محتدم حول أصول اللغة العربية والعرب وليس هناك رأي ثابت ومتفّق عليه في هذا الشأن إلى غاية الآن.. فتأمل.

أصل مختلف فيه بشأن جذور العرب

2

ينتقد المثقفون الفرنسيون بشدة الأخطاء اللغوية المرتكبة في حوارات الرئيس فرونسوا أولاند وفي خطاباته الرسمية، إذ يعيبون عليه مثلا تكرار استعمال الضّمير في جملة واحدة، حيث يقول مثلا :«…La France, elle a des atouts» و«.Les résultats, ils tardent à venir». وكان من المفروض أن ينتبه لأسلوب كلامه، ولاسيما أن هذا النّوع من التكرار نجده عادة يشيع في كلام الأطفال ولدى العامة غير المتمكنين من لغة فولتير، لكن ماذا نقول نحن عندما نسمع خطابات وتدخلات ساستنا، الذين لا يتورعون في ارتكاب أقبح الأخطاء اللّغوية وأشنعها دون أن تطرف لهم عين، بل على العكس يجدون في ذلك لذّة مرضية، كونهم يفتخرون بإجادة الفرنسية وعدم إتقانهم للغة العربية، وهي ظاهرة شيزوفرينية عصية عن العلاج.

ساستنا لا يتورعون في ارتكاب أقبح الأخطاء اللّغوية

3

في أساليب التّعبير المعاصرة عادة ما نجد الكثير من الحشو اللّفظي والتّكرار السّمج، حيث نقرأ مثلا عبارة«التقيته في وسط المدينة»، وكان من الأجدر القول«وسط المدينة»وكفى، ويقال أيضا«أشعر بصداع في رأسي» لكأن الصداع يمكن أن يكون في كعب القدم! وهذا ما يُسمى في الفرنسية«le pléonasme»، والواقع أن هذه الظّاهرة لا تقتصر على الكُتّاب بالعربية فحسب، إذ يشكو منها الفرنسيون(وغيرهم) كذلك، وإن كانوا يتسامحون إلى حدّ ما في هذا المجال، حيث يقولون «Unir ensemble، voler en l’air، voir de ses yeux»، وكما يبدو لنا جليا نفس هذه التعابير نجدها تستعمل بالعربية «نجتمع معا، نطير في الهواء ويرى بالعين»، وإذا كانت بعضا من نفس هذه التعابير مقبولة ضمن بعض السّياقات الأسلوبية، فإن الاستغناء عن الكثير منها يدخل قطعا في صميم البلاغة والسّمو في التّعبير وفن القول.. فتأمل.

حشو لفظي وتكرار سمج في اللغة

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …