الجمعة، 23 أغسطس 2019

عمرو خالد يلعب بعقل المشاهد

ّعمرو خالد.. يغرق في بحر الإلحاد

أربك عمرو خالد المشاهد بسذاجة أطروحاته، في الجزئين الثّاني والثالث من حلقاته عن الإلحاد، في برنامج «الإيمان والعصر»، حيث طلب من المشاهد أن يغمض عينيه ويتخيّل«عدم وجود نفسه». كيف لشخص عاقل أن يشكّ في عدم وجود نفسه؟ هكذا طرح يفتقر للمنطق، فلا يمكن لإنسان عاقل أن يعتبر وجود نفسه من عدمه برهانا على وجود الخالق؟

يواصل عمرو خالد (1967) حديثه بطرح مثال شخص يصادف كوخا في الصّحراء، فيتساءل عن إمكانية شكّ الشّخص في وجود الكوخ بالصدفة(بدون موجد، أي بنّاء)، ويؤكد أن الشّخص سيفكر أوتوماتيكيا في حقيقة وجود الكوخ من طرف موجد آخر(يعني إنسان آخر)، فيتساءل: «إن كان للكوخ موجد فمن هو موجد(خالق) الصّحراء بتلالها وجبالها؟ ليستنتج مباشرة أن للكون خالق مادام للكوخ خالق، وأن وجود الخالق بديهي من بديهيات«العقل» ولايحتاج لشك!«.

في هذه اللّحظة، يكون المشاهد قد فهم قصد الدّاعية المصري لما قال في بداية «العرض» أن الحلقات ليست موجهة للملحدين، بل للمؤمنين، ربما كان يعلم افتقار مقاراباته  للمنطق، وأي ملحد لم يكن ليتقبّل إجاباته المتسرعة، التي لاترتكز على أي دلائل علمية أو حتى منطقية؟

يقول عمرو أن النبات يعتمد على الشمس والماء والهواء لكي يحيا، ثم يفاجئنا بالقول أن الشّمس والماء والهواء يحتاجون للأوكسيجين والهيدروجين للوجود!! كيف؟ لم افهم كيف تحتاج الشّمس للأوكسيجين! من أين أتى عمرو بهذه المعلومة؟ الشّمس لاتحتاج لأوكسيجين لأنها لاتحترق بالمعنى الأرضي للإحتراق، لكن طاقتها الحرارية و الضّوئية توُّلد من الإندماج النووي من الهيدروجين والهيليوم، ويواصل المتحدّث استنتاجه بالإشارة إلى أن كلّ شيء في الكون ناقص لوحده، وكل شيء يعتمد على شيء آخر، ليستنتج من العدم و بدون برهان أنه مادام كل شيء«ناقص» ويعتمد على شيء آخر ليكتمل فإن هناك حتما وجود لخالق كامل يوقف تسلسل الأشياء في إعتمادها على أشياء أخرى، و إلالضاعت الأمور في حلقة غير منتهية! كيف يعتبر تسلسل الأشياء و تناسقها في الطبيعة نقصا؟ هذا إن دلّ على شيء فيدلّ على عدم وجود خالق أصلا.

لماذا إله واحد؟

هذا السّؤال لايطرحه الملحدون كونهم لايعترفون بوجود إله، فمابالك بوجود آلهة، وإنما يطرحه المؤمنون بدايانات أخرى، إلا أن شرح عمرو خالد كان متناقضا مه ذاته وبعيدا عن المنطق، فقد صرح بأنه لاوجود لآلهة لأن لاإله آخر أعلن وجوده! ليقع في تعارض مع أفكاره ويستعمل نفس طريقة رفض الملحدين لطرح وجود إله،  فطرح عدم ثبوت أدلة بوجود آلهة أخرى، ينطبق نفسه على عدم وجود إله أصلا. ويضع  عمرو خالد نفسه في موقف حرج بتشبيهه لبنية التمساح والأرنب والزرافة التشريحية، فيقول إن العمود الفقري لكل واحد من هذه الحيوانات مكوّن من 7 فقرات! كيف نعتبر هذا دليلا أصلا، فمثله مثل أن نقول أن الحيوانات الثلاثة تتنفس و لديها أفواه وأرجل… ربما عمرو يجهل الشرح البسيط لنظرية تطوّر الكائنات مع محيطها، فمحيط الحيوانات الثلاثة متشابه (كلها تعيش على اليابسة) فإن بنيتها العضوية تتشابه عامة و تختلف حسب تكيّف الحيوان مع محيطه الخاص، فمن الطبيعي ان تتشارك فيما بينها في بعض الصفات. ويستدل في بطريقة الخلق بالقول ان طريقة الخلق واحدة فكما تنزل قطرة الماء على الأرض لتخلق نباتا تنزل النطفة في رحم المرأة لتخلق إنسانا! ليستنتج بذلك أن للكون خالق واحدا لتطابق و تشابه الأشياء في الأرض! هكذا صار الدين و العلم خطان متوازيان لايلتقيان في نظره، وهو استغباء واضح للمؤمنين من طرف أئمتهم،  فكيف يتقبل أي انسان عاقل و ذو مستوى متوسط شروحات كهذه؟

هل نشأ الكون صدفة؟

بالطبع عمرو لم يطرح سؤالا، لكنه صاغ إجابة على شكل سؤال، يجيب فيها على استحالة تكوين الكون بالصدفة بنفس طريقة إجابته عن وجود خالق، فيروي قصة الإمام أبو حنيفة وحواره مع الملحدين، حيث تعمّد تأخره عن موعد مناقشتهم، ولما طلبوا منه السّبب روى لهم بتهكم كيف تكوّن(خلق)قارب أمام عينيه وكيف قادته الأمواج بالصدفة، فعندما استاء الملحدون من تهكمه، تساءل عن كيفية قبولهم  لتكوّن الكون بالصدفة ورفضهم تكوّن قارب بالصدفة! في الحقيقة، هذا طرح قديم للإجابة على أصل الكون وعلى إثبات وجود خالق من عدمه، فقصة تكون قارب من نفسه بنفسه من دون أي قوة طبيعية أوقوة خارجية (إنسان) في ظرف زمني قصير هو استهزاء بالعقول المفكرّة، كيف يقارن تكوين كون  متجانس بخصائصه الفيزيائة وتفاعلاته الكيميائية التي تفسر ظواهره و وجوده و استمراره لبلايين السنوات، بأسطورة تهكمية لتكوّن قارب في لحظات بالصدفة؟ ويواصل الدّاعية إجابته بتناقض آخر عند إقراره بنظرية الإنفجار الكبير ويشير إلى إمكانية شرح الآية 30 من سورة الأنبياء للإنفجار العظيم:«أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ». و يتناسى الآيات التي تناقض النظرية نفسها في سورة فصلت الآيات من 9-12 :«قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» فطرح نظرية الانفجار العظيم ينافي ويناقض الآية التي تقترح تَكوُّن الأرض مع الكَون، فمن المستحيل أن يكون تَكوُّن الأرض مع الإنفجار أوحتى أياما بعده، لشدة حرارة الكون بعد الانفجار والتي دامت ملايين السنين…

من المؤكد أن ملحدا سيجيب على الأسئلة الثلاثة التي يدعي عمرو أن الملحد لن يجيب عنها. لم نخلق كبشر لكن وجودنا ووجود كل الكائنات على الأرض جاء نتيجة تطور عبر ملايين السنين، ونظرية داروين تشرح تطوّر البشر من سلالة القردة بالتّفصيل، كما أن العلم أثبت تقارب الحمض النووي البشري مع الحمض النووي لقردة الشامبانزي باختلافات بسيطة..أما عن سبب وجودنا فهو كسبب وجود أي كائن، ما سبب وجود الأسماك والأشجار والطيور؟ نحن مجرد جزء من سلسلة طبيعية كبيرة ولا يوجد هدف معين من وجودنا سوى موازنة تلك السّلسلة، أما تفوقنا(العقل) فجاء أيضا نتيجة تطورنا ككائنات وتكيفنا مع احتياجات محيطنا.. أما النتيجة في الأخير، هو سؤال من لاهدف له في الحياة، هو طرح متدين يحبّه المؤمنون ومن لا هدف لهم الحياة، فوجود حياة بعد الموت يبعث فيهم أمل فرصة أخرى، كما إن ترغيبهم بالحياة الآخرة بكل مواصفاتها تجعلهم يتحمّلون كل أنواع الشرور والمحن أملا في حياة أبدية أفضل، و ترهيبهم بعذاب النار يسهل قيادتهم و توجيههم، و الدليل هو كثرة الفرق و صراعاتها.

ويخصص عمرو خالد حلقة كاملة للردّ على سؤال واحد، يُعتبر – على حدّ قوله – أكبر سؤال يسأله الملحدون وهو معضلة الشّر والألم.

كيف للخالق أن يسمح بوجود الشرور والآلام؟

عمرو خالد يستغرب تساؤل الملحد عن حقيقة وجود خالق مع كل ما يحدث من شرّ وعذاب للبشر على الأرض، فكيف يسمح هذا الخالق بزلازل وكوارث تقتل وتشرد الملايين ويترك أهاليهم في ألم وعذاب كبير؟ ما ذنبهم؟ يجيب عمرو بان الخالق لم يأمر بوجود الشّر، لكن سمح بوجوده، و هو ما يعطي حرية للبشر في الاختيار، و يطلب أن نتخيل لو فرض الخالق الخير على البشر، كيف ستكون نتيجة عالم بلا شرّ؟ يقول عمرو أن الحياة في عالم كهذا ستكون بدون حرية!! لذا جاء الدين ليضمن حرية البشر، ويضيف أن في صميم كل شرّ خير.

أعطى عمرو أمثلة كثيرة، لكن أجوبته كلها كانت ساذجة و بعيدة عن المنطق، كيف يتقبل أي إنسان يفكر بعقلانية هذه الأجوبة؟ كيف لدين يُقيّد الحريات ويبيح استعباد البشر وسبي النّساء وقتل المرتدين، أن يضمن حرية البشر؟ كيف يستغبي عمرو المشاهد لينتقد تمثال الحرية ويوهم المتفرج أن الدين جاء ليضمن حرياتهم، ويناقض نفسه بالقول أن الملحد يسعى لحياة سالمة وطيبة وسعيدة، فيتسائل: كيف للملحد أن يسعى للجنة لكن يرفضها في نفس الوقت؟ ماهذا التناقض؟ ألم يشرح لنا أن الحياة من دون شرور و آلام هي حياة من دون حريات؟ ألا يعني هذا أن حياة الجنة حياة خائبة من دون حريات؟ كيف نستغرب سعي الملحد إلى حياة سالمة على الأرض و نتقبل حلم المؤمن في سعيه لها في حياة أخرى؟ أين هو المنطق هنا؟

ينهي أجوبته بتساؤل الملحد عن الموت، والحقيقة أن الملحد لايتسائل عن الموت ولايخوض حوار الموت، فمعظم الملحدين متيقنين بفرصتهم الوحيدة في هذه الحياة، لذا تجد الملحد يستغل حياته و يحاول أن يترك بصمته الإيجابية، والدّليل أن معظم العلماء من الملحدين، فعندما يفهم الإنسان فرصته الوحيدة في عيش حياة محدودة، نجده يحاول أن يحسن استغلالها، بينما إيمان المؤمن بحياة أبدية و حياة أخرى تجعله يستهتر ولا يقيّم حياته ولاحياة الآخرين.

رغم انتقاء عمرو خالد لأسئلة حلقات برنامجه حول الإلحاد بعناية، إلا أن أجاباته لم تكن مقنعة، ليؤكد أن الحلقات كانت فعلا موجهة إلى المؤمنين لتقوية إيمانهم و ليس«لهداية» المحلدين أو بحثا عن أجوبة منطقية لأسئلتهم.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …